1997،(Désenchantée)ا

نسيج مسطح، صوف 185 120 x صم

 
 
 
 
  •  

  •  

  • التقديم:
    تعتبر "فدوى دقدوق" من الفنانات التونسيات المعاصرات، وتعدّ تجربتها من التجارب الرائدة في فن النسيج التونسي، سيما وأنّها أثبتت قدرة النسيج التقليدي على بلوغ مناهج الفن الحديث. وأثبتت ذلك من خلال منسوجاتها المرسومة لتكون رؤية فنية وانطلاقة فكرية في مجال النسيج التشكيلي، كما أضافت تجربتها مداخل جديدة حيث أدخلت المستحدثات التشكيلية الجديدة لتنفيذ العمل النسجي بدلا من نول البروز الثابت وتجمّعت في أشكال فنيّة متنوّعة لتحدث الفراغ والشفافية والوحدة التشكيليّة الجديدة للشكل النسجي لإحداث متغيّرات تشكيليّة لصياغة العمل النسجي.

 
- إنشائية المنسوجة:
تتميّز المنسوجات لدى "فدوى دقدوق" بديناميكية في طريقة إنشائها منحتها لها ليونة وطواعية المادة الناسجة وهو الخيط الذي توجهه الفنانة حسب إرادتها وطاقاتها الإبداعية، فنحن أمام إنشائية خاصة تفرضها طبيعة التقنية المستخدمة التي تبدأ عملية النسيج فيها من الأسفل إلى الأعلى كما يتميز التصميم هنا بروح إبداعية مفكر فيها من البدا. فالفنانة عند تجسيد عملها تكون في نسق تصاعدي لا يمكن العودة فيه إلى الوراء أي إلى ما سبق نسجه لتعديل مساحة ما ولذلك هي تتصوّر العمل مسبقا فبل انجازه، فالتقنية تتسم بالبناء والصعود حيث تبنى الأشكال والخطوط والألوان في ذات الوقت، ليكون اللون كافيا في بعض الأحيان على التعبير على الشكل وتحديده.
وهي من خلال منسوجاتها تدمج ذاتيتها وهواجسها التشكيلية، حيث أنّها تخضع الموضوعات التي تتناولها إلى أشكال وتحوّلها إلى عالمها الخاص عن طريق محاورة الخيط الصوفي وفق تطلعاتها التشكيلية فتحوّره لكي تعـبّر عن خبراتها ورؤاها الذاتيّة. وهذه الكيفية هي الرابطة الحية التي تجمع بين الفنان وعمله الفني ومن هذا المنطلق تتمثل وظيفة التعبير الأساسية في أنه يجعل للمحسوس الجمالي مـن خلال لغة تعبيرية فنية أصيلة طرازاﹰ وأسلوباﹰ فنياﹰ يصور الواقع بفكر خاص، "وهذه اللغـة لا تدين للمنطق بشيء، فليس من شأن العمل الفني الإحالة إلى شيء آخر غيره حتى لو كـان هذا الشيء الواقع نفسه لأن العمل الفني يجب أن يتحدّث عن الواقع بلغة الفنـان الخاصـة وماهياتة الوجدانية الذاتية".


كما تقوم منسوجاتها على لغة الحوار، هذا الحوار الذي نستجلي ملامحه في تلك الخيوط المتنوّعة ألوانها، فقد حاكتها الفنانة بكلّ دقّة واختيار وتجانس، فخلقت ملامسا وحياكات متنوّعة لتكون تارة ملساء وتارة خشنة. ولتبتعد الفنانة عن الأطر الهندسية التقليدية صاغت منسوجاتها على أطر هندسيّة متنوّعة الشكل والمساحة، لتقدّمها في شكل جديد كان بمثابة الفكر الجديد ليس في فن النسيج العالمي ولكن في فن النسيج التقليدي التونسي وأيضا بمثابة الثورة التي رفضت قيود الشكل النسيجي داخل الأطر الثابتة وغير المتغيّرة ولتحمل كذلك نوعا من الابتكار والجدّة للعمل اليدوي، فأعمالها لم فقد تتّصف بعدم الرتابة وحسب وإنّما بالتفرّد واستحداث أشكال نسجيّة برؤية جديدة.


