• "إن التصوير الشعبي العربي فن فطري يخضع لتقاليد متوارثة عبر الأجيال، يقوم به أناس من عامة الشعب، يتمتعون بثقافة عادية."[1]

انطلاقا من هذا التعريف سنتطرق إلى حضور النبات و الحيوان في التصوير الشعبي، لكن قبل الخوض في هذا المبحث يجب أن نطرح أكثر من سؤال:إذا كان حضور العنصر النباتي والحيواني في المنمنمة الإسلامية  مكثفا، في توافق تام مع النص المكتوب(الذي تعددت مواضيعه)، فتجلى في أسلوب تشخيصي حينا وتجريدي أوشبه تجريدي أحيانا أخرى.فبأي أسلوب جسدت النباتات والحيوانات في التصوير الشعبي؟ وما أهمية و رمزية هذين العنصرين في العمل الفني؟ هل أن تمثيل هذين العنصرين على محامل مختلفة ومن قبل "فنان شعبي" سيحيلنا إلى مسار جديد قوامه الفطرة والسذاجة؟ أم أن اللغة التشكيلية واحدة بينما الأساليب التعبيرية والفنية هي المتعددة؟

من هذا المنطلق يمكن القول أن التصوير الشعبي العربي هو أسلوب تعبيري ينجز على محامل مختلفة مثل الزجاج والفخار والجدران والورق والخشب والقماش والحصير  وجلود الحيوانات...لغايات تزويقية.

والمتمعن في موضوعات التصوير الشعبي العربي في مختلف الاقطار العربية  يدرك جيدا أنها موضوعات دينية، تاريخية، هذا بالإضافة إلى السير الشعبية...إذا الموضوع هو انعكاس للبيئة والعقيدة، يجمع بين المادي والروحي وثراء هذه المواضيع على المستوى الرمزي خاصة مثل مجالا حيا لنشأة رؤية فنية وأسلوب تعبيري يستمد بنيته التشكيلية من البيئة  والواقع.لا يخلو مضمون العمل التصويري الشعبي من رموز تزيده قيمة و رواجا و قربا من العامة،بل ان  ثراء اللوحة على المستوى الرمزي خاصة جعل هذا النمط الفني محل متابعة ودراسة.

والمتأمل في اللوحات الشعبية يدرك جيدا أنها لا تخلو من عناصر نباتية أهمها النخيل، على الرغم من غياب المشهد الطبيعي في معظم اللوحات وتعويضه بأشكال زهرية وورود  ونباتات  ترسم منفردة في شكل وحدات زخرفية  تزينية تجمع بين العناصر التأليفية للوحة (أعمال أبو صبحي التيناوي[2])،  او مجمعة في شكل باقة ترمز للمحبة و الصداقة، او في شكل إكليل يزين رؤوس الملكات و زوجات الأبطال.كما يعبر الرسام عن الرزق والازدهار من خلال رسمه للنبات الأخضر. وتمتزج المرجعية الدينية و التاريخية من خلال قصة ادم   وحواء و طريقة خروجهما من الجنة فعبرت التفاحة في اللوحة الشعبية عن الإغراء  والأنوثة.

أما النخلة فهي رمز الخصب،يرسمها الفنان من جذع بسيط و بعض الوريقات للدلالة على الوفرة     والازدهار، ولعل هذه الرمزية نابعة من مرجعية دينية و تاريخية على حد السواء فالنخلة ذكرت في القران عديد المرات،كما في السيرة النبوية "أكرموا عماتكم النخل". لا ننسى أيضا أهمية النخلة في حياة العربي فثمارها كانت غذاءه الرئيسي و دواءه عند المرض.

 سمك و نخيل:من الرموز الشعبية المستعملة في الوشم المصري

أما بالنسبة للعنصر الحيواني فان الحصان قد رسم كثيرا في اللوحات التي تطرقت إلى السيرة بمعنى الفروسية والبطولة والإخلاص في الحب والعمل في سبيل الحرية ونشر مبادئ الإسلام: عنترة بن شداد،أو السيرة الهلالية...) أو الموضوعات الحربية.

