•  

  •  

  • بكبَر ومضى إلى الموت بشجاعة بعد صراع مع المرض، قاوم فيه ببسالة حتى الرمق الأخير.
    هو أحد أبرز رسامي الكاريكاتير في لبنان. سار برسوماته مع الوطن على «درب الجلجلة»، متحمّلا آلامه وحاملاً آماله. بريشته لم يهادن، ولا رفع «الراية البيضاء».
    على مدى نحو نصف قرن، كان ابتسامة الصباح المطبوعة على صفحة جريدة، وضحكة المساء التي تصدح في ختام نشرة الأخبار. رسوماته عرفتها الأجيال «مخرزاً» من ورق قارب الاحداث على طريقة «اسخر منها تنجلي».
    اليوم وبعد عقود من «الثورة» المشتعلة في رسمه، همد جسد بيار. توقف نبضه ونضب حبره، وهوت ريشته، التي لطالما حلّقت بحرية، طريحة إلى جانبه حائرة أتبكيه أم تبكي صفحات لن تداعبها أنامله العبقرية.


بموته، تيتّمت رسومه، تلك التي توزعت على أشهر الصحف اللبنانية، وحاكت بتهكّم أوجاع الوطن بفضل استقلاليته التي لم تخدشها انتماءات المؤسسات الصحافية العقائدية والحزبية والسياسية. إذ ان انطلاقة صادق، خريج الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، إلى عالم الرسم الكاريكاتيري كانت من دار «الصياد»، ليتنقل بعدها في فضاء الصحافة المكتوبة بين جريدة «النهار» التي مكث فيها نحو أربعين عاماً مروراً بجريدتيْ «العمل» و«الجمهورية». أما تلفزيونياً، فقد تابعه اللبنانيون والعرب بمحطة يومية ساخرة في ختام نشرة الأخبار المسائية، موجزاً أبرز الأحداث في «لوحة» كاريكاتيرية متحركة، بدءاً من العام 1986 وعبر «المؤسسة اللبنانية للإرسال» حيث شُهد له بـ«براءة اختراع» إبداع «تحريك» الرسم الكاريكاتيري على شاشة التلفزيون، الذي نقله معه إلى شاشة «المستقبل» في العام 2002 ليختتم فيها مسيرته التلفزيونية.
إبداعات صادق في مجاله، مكنته من الحصول على وسام الأرز الوطني من رتبة فارس في عهد الرئيس سليمان فرنجية، جائزة الشاعر سعيد عقل مرتين، فضلاً عن نيله عدة جوائز تقدير محليّة وعالميّة. آخرها درع ووسام أندية «ليونز» العالمية. وفي العام الماضي منحه الرئيس ميشال سليمان وسام الارز من رتبة كومندور. وقد أقام عدة معارض في لبنان والخارج، وترك مجموعة مؤلفات هي «كاريكاتير صادق»، «اضحك مع بيار صادق على السياسيين»، «كلنا عالوطن» و«بشير». كما ترك شخصية «توما»، اللبناني التقليدي «المعتّر» المعروف بـ «شرواله» ولبادته وكرشه، ليبقى العلامة الفارقة في لوحة بيار الكاريكاتيرية اليومية..
في وداع بيار صادق، «الراي» سألت عنه زملاءه في مهنته، أصدقاءه في مراحل حياته ومثقفين تابعوا مسيرته. فكانت هذه الشهادات:

ايلي صليبي...
حوّل السخرية الى رأي

محطة بارزة لبيار صادق كانت وعلى مدى أعوام في تلفزيون «ال. بي. سي»، يتحدث عنها الكاتب والإعلامي إيلي صليبي، فيقول: «تعود صداقتي مع الراحل الكبير الى اوائل الستينات، واستعنت بريشته في اوائل الثمانينات، في أحد برامجي التلفزيونية بحيث كان يرسم اللوحة الكاريكاتيرية على مراحل محطات الحوار. ولما بدأتُ تعاوني مع الـ LBC في العام 1985، كرئيس تحرير نشرتها الإخبارية، كان قد سبقني إليها بالحاح عليه من السيد كريم بقرادوني وكان رئيساً للدائرة الإعلامية في «القوات اللبنانية». وأذكر أن كريم قال لي: الثابت الوحيد في المحطة صديقك بيار صادق. افعل ما تشاء ودعه يعبّر عن رأيه كما يشاء. أنتما من مدرسة واحدة هي الحرية»، كاشفاً أنه لم يطلع مرة على ما كان بيار صادق يفعل في محترفه هناك، و«لا من آخر أزعجه ولو بالقاء التحية عليه وهو منكبّ على عمله، ولكنني كنت أرسل إليه آخر ما يرد من أخبار ليضع نفسه في المشهد السياسي قبل أن يسدل ستارته على اللوحة».
صليبي يرفض وصف التبدل، الذي تفوقت به شاشة «ال. بي. سي» على نظيراتها حينه، وقضى بالانتقال من الكاريكاتير الورقي إلى المتلفز بالمفارقة، مفضلاً وصفه بـ «التطور»، ومؤكداً أن «صادق طوّر مفهوم الكاريكاتير من السخرية إلى الرأي. وأضاف الى نشرات الأخبار النقد اللطيف ولو كان لاذعاً». ويضيف: «كانت الحرب بالنسبة إليه لعبة كبار بأعمار الصغار. وما من شك في أن الصفحة الأخيرة، إذا جاز التعبير، لكل نشرة أخبار يفوح منها رائحة جثث ضحايا الحرب، كانت متنفساً للمشاهد تهدئ من روعه وترسم بسمة، ولو حزينة، على وجهه. حتى صارت النشرة صفحة بيار صادق».
صليبي يؤكد على استقلالية بيار صادق، مشيراً إلى أنه «لمسها من خلال نقده حتى لمرجعيات تملك الوسيلة الاعلامية، التي اشترط حريته قبل التعامل معها».
ايلي الزميل، يعرّف بيار لمن لا يعرفه، واصفاً اياه بـ «رجل الصمت العميق، والرأي الحر، والمبالغ في احترام الغير. رصين، أنيق، وخجول»، مشيراً إلى أن «غرفته كانت بمثابة جزيرته، ومتى اختلط مع زملائه هو دمث حتى انهمار الدموع من عينيه بفعل الضحك مع الناس دائماً وليس على الناس ولا لمرة».
بيار الإنسان، بتعبير صليبي هو «الإنسان قامة لا تنحني حتى أمام الموت، فالفنان بيار صادق نسيج نفسه، ومدرسة، وغير قابل للتكرار... سياسياً لم يكن بل وطنياً كان».
ويوجز أجمل اللحظات مع الراحل بـ«آخر اللحظات. انتصار على الألم، وعبث من الاحتضار»، مردفاً: «أما أصعب المراحل فاسألي عنها من قهره ممن تنكروا له وباعوه بفضة وهو يساوي جواهر الدنيا. وقد حضروا جنازته وذرفوا دموع التماسيح».

ستافرو جبرا... رحل «الأسطورة»
يصف الفنان الكاريكاتيري ستافرو جبرا رحيل زميله في المهنة بيار صادق بـ«الخسارة الكبيرة للبنان والعالم العربي»، فهو يعتبره «أسطورة» وأستاذاً كبيراً في موهبته وفنه. التحق بصف المبدعين اللبنانيين وأسس لـ «اللذعة» السياسية تماهياً مع كونه «لبناني أحّ». ويرى أنه «أرخ لأحداث لبنان برسمه الكاريكاتيري اليومي منذ أعوام، ليصبح إرثه الفني بمثابة موسوعة شاملة لأبرز الأحداث والمحطات اللبنانية والعربية والدولية».
«لا أحد يحل مكان الراحل، ففي الفن المواهب لا تنسخ والأشخاص لا يتكررون»، يؤكد الفنان ستافرو، مشدداً على أن «بيار كان له أسلوبه الخاص وترك بصمته الخاصة في عالم الكاريكاتير». ويأسف «لأن لبنان لم يصل إلى مصاف الدول المتقدمة، التي تنشئ وزارات ثقافة تهتم بأعمال الفنانين والمبدعين لتحفظ لهم حقوقهم الفكرية و«تؤرشف» لهم أعمالهم الفنية»، مشيراً إلى أن «لبيار رسومات كاريكاتيرية لا تعد ولا تحصى اندثر العديد منها بسبب غياب التقنيات الحديثة في حينه». ويوضح أنه «تداركاً لهذا الأمر يعمل على جمع أعماله الكاريكاتيرية، مستفيداً من التطور التقني في عالم الحاسوب تخليداً لرسوماته».
ويختم معرباً عن حزنه «لأن اللبناني والعربي ينسى العباقرة في حياتهم، فما بالك بعد موتهم».