هكذا خرجت المنسوجة من البنية المتداولة والتركيبة الواحدة لتتجزأ إلى ثلاث أو أربعة منسوجات تكمل بعضها البعض وهو ما يعبر عنه باللغة الفرنسية "Triptyque " و"polyptyque". أين تظهر الأشكال المنسوجة برؤية تشكيلية جديدة خارج حدود الإطار المغلق، لتتّصف بالاتزان والرؤية التشكيلية المستحدثة، كما أنه للتقنيات النسجية المستخدمة دور لتحقيق الجانب الجمالي والزخرفي المناسب بين مستويات العمل وتقاطعاته المنسوجة لتحقيق عنصر الشفافية والفراغات المحسوبة لخفّة واتّزان العمل النسيجي وهو ما يظهر في كل من العمل Paysage croisé I)) و)( Paysage croisé II) و(Nomade) .


تتّسم منسوجاتها أيضا بسمة التجديد والتنوع في مستوى التقنيات المستحدثة والجديدة في شكل تأثيرات فنية حاكتها بخامات نسيجيّة متنوعة، واستخدام الشكل الهندسي المنسوج بأشكال حرة أضافت إلى المجال المنسوج قيما فنية وجماليات تشكيلية، مثلت إضافة جديدة في مجال للنسيج المعاصر. كما استخدمت من تكوين الأطر الهندسية مجالا ليعبّر عن الأشكال الحرّة التي اتّصفت بالاتزان رغم الخروج من حدود البرواز المتعارف عليه في عملية النسيج والخفة التي وفرتها الشفافية والفراغ والناتجين عن الخامات والتقنيات.


- المنسوجة بين إرهاصات الفن وفكر الفنان:
أما إذا نظرنا إلى أعمالها المنسوجة من الناحية الفكرية، فإنّها بمثابة نصوص منسوجة كلماتها الخيط الذي ينسج الخطوط والأشكال وحروفها السطوح المتنوعة بين ناتئة وغائرة والكتل ومختلف الأنواع للملامس بين الخشنة والناعمة. وهو ما يجعلنا أمام تحليل سيميائي للمنسوجة على اعتبار أنّ هذه الأخيرة هي خطاب بصري لا يقف عند حدود التعيين والوصف لمكوناته السيميائية من علامات، بل يقوم بنقد مستوياته الإيحائية بقصد الوقوف على أنماط إنتاج المعنى. لذلك وجب علينا قراءة هذه الأعمال ودراستها وتحليلها إلى عناصر صغرى وكبرى، ثم إلى خطوط وسطوح وكتل وأنواع ملمس.


وقد نلمس ذلك في الأسماء التي اختارتها إلى منسوجاتها والتي قسمتها إلى أقطاب ومجموعات مثل ordre\désordre))، و((Désenchantéeوالأعمال أحادية اللون مثل: (Paysage croisé I et II))). وللناظر في هاته المجموعات من الأعمال المنسوجة أن يلاحظ أن الفنانة أمام عملية من الإبداع مفاتيحها البحث والتقصي المستمرّ، لتعلن في النهاية عن عمل جريء وحديث بكل ما في كلمة حداثة من معنى، فأعمالها تعلن عن واقع جديد للمنسوجة التي غادرت الشكل التقليدي خاضعة بذلك إلى أطر جديدة وظهور مفاهيم جديدة لفن النسيج. وبعد أن كانت المنسوجة تخضع لمبدأ النظام والبناء المنتظم نجدها تبحث في الانظام والانهاية، فكانت الخطوط والألوان تعبر عن أفكار وأحاسيس تريد الفنانة إيصالها إلى المتقبل. كما تمثل المادة بالنسبة "لفدوى دقدوق" وسيطا ووسيلة لبناء وإنشاء الأشكال والملامس المختلفة وكذلك التكوينات وهي كذلك علامة تترجم من خلالها أفكارها ورؤاها التشكيلية التي تفسح المجال لظهور عدّة جدليّة التكرار/الاختلاف ، الدال والمدلول...


والواقع أن العلامات الفنية والأشكال والألوان كلها رموز، وذلك لسبب بسيط هو أن الفنانة عندما أطلقت على عملها ordre\désordre)) نسجت أشكالا وخطوطا هندسية متباينة وألوانا باهتة جعلتها تصبح رموزا. وأن تلك الأشكال والألوان تصبح رموزا تلقائية لأن العمل الفني بطبيعته يوحى بأكثر مما هو عليه والفنون كلها رمزية ولو بنسب متفاوتة. أما إذا أردنا أن نعطى تعريفا مختصرا بسيطا لما يعرف بالفن الرمزي قلنا هو "الفن الذي يستعمل الأشكال والألوان والحركات لتوحي بأشياء وتكون بديلا لها بطريقة أو بأخرى الشيء الذي يحيطها بالغموض، لأنها تصبح كثيفة الدلالة وغنية بحمولات ومعاني". حيث توحي خلفيّة الأعمال إلى سمة النظام في حين جاءت الأشكال قي صبغة لامنتظمة وهو ما توحي به الخطوط التي طوعتها الفنانة لأفكارها كما بدت الأشكال في انفصال وتواصل وتشويش وترتيب وهو ما جعل صفة التباين والتضاد في المفاهيم تكون حاضرة وهو ما يجعلنا نؤكد على حضور الرمزية في العمل. والعملية الإبداعية بالنسبة ل""فدوى دقدوق" هي عملية بحث وتقصي دائمة ومستدامة تنهل من الفن العالمي كما أن النتيجة التي تصل لها من خلال هذه الأعمال والبحوث الفنية في أحيان كثيرة لا تكون رهان بحث مسبق أو متصور مسبقا بل إنها وليدة تساؤلات وتطورات مستمرّة" تشغل فكرها الدائم البحث عن الإتيان بالجديد.