ارتبط الحصان قديما بالحرب و البطولة و الفروسية وقد حضي هذا الحيوان بمكانة هامة عند العرب منذ الجاهلية وازدادت العناية بالفرس بعد الدعوة الإسلامية، فقد شجع الدين الإسلامي على تربيتها والعناية بها، وقد روي عن الرسول صلى الله عليه و سلم انه قال: "إن يكن الخير في شيء ففي ثلاث المرأة و الدار و الفرس."

    لعل المكانة الهامة التي حضي بها هذا الحيوان عند العرب وتعدد خصاله - جمال منظره    وقوته و رشاقته علاوة على وفاءه لفارسه ومشابهته له - جعلت هذا الحيوان موضوعا للعديد من الأعمال الفنية الشعبية خاصة تلك الرسومات التي تتطرق لموضعات الحرب والسيرة فنرى مثلا عنترة و هو يمتطي جواده العربي الأصيل مواجها الأعداء بكل شجاعة او عبلة وهي تمتطي فرسا رشيقا وقد زين بعناية.              

 استفاد "الفنان الشعبي" من التصوير الإسلامي و خاصة من المدرسة العربية، اذ رسم الخيل قريبة من الواقع شكلا ولونا مع الإكثار في زخرفة الجواد ليتناسب مع قيمة البطل، فتجلت صورة الحصان جانبية في اغلب الأحيان معبرة عن السكون حينا و عن الحركة والسرعة أحيانا أخرى.

هذا وقد اهتم الفنان برسم الجمال و النوق فبرزت صورة هذا الحيوان مضاهية للواقع:صورة رسمت بعناية باعتماد خطوط بسيطة وظفت فيها كل الإمكانات والمهارات المكتسبة فتجلى الحيوان منفردا آو في مجموعة تصاحبه آيات قرآنية أو أحاديث نبوية شريفة أو أمثال شعبية مأثورة  ومعروفة في الوسط الشعبي. وقد ارتبط حضوره بمراسم الزواج حاملا على ظهره الهودج و العروس وبمراسم الحج محملا بالأمتعة.

سمي الجمل منذ القدم بسفينة الصحراء نظرا لقدرته الهائلة على تحمل تعب السفر و العطش، وسمي أيضا بالصابر، أما في الأمثال الشعبية فقد ارتبط رمز الجمل بالرجل الصبور الذي يتحمل المشاق و المصاعب.

أما بالنسبة للأسد فقد كان ملازما في العديد من الأحيان للأبطال إذ تحتل صورة البطل كالزير سالم أو عنترة بن شداد المقام الأول من اللوحة محاذية لصورة الأسد التي تبدو مبسطة  خالية من التفاصيل ومركبة من حيث الملامح إذ غالبا ما يرسم الأسد برأس بشري لعل هذا التأليف بين البشري والحيواني يحيلنا لرمزية هذا الحيوان المكتسبة من خصاله فالأسد يعني القوة والسيطرة وهو ملك الغابة،هذه الخصال اوحت للعديد من الشعوب بتبني كلمة الأسد كصفة أطلقوها على ملوكهم و قادتهم

يقترن العنصر الحيواني بالعادات والتقاليد وبالمعتقدات الشعبية، فيكسبه الفنان قيمة فنية جمالية ووظيفية، مدلولها الباطن يعبر عن حقيقة روحية: فالسمكة رمز استعمل منذ القدم كرمز للوفرة والتكاثر والخير والعيش الرغيد (في الأساطير الفرعونية،الديانة المسيحية...)، واستعملكتعويذة تعلق على صدور الأطفال و فوق أسرتهم و على أبواب المنازل .فالسمكة "رمز للتجدد و الأدلة في الميثولوجيا قاطعة، ففي الأساطير العربية  والحضارات السامية، وفي المعتقدات الدينية السماوية، غالبا ما يدل هذا المخلوق على الانبعاث."[3]

