• كثيرا ما يقع التطرق إلى مفهوم "الأصالة" من جهة علاقة العمل الفني ببعده التاريخي      و الحضاري و الاجتماعي. فهى إما أن تكون مقابلة لمعنى الحداثة أو مقابلة لمعنى التقليد أو في علاقة التراث و مرادفات ذلك على الصعيد الاجتماعي مثل "الهوية". بل تفتقد لفظة "الأصالة" في النصوص العربية إلى مفهوم إنشائي، يأخذ بعين الاعتبار علاقتها بالمواد     و الخامات المستعملة.

      وهكذا يبدو تركيز البحث داخل أصالة الخامات أمرا يشكو قلّة المرجعيات النظرية والتقليدية في الممارسات الفكرية في العالم العربي، فقد عولجت قضية الأصالة في الفن، من خلال سياقات تاريخية و اجتماعية و نفسانية. أى خارج مجال الفعل الفني. و في حوار أجراه "نور الدين أفاية"، يقول الفنان المغربي "محمد القاسمي" : "إن الأصالة هي طرف في ثنائية زائفة وقع التعامل معها من الجانب الشعاراتي  « Emblématique » مثلما في قضية الأصالة والمعاصرة...و إضافة إلى كونها شعارا ملغوما فإنه يفرض على الفنان اللجوء إلى حلول ترقيعية تفقد العمل التشكيلي أصالته..."[1]

    في حين يتناول "الناصر بالشيخ" مفهوم الأصالة، ضمن سياق جدلي و ذلك من خلال أصالة الانتماء إلى الذات الجماعية، و إلى طبيعة المرحلة  و طبيعة المواد المستعملة و إلى ظروف المراس الفني و ملابسات إنجاز العمل في الورشة، وهو ما بدى على سبيل المثال في مقاربته لأعمال ريتشارد سميث "Richard Smith" في ديسمبر 1975.[2]

 أوكما يقول في سياق أخر ضمن مقال في جمالية الخامة « matériaux de   l’esthétique » حيث يرتكز على ضرورة اعتبار ظروف الانجاز التي تحتضن نشأة العمل الفني، عندما نتحدث عن حقيقة الواقع التشكيلي، لابد من الأخذ بعين الاعتبار طرق الانجاز وكذلك الخامات. و من هذا الجانب يعتبر "بالشيخ" الأقرب إلى مدار هذا البحث كما يبدو في كتاباته التي نشرها سنوات السبعينات .

    ويطرح السؤال في هذا المستوى لمعرفة كيف يمكن الحديث عن أصالة العمل الفني بالنظر إلى أصالة خاماته و مواده؟ و ما هي المستلزمات المفاهيمية التي يتحتّم علينا إتباعها لتنزيل معنى الأصالة في الفن تنزيلا ملائما، يأخذ بعين الاعتبار الظروف التقنية  واستثماراتها لإنتاج القيمة التشكيلية للأثر؟

وهل تكفي أصالة المواد و الخامات لتأصيل العمل الفني؟

        إن تأصيل المفردة التشكيلية على مستوى المضمون، يستدعى بالضرورة تأصيلا على مستوى التقنية و حتى المواد المستعملة كما ذهب إلى ذلك العديد من التشكليين العرب.

     فالبحث عن مواد وخامات من خارج المرسم الكلاسيكي ظاهرة ليست بالجديدة في تجربتنا التشكيلية العربية المعاصرة، ففي عقد السبعينات من القرن الماضي بدأ بعض         المغاربة مثل "فريد بالكاهية " بالحديث عن تطويع مواد مثل الجلد كحامل والحناء والاصباغ التقليدية وذلك في سياق ما اعتبروه مبحثا من اجل تأصيل فن اللوحة المسندية وجعلها معبّرة عن هويتهم، وقد جاراهم في هذا المنحى عديد الفنانين العرب وحتى التونسيين أمثال "عادل مقديش".

      ف"عادل مقديش" مثلا باشتغاله على الموروث التخييلي الشفوي و الخرافي، قطع أشواطا هامة في نسج عوالم خاصة به. عن هذه المسألة يقول: "التقنية ليست عنصرا بريئا أو منفصلا عن المحتوى، و نحن نتعلم فن الخط العربي، علمونا كيف نجلس أمام الورقة   و نخط عليها خطا أفقيا يحاكي استقامته ظهر الجالس،علمونا كيف نمسك بالريشة و كيف نتنفس حتى يخط الحرف في التحام كامل بين المحمل و الحبر و الجسد و الروح. والقلم في هذه العملية جزء من الجسد و الحبر..."[3]  من هنا نفهم خصوصية فعل الرسم في ثقافتنا إذ هناك بعد تقديسي للمادة. و تأصيل التجربة لا يتحقق إلا باستعادة ذلك الطقس.  كما يقول:"لقد كنت دوما أرغب في استعمال تقنيات تقليدية من الفخار و السجاد و غيرهما.  كما كنت دوما أطمح إلى تأسيس مدرسة المعلم، حيث يذهب الفنان إلى المعلم لتلقي كيفية صنع المواد المحلية و طرق استعمالها في فنه. إن البحث عن التأصيل التقني و سبل استعمال المواد المحلية يشكل جوهر اهتمامي لان ذلك بإمكانه دفعي إلى تقديم اقتراحات أكثر ارتباطا بالموروث الشعبي و أكثر فرادة ..أنا الآن استعمل "الأكريليك" وهو مادة مستوردة و لا أعتقد أني سأبقي متشبثا بهذه المادة".[4]

البعض من أعمال "عادل مقديش"

وقامت في نفس السياق الفنانة السعودية "جمانة بنت صبحي باكير" بتنظيم تظاهرة فنية سنة 2012، تهدف إلى الارتقاء بالتراث والحضارة الشرقية والتصديق على بصمات الماضي في تسارع الزمن و ذلك بتناغم الطبيعة والتراث من خلال التأصيل في الخامات وتقول الفنانة: "حرصنا على أن نلقي الضوء على الفن التراثي الذي يعد الميراث الذي يتركه السلف للخلف من خلال اللوحات والمجسمات الجمالية لهذا عملنا على عرض تجارب السلف التي باتت تظهر من جديد في إبداعات عصرنا الحاضر,,,, لنعبر عن التراث من خلال انطلاقه بحرية مع الخامات المستخدمة والأفكار التي يتناولها على اللوحات والخامات المتنوعة والذي نرى من خلاله تفاعل الفنان مع أدواته ومشاعره وتصاعد أفكاره التي تنم عن أصالة الماضي وعراقة الحاضر".[5]

و مع تجربة أخرى للفنان الفلسطيني "عبد الوهاب ابو حرب"، عمل من خلالها على توظيف خامات بيئية مختلفة مثل المعادن والخشب والقماش المطرز بأسلوب تقني وحرفية عالية سجلها ورصدها بأدواته الفنية وتقنياته التشكيلية. لوحات امتزجت بها مفردات بعض الخامات البيئية المهملة لتشكل حوار تشكيلي محكم برؤية جمالية جديدة ينبعث منها عبق التراث الفلسطيني.
وقال الفنان عبد الوهاب ابوحرب: "أن اللوحات تظهر علاقة الإنسان بالمكان، وتعبر عنى كإنسان فلسطينى له تاريخ وله عمق من خلال استخدامي جذور الأشجار والألياف وبعض المطرزات أعطتنا مضامين جديدة بشكل فني".[6]

البعض من أعمال الفنان عبد الوهاب أبو حرب بمعرضه "من لا شئ"

     فالمحاولات عديدة و متنوعة لمجموعة من الفنانين المعاصرين الذين عملوا على استعمال مواد و ألوان طبيعية، كمحاولة منهم لتأصيل التقنية و التوجه نحو التراث ليستلهموا منه. تجارب وجدت قصد الحفاظ على الموروث و المشاركة في عملية التأصيل التي يشهدها الوطن العربي و حماية هذا الفن من الزوال و الإندثار لا سيما أنه يشكل جانب مهم من الثقافة الإنسانية ويحمل تطلعات أجيال ويختصر تاريخ أمة، تاريخ زاخر بالمأثورات الشعبية المروية التي ما انفكت تلعب دور المصدر الملهم للفنان.

  • إشكالية تأصيل الخامة في العمل الفني

تقديم الطالبة حميدة الطيلوش من تونس متحصلة على شهادة الماجستير في جماليات وممارسات الفنون المرئية  ومرسمة بالسنة رابعة لنيل شهادة الدكتوراه في علوم و تقنيات الفنون .


 

 مجلة الوحدة:"التأصيل و التحديث في الفنون التشكيلية" عدد 70-71 سنة 1989ص 133.[1]

[2] Naceur BEN CHIKH : Richard Smith Galerie YAHYA du 11 au 17 Décembre. Dialogue Décembre 1975 : « Un inventaire de la réalité quotidienne perçue au second degré. Des œuvres ou la contenu se limite à la réalisation  s’étale jusqu’à inclure. Le cadre le support dépassant sa fonction habituelle devient message. Aussi le travail  s’accomplit dans un immédiat qui peut passer de médiations , sans pour autant abandonner le savoir faire ».

 الغدامسي، عمر، "التشكيلي عادل مقديش فردنة الخطاب و الجماعة"، مجلة الحياة الثقافية،السنة 21، العدد 77، سبتمبر1996، ص 82 [3]

  المصدر السابق، نفس الصفحة.[4]

 صحيفة الجزيرة أونلاين، نسخة صادرة الجمعة 20 جويلية 2012.[5]

 الصحيفة الإلكترونية، فنون الخليج، نسخة صادرة 27 أفريل 2013.[6]

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         
16/11/2013

الفن وما حوله