•  

  •  

  • ان الرسم الخطي بالقلم هو تقنية تعبيرية تتطلب قدرا كبيرا من المهارة، لأن الرسام مطالب بأن يعبر بهذه الأداة البسيطة عن اختلاف الدرجات الضوئية و عن حياكة المادةوخصوصياتها وتشكلاتها.


تعد الخطوط أقدم الوسائل التعبيرية التي استخدمها الإنسان، إذ كان يخط بأصابعه في الطين، أو بقطعة من الخشب المحروق، أو يحفر على سطوح الكهوف أو أدوات صيده، ليحدد مساحات يعبر بها عن الأشكال التي يراها من حوله. و كان الرسم الخطي من أول التقنيات المعتمدة في الرسم ، فالخط يعد أساسا و بداية كل عمل فني، رسما كان أو نحتا أو حفرا أو خزفا أو معمارا أو تصميما أو غير ذلك.
الا أن التاريخ المعاصر يسجل تراجعا ملحوظا في الخط و الرسم الخطي كتمظهر مستقل قائم الذات خاصة في الفنون المعاصرة. بتحول الفن من التشخيص و الواقعية إلى التجريد، و باعتماد التقنيات الحديثة أصبحنا نتحدث عن فن الفيديو و الصور الرقمية و المنشأة و التنصيبة وغير ذلك من الفنون الحديثة. فيكاد يغيب الرسم الخطي كفن قائم الذات بعد أن طغت الألوان و المساحات و التقنيات التشكيلية الحديثة على العمل الفني.
بعد الرسوم الخطية ل"زبير التركي" و "الهادي التركي" و "حاتم المكي" الذين يمثلون أسس و بداية الفن التشكيلي في تونس تطل علينا الفنانة و التشكيلية "ليلي العلاقي" لإحياء و تكريم القلم و الرسم الخطي. و تؤكد لنا بأعمالها أهميّة و دور الخط و جماليّة الرسم الخطي وحضوره الفعال والفعلي من جديد في الفنون التشكيلية وفي تاريخنا المعاصر، وهذا ليس بغريب عنها خاصة اذا عرفنا أن اختصاصها الأكاديمي هو الحفر الذي يعد فيه الرسم الخطي أساس العمل .
باطلاعي على تجربة الفنانة من خلال الصور، (اذ للأسف الشديد لم تتسن لي فرصة رؤية أعمالها بشكل مباشر)، يمكن تقسيم أعمالها إلى ثلاث تمظهرات:
 التمظهر الأول: رسم خطي أكاديمي تقليدي
 التمظهر الثاني: رسم تكويني بالممحاة
 التمظهر الثالث: رسم تحولي أساسه الصدفة.
هذه الأنواع الثلاثة تجتمع في الموضوع الذي يعد اليومي المهمش اهم تمظهراته، والذي لم يستلهم العديد من الفنانين و لم يثيرهم،.
أشياء بسيطة و صغيرة مثل: المقص، دبوس الشعر، دبوس الملابس، الظفيرة، الأزرار، المسامير، المكنسة القديمة، الكرسي، الكوابل... أشياء من هامش الحياة منحتها فنانتنا "ليلي" دورًا في رسومها و جعلتها تتفاعل مع الخط تتشكل معه و تشكله.
وللولوج والتعمق في تجربة فنانتنا ليلى العلاقي سنتناول كل تمظهر بشكل فردي .
التمظهر الأول: الرسم الخطي الأكاديمي التقليدي
هي ترسم بقلم جاف أو رصاص كل ما يحيط بها و يتشكل أمامها و يشكل جزءا منها هي "خربشات " (كما تسميها فنانتنا ) خطية تخط بقلم أكاديمي الواقع وكل ما يتمثل أمام ناظريها من: خيول، حيوانات، أشخاص، أجزاء و جزئيات من واقع فنانتنا المعيش، حركات و أعمال، و انطباعات و تعبيرات، أزقة و قباب و أبواب و مدن. خطوط تتأرجح بين الانفعـــال و التوتر و الخربشة السريعة المتواترة و المتـــراكمة. و بين الليونة و الاختصار و الاقتضاب.
الأولى تذكرنا بالعمل الأكاديمي و الثانية تذكرنا بأعمال "يحي التركي" و "الزبير التركي"في اختصارها واختزالها للخطوط و لعل ذلك يؤكد ازدواجية المعارف العلمية لدى فنانتنا بين ماهو أكاديمي تعليمي من خلال دراستها بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس و بين ما هو تأثيري تلقائي نتيجة تأثرها بأعمال الفنانين "يحي و زبير التركي".
من الملاحظ أيضا أن هذه الأعمال تحمل انطباعا كلاميا إلى جانب الانطباع القلمي ففي كل عمل نجد كلمات تتأرجح بين الشعر و النثر تبرز انطباع الفنانة بالكلمة إلى جانب الخط و الرسم بالقلم.