رسمت السمكة في الرسم الشعبي على الأواني و الزجاج و الورق و النسيج بطرق مبسطة،إذ استعملت الخطوط اللينة في رسم السمكة على الخزف أو على البلور،وجسدت في شكل هندسي شبيه بالمعين في المنسوجات، إذ لم ينشد الفنان صورة مضاهية لهذا الحيوان في الواقع بقدر ما كان يبتغي رمزيته و بعده الروحاني...وما يؤكد الأهمية الرمزية لهذا الكائن حضوره بكثافة في الوشم (خاصة في تونس و مصر).هذا وقد استعمل ذيل السمكة كتعويذة تعلق على الأبواب والجدران لطرد العين و الحسد و كرمز للخير و البركة.

أما بالنسبة للطيور فيمكن القول بان اعتماد المرجعية الإسلامية الضاربة في القدم يبدو حاضرا في تجسيم الطير في التصوير الشعبي سواء تعلق الأمر باليمامة البيضاء رمز السلام أو العصفور الأخضر رمز الخير، أو مرجعيات أخرى مثلما هو الحال بالنسبة لطائر الطاووس الذي استخدم خاصة في المنسوجات الإسلامية، وهو رمز الحظ السعيد،غالبا ما يكون محاطا بالزهور والورود دلالة على السعادة.

هذا بالإضافة لحيوانات أخرى لم تستخدم بكثرة في الفن الشعبي مثل السلحفاة رمز البطء  والكسل والعقرب رمز الأذى و الحرباء التي تدل على التقلب و التلون...

أما من الناحية التشكيلية، فيمكن الإقرار بان العنصر ين النباتي و الحيواني هما من ابرز الوحدات المكونة للرسوم الشعبية،التي تتماسك في وحدة شاملة مع باقي العناصر التاليفية للعمل(العناصر البشرية).يوحد الفنان فيما بينها بانتهاج نمط فني واحد يغلب عليه الاسلوب الطفولي العفوي: اذ يهمل الفنان الشعبي المنظور، فتحرف النسب والمقاييس ليكون الحصان أضخم من الجمل احيانا، ويتحاشى الفراغ فيعمد لاتخاذ اشكال زهرية ونباتية كوحدات تشكيلية تتكرر وتتماثل لتصل عناصر اللوحة مع بعضها البعض، ويسم حيواناته بصفات كاريكاتورية فيجسد الاسد بوجه ادمي، وتتشابه عينا الفرس مع عيني فارسها.كما يهمل التفاصيل فيعمد لاستغلال خطوط لينة مختصرا الاجزاء والتفاصيل غير الضرورية في رسم الحيوانات خاصة، الا انه يدرجها في المستوى الاول من اللوحة لتتواءم مع الحدث(مشهد حربي، صراع ...)، اما بالنسبة للالوان فقد عمد الفنان للتسطيح بتوظيف مساحات لونية لها قيمة ضوئية واحدة، مستخدما الالوان الاولية و الثانوية.

المراجع:

1-   التصوير الشعبي العربي ، اكرم قانصو، عالم المعرفة 1995

2-   الكرامة الصوفية و الأسطورة و الحلم، علي زيغور، دار الأندلس 1984


 

[1] -اكرم قانصو،التصوير الشعبي العربي،عالم المعرفة،1995،ص13.

11-  ابو صبحي التيناوي: اسمه الحقيقي محمد حرب 1888-1973 فنان شعبي سوري،متخصص في الرسم تحت الزجاج، اقيمت له عدة معارض في كل من هولندا و باريس و نيورك و بيروت و القدس و دمشق.

[3] -علي زيغور،الكرامة الصوفية و الاسطورة و الحلم،دار الاندلس1984،ص181

  • الدلالت الرمزية و التشكيلية للنبات و الحيوان
    في التصوير الشعبي العربي
    عماد عبيد

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         
23/10/2013

الفن وما حوله