أدخلت فدوى مستحدثات تشكيلية جديدة للعمل النسجي اليدوي واتسمت رؤيتها الفنية بأداء تشكيلي وأسلوب مبتكر بمداخل تشكيلية جديدة هي بمثابة المنطلق التشكيلي لتحقيق مزيدا من القيم الفنية وإدخال مراحل تجريبية متنوعة تضيف إليه الجدّة في الشكل والمضمون الفلسفي لتكسبه الجانب التعبيري والجمالي برؤية تشكيلية في الصياغة والقالب الجديد. لتخرج الأعمال من حدود الشكل المألوف إلى التعبير والإبداع الحرّ المتفرد ويمكن تقسيم وتصنيف الأعمال الفنية النسجية من حيث تطوّر الشكل والتكوين لمستحدثات استخدام الأشكال الهندسية بالصياغات التشكيلية المنفذة للخروج من حدود الإطار المغلق. هذا الاتجاه الجديد في الصياغة يخرج العمل النسجي من حدوده المغلقة إلى حرية الأداء وتنفيذ أعمال لها روح الانطلاقة في التعبير والرؤية الفنية ذات التفرد.


كما أنها تنشأ مساحات جديدة نتيجة تقاطع الأشكال الهندسية مع بعضها أو تجميعها بالشكل الفني وينتج عن ذلك جماليات تشكيلية تخلق حلول جديدة لمعالجة المواقف التشكيلية النسجية وفق صياغات جديدة وملائمة يتيح العمل التعبير بإمكانيات النسيج التقنيّة واستخدام ملامسها لإظهار تشكيلات متميزة في مجال العمل اليدوي النسجي وينتج عن ذلك إعطاء الخفة للعمل والتعبير عن طبيعة الخيوط والخامة المستخدمة بشكل جيد من خلال الشفافية والفراغات التي تنتج عن استخدام التقنيات بشكل فني وواعي وليس بشكل حرفي أو تقليدي، لتشكيل العمل النسجي بأساليب مستحدثة وغير تقليدية من خلال إدخال الأشكال الهندسية بجانب إبداعات الخامة والتقنية.


-المنسوجة بين تعبيريّة اللون ورمزيّته:
يمثل اللون جزءا هاما في حياة الفرد والجماعة ويمثل عاملا وظيفيا وجماليا وفنيا، وهو يحوّل الشكل إلى عمل فني مبتكر ومتقن وهـذا لا يبدعه الفنان من فراغ، فهو يستخدم الخامات والمواد الأوليـة، ينظمهـا ويرتبها ويخضعها لأفكاره، ومن هذا المنطلق تتمثل وظيفة اللون الأساسية في أنه يجعل التعبير للإحساس الجمالي مـن خلال لغة تعبيرية فنية أصيلة طرازا وأسلوبا فنيا يصور الواقع بفكر خاص. وقد مثل اللون في منسوجات "فدوى دقدوق" عنصرا بنائيا له من الأهمية ما جعله مصدر الثراء ومن خلاله تجسّدت الأشكال وتمّ توظيفه كسبيل للتعبير عن الموضوع ممثلا بذلك فلسفة الفنانة وتقنيتها لإيصال مبتغاها الفني، فالألوان هنا ذات مدلول نفسي ووظيفي لها قيمه مؤثرة بالضرورة على مضمون العمل الفني، فقد أدخلت الفنانة قيما لونية خرجت عن كينونة المادة الصوفية في المنسوجات. كما اختزلت من خلال الألوان الأشكال التي اتجهت نحو التجريد لاسيما في الأعمال التي ترتكز إلى الألوان المنسجمة مثل العملين: ordre\désordre))، و( (Désenchantéeوالأعمال أحادية اللون مثل: (Paysage croisé I et II))).


هكذا هي علاقة الفنانة بمنسوجاتها الفنية وباللون، فهناك علاقة وطيدة بينها وبين الألوان وهو ما نلمسه في جملة المنسوجات وخاصة الألوان الحارة بما فيها من إشعاع ونور وسطوع ولاقترابها من الحالة النفسية للكائن عامة. وقد نلمس من خلال هذه الألوان وجود علاقة حميمة بين الفنانة وأدواتها، وذلك إلى الحد الذي قد تعتبرهـا جزءا منها، فهي تولي عناية فائقة لاختيار الألوان التي ترسم بها منسوجاتها وتشحذها بأفكارها الفنية ما يجعلها تحمل تباعا معان لا تدرك كنهها إلا هي نفسها. وهنا تكمن الاحتمالات الرمزية واللانهائية والإبداعية للون، وعلى راي "بول سيزان": "التلوين أن يكون على الرسام تسجيل إحساساته باللون، وكل ما عدا ذلك أي كل قيم الفضاء والمنظور يمكن أن يضحى به، يضحى به في سبيل إحساساته باللون، فحين يملك اللون ثراءه، يملك الشكل تمامه". وهكذا يتضح لنا أن استخدام الألوان في هاته المنسوجات الفنية والتي تميزت بألوان متنوعة من حيث صفات اللون من حيث الكنه والقيمة والشدة هو ما أتاح للفنانة مجالاﹰ أوسع للتعبير المبدع وفرصة أفسح لاختيار الأشكال اللونية الـتي تلاءم إظهار الكتل والسطوح في أقرب صورة إلى تصوراتها الذهنية وانفعالاتها الوجدانية الباحثة عن التجدد كلّ مرّة والناهلة من الفن العالمي.


- فعل الهجانة:
لقد أحدثت "فدوى دقدوق" صياغات تشكيلية حديثة للنسيج الفني التونسي من خلال هذه الإضافات المستحدثة سواء على مستوى الشكل أو على مستوى رؤية التكوينات الجديدة، التي خرجت بها من حدود الإطار الثابت إلى حريّة التّعبير باستخدام إمكانيات النسيج والتقنيات النسجيّة الحديثة بكل طاقتها الكامنة لإحداث تشكيلات فنية تربط بين الأشكال الهندسية في تقاطعات أو تجاور أوتخرجه من حدود النمطيّة والشكل المغلق إلى حريّة الأداء والتعبير في البناء والتكوين. وهذا الاتجاه الجديد في الصياغة يخرج العمل النسجي من حدوده المغلقة إلى حرية الأداء وتنفيذ أعمال لها روح الانطلاقة في التعبير والرؤية الفنية ذات التفرّد ولعله ما نلاحظه في أعمالها الفوتوغرافية التي تجسّد من خلالها فعل النسيج وهي خطوة جديدة في فن النسيج التونسي المعاصر وهو ما يذكرنا بالتوجّه نحو الفن القائم على البرمجيات بالنصف الأوّل من القرن العشرين مع الباوهاوسBAUHAUSE ، إذ حاولوا تطوير سبل الفن والتصميم من خلال تقريب وجهات النظر الفنية وخلق علاقة توافقية بين المبدع والتقني والمتلقي وهو ما نلاحظه في عملها المعنون ب العملAlma mater I, II, III 2011) ). وقد نبعت هذه الأعمال من رغبة الفنانة في خلق تركيبة حيويّة ضمن سياق حداثي لفن النسيج، وتمزج هذه التركيبة الفنية الجديدة بين فنين لهما من الأساليب والتقنيات المختلفة، إلاّ أن الفنانة استطاعت أن تمزج بينهما وتحذف الفروق بين هاذين الفنين و تخلق صرخة صامتة مثلّت تقنية النسيج اللامادية أداة الصمت فيها وكأننا هنا بالصمت يريد أن يعبّر من خلال هذه الحركية التي نلاحظها في Alma mater I, II, III 2011) ). و فعل المزاوجة والتقاطع بين المفاهيم وبين التقنيات وبين المواد والفنون وبين أكثر من وسيط لتجعل الأثر الفني الذي يبزغ عن مقترحاتها الفنية موحّدة وهو ما يجعل الفن الذي تقوم به هجينا على فن النسيج.

  •  

  •  

  • فن النسيج التونسي: حوار الخيط واللون والفكر
    قراءة في تجربة الفنانة التشكيلية "فدوى دقدوق"
    تقديم الباحثة الجامعية في علوم التراث والفن:عواطف منصور
    أستاذة بالمعهد العالي للفنون والحرف بالقصرين
    ماجستير في جماليات وممارسات الفنون المرئية

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         
21/11/2013

الفن وما حوله