ويبقى السؤال المطروح: هل أن ما خط بالقلم لم يكن كافيا ومقنعا ومعبرا لفنانتنا حتى تستجدي الكلمات لتخبر المتلقي عن انطباعاتها؟
التمظهر الثاني: الرسم التكويني بالممحاة
إن اللافت لتظهر في هذه الأعمال أن الفنانة "ليلي العلاقي" ترسم بالممحاة و ليس بالقلم، فالرسم يتشكل و يبرز و يتمظهر بلمسة الممحاة و ما تتركه من مساحات و خطوط بيضاء على المساحات الضوئية للون الأسود للقلم أو الفحم.لقد حولت الفنانة وظيفة الممحاة من فعل "المحو" والازالة والاقصاء إلى فعل البناء والتركيب والانشاء.
هي أعمال تكشف تراكيب تتأرجح بين الخيال و الواقع: أشكال صغيرة تتراكم و تتراكب و تتزاحم، تتأرجح بين ظهور و اختفاء لترتقي إلى سماء اللوحة و ترتقي بالعمل الى الغنائية و إلى صوفيّة الأشكال اليومية. تدخلنا في عالم الفنانة الحلمي المتخيل، تجتمع و "تتظافر" مع بعضها لتشكل تراكيب جديدة تنغمس في الخيال و الشعر. فتتجاوز الفنانة بالأشكال واقعها المهمش الملموس و الوظيفي إلي عوالم و تراكيب خياليّة و شعريّة.
"الظفيرة" و تعد من أهم مكونات هذه الأعمال إما بتواجدها الملموس "كظفيرة" أو المفاهيمي من خلال بناء العمل على التضافر بين المساحات الضوئية للأسود و المساحات البيضاء للممحاة.
التمظهر الثالث: رسم تحولي أساسه الصدفة
بنت الفنانة ليلى العلاقي الجزء الثالث من أعمالها على تحويل بقعة الحبر المبنية على الصدفة إلى تراكيب تحمل نفس الموضوع. لعّل المهم في هذه الأعمال ليس موضوع اللوحة (الأشكال اليومية المهمشة) بل تحول بقع الحبر المبنية على الصدفة إلى أشكال و تراكيب و مشاهد تتأرجح بين الواقعي و الخيالي، تتأرجح بين التجريد و الواقعي مكن ملاحظته من تناغم و تكامل و تواصل و امتداد بين بقعة الحبر و الشكل الواقعي المنبثق منها. إن الأشكال و الصور متعددة و متنوعة، كأن تتحول البقع إلي فرشاة كبيرة أو ظفيرة تتصاعد إلى اللانهاية أو ينبثق منها دبابيس و كرات صوف أو مقص أو سكين و غيرها من الأشياء اليومية المهمشة.
لكن ما يمكن ملاحظته في هذا التمظهر الثالث من أعمال فنانتنا "ليلي العلاقي" أن البقع أحيانا تأبي التفاعل و الانغماس مع تفاعلات فرشاتها و انفعلاتها فيصبح الرسم مضافا إلى البقعة و ليس متشكلا و منبثقا منه، و هذا يعد من مفاجآت الصدفة و قوانينها، التي تتجاوز أحيانا تطلعات الفنان وتخطيطه.
لقد سعت الفنانة "ليلى العلاقي" من خلال أعمالها واعتمادها الرسم الخطي دون سواه تكريم القلم و الخط و ابراز القيم الجماليّة و التشكيليّة للون الأسود في تماهيه و تكامله مع الضوء. هي تبني بالأبيض والأسود وبالقلم والممحاة وبالخطوط والمساحات، عوالم خيالية حالمة، عوالم طفلة صغيرة تلعب بظفيرتها وتتلاعب دبابيس شعرها معها. لقد جعلت من الممحاة بعد أن كانت أداة "محو" و إلغاء، أداة فعل و بناء و رسم و تشكيل، و تمكنت بسلاسة كبرى و ليونة تطوير و تشكيل البقع الصدفوية و تحويلها إلى أشكال و تراكيب شعرية حالمة تنغمس بالمتلقي في عوالم الحلم و الخيال.
ولا يسعني في الأخير ألا أن أشكر الفنانة والأستاذة ليلى العلاقي لاحيائها الرسم الخطي من خلال تجربتها الخطية التشكيلية وأدعوها بكل إلحاح إلى ضرورة المواصلة في هذا المسار الفريد والمتفرد.

  •  

  •  

  • الخط و الممحاة و البقعة تشكيل عوالم حالمة للهامش اليومي
    كريمة بن سعد - تونس
    فنانة تشكيلية وباحثة دكتورا في الفنون البصرية

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         
28/03/2013

الفن وما حوله