أرمان حمصي... غاب «المناضل»
من جانبه، يستذكر رسام الكاريكاتير في جريدة «النهار» أرمان حمصي انضمامه إلى هذا الصرح الإعلامي في العام 1998 من خلال مسابقة لـ «نهار الشباب» كان بيار صادق أحد أعضاء لجنة الحكم فيها. ويقول انه «تغلب حينها على منافسيه وفاز في المسابقة، لينضم إلى «نهار الشباب» وينتقل بعد عام للعمل في «النهار الأم». إلا أن «الزميلين» في الريشة الحمصي وصادق لم يلتقيا إلا قليلاً، وبعيداً عن «النهار» التي ما كان يتردد بيار إليها كثيراً.
يميز حمصي أسلوبه عن أسلوب زميله الراحل، فيشير إلى أن «لبيار أسلوبه الخاص المباشر والمعروف منذ زمن، فيما أسلوبي مختلف يعتمد على الصورة»، لافتاً إلى أنه «من خلال رسومات صادق نستشف حباً عظيماً للبنان، حتى بات الدفاع عنه في وجه أي عدو أو محتل قضية يحمل لواءها بلوحاته ويمضي مقاتلاً بشجاعة». فبيار «مناضل»، يقول، ويؤكد أن «إرثه الفني سيبقى شاهداً على فنه، ولن يحل أحد مكانه في أسلوبه أو في التقنيات التي اعتمدها في عمله، الذي قاد به على مر سنوات نضاله لإيصال وجهة نظره». ويختم بتقديم أحر التعازي إلى أهله ومحبيه.

الياس الديري... بيار ما «ختْير»
زميله في «النهار» وصديقه المقرّب منذ عقود الياس الديري، يقول في وداع بيار صادق: «خسرته منذ أن علمت أنه مريض، ورغم أن ما مررنا به في حياتنا من أسى وأهوال وقتل جعلنا مجهزين للخسارة، إلا أنني صدمت بخبر وفاة صديقي بيار».
يعود الديري بذاكرته إلى العام 1960، لينطلق متنقلاً بين عقود جمعته فيها صداقة قوية مع صادق، لم «تضعضعها» فترات السفر أو الانهماك بالعمل، ويتحدث عن العلاقة المهنية التي جمعته ببيار في «النهار»، ليستحضر بألم ذكريات تلك الأيام الخوالي التي «سهرنا فيها وضحكنا. وولا مرة بكينا»، مضيفاً: «بيار صادق له قلب يضج بالحب والتسامح والعبث، كان يعتبر الحياة شخطة قلم، فكانت ريشته ضاحكة ساخرة». ويضيف: «بيار «ما ختير»، بقي شاباً في روحه، يحب المرح والحياة».
عن صديقه المبدع، يتطرق الديري إلى المجهود الذي بذله ليقدم لوحة يومية لم يدرك التكرار طريقا إليها. فهو، في رأيه، كان صادق «مبدعاً كبيراً، خلاقاً، وسريع الخاطر قادرا على تظهير الفكرة سواء على الورق أو على الشاشة»، لافتاً إلى أن صادق «كان مناضلاً أيضاً، خضنا وإياه معارك قاسية جداً عبر مؤسسة «النهار» مع الشهابية، وكذلك ابان الحرب مع إسرائيل والحالة التي نتجت عنها والأوضاع التي مرت بها البلاد»، ليخلص في هذا المجال إلى أن «بيار صادق كان مدافعا جريئاً وشجاعاً لا يساوم، لأنه شخص استثنائي بقناعاته ولن يتكرر».
ويتابع: «كان صديقاً خلوقاً بلا حدود، علاقتي به حافظت خلال عقود على رقيها وحلاوتها، خسرته في زمن ندر فيه الصديق، وهو كان من ضمن آخر الأصدقاء.. ومن الصعب أن يحل مكانه ألف صديق آخر»، ليختم متوجها إلى «الراحل الذي أخذ الكثير مني معه بقول الشاعر: «ابكي غيابك أم غيابي وجوادك الفضي يصهل عند بابي، ولقد رحلت.. وبقيت أصغي إليك عند بابي».

فيصل سلمان... بقيت الوردة
الصحافي فيصل سلمان، يتحدث بدوره عن المرحلة التي عمل فيها بيار صادق في تلفزيون «المستقبل». فيشير إلى أن «الرئيس الشهيد رفيق الحريري أرسل في طلبه شخصياً، وعهد إليه القيام بفكرته التلفزيونية، ومنحه «كارت بلانش» ليطلب المبلغ الذي يرتضيه راتباً»، لافتاً إلى أن الحريري الأب «وفر لبيار حرية مطلقة في رسم ما يريد دون تدخل أو رقابة من أحد في التلفزيون».
ويصف سلمان الراحل بأنه «تاريخ»، مؤكداً أنه كان «أحد مؤسسي الكاريكاتير في لبنان، وحامل لواء الصحافة اللبنانية». ويضيف: «هو انسان يشكل جزءاً من تاريخنا كصحافيين، وقد حوّل الكاريكاتير من مجرد رسم إلى مقالة سياسية، إذ بات يختصر افتتاحيات الجرائد وأهم المقالات السياسية. لم يجاره في إبداعه إلا ناجي العلي»، مشدداً على أن صادق كان «قارئ فنجان السياسة اللبنانية، امتاز بحدس يعبر عنه بالرسم كأنه يقرأ مستقبل لبنان».
عن خُلُق بيار صادق وأخلاقه، يقول سلمان: «كان صاحب نكتة غير روتينية، تحلى بواحدة من أجمل النفسيات، وأرسى حوله أجواء مريحة ومبتسمة. كان صديقا لكل العاملين، متواضعاً. وما الوردة التي طبعت توقيعه، الذي ذيّل به رسوماته إلا دليل على أنه كان متفائلا بمستقبل واعد للبنان رغم ضخامة مشكلاته».
ويختم: «رسومات بيار صادق ستعيش عشرات السنين وتحفر بأذهان الأجيال، خصوصا أن فن الكاريكاتير في لبنان تماماً كالصحافة المكتوبة على طريق الانقراض نتيجة «هجمة» الإنترنت. ومن هنا ندرك أهمية ما قدّمه الراحل عبر نقل الكاريكاتير من الورق إلى شاشة التلفزيون».

بول شاوول...
كاريكاتير قاوم ديكتاتور

الشاعر والكاتب في جريدة «المستقبل» بول شاوول يستهلّ رثاءه لبيار صادق بالإشارة إلى أنه تابع رسوماته منذ الصغر في تنقل الراحل بين عدد من المؤسسات الإعلامية المقروءة والمرئية، معتبراً أن «صادق وكلا من ميشال أبو جودة وغسان تويني أعطوا لـ «النهار» وهجها وموقعها السياسي المتقدم، حتى أصبحت آنذاك الصحيفة الأولى في لبنان بلا منازع».
ويصف شاوول صادق بـ «مؤرخ الحياة السياسية في لبنان بالكاريكاتير، دون أن يكون حيادياً حيث كان دائما منخرطاً في موقع سياسي ما من دون أن يفقده ذلك استقلاليته»، مضيفاً: «ناصَر بيار صادق القضية الفلسطينية، ووقف إلى جانب المقاومة اللبنانية، وصحيح أنه اعتمد السخرية في أسلوبه إلا أن الضحكة التي توخاها قاسية أيضاً أو بالأحرى ناقدة»، ولافتا إلى أن «أحدا لم يسْلم من ريشة بيار، بما فيه حلفاؤه أمثال كميل شمعون، ريمون إده، صائب سلام، سليمان فرنجية وياسر عرفات».
ويوضح شاوول أن «بيار صادق كان ناقداً اجتماعياً أيضاً، حمل هموم الناس وظهّر في رسمه معاناتهم بسبب الفقر إلى جانب مآسيهم من الحروب والمجازر والوصايات»، كاشفاً أن الراحل «كان ضد كل الوصايات على لبنان، الإسرائيلية، السورية، العراقية، الليبية وصولاً إلى الإيرانية لأنه كان باختصار رجلاً استقلاليا، اشتهر بموقف مبدئي من الديكتاتوريات العربية، فانتقد بشدة جمال عبد الناصر، صدام حسين ومعمر القذافي وكذلك بعض رؤساء الدول الغربية كجورج بوش الأب والابن».
وإذ يلفت إلى أن بيار صادق «واجه مع المعارضة في الستينات ما كان يسمى بالمكتب الثاني، أي المخابرات في عهد الرئيس فؤاد شهاب»، يشير إلى أن للراحل «تحف» كاريكاتيرية في هذا المجال، «وقد تعرض منذ ذلك الوقت لتهديدات كثيرة من النظام السوري وأخيراً الوصاية السورية، حتى ان الرئيس السابق اميل لحود حاول منعه من رسم الكاريكاتير». ويذكّر بأن «بيار صادق رسم الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله، الذي يحظر رسمه، متحدياً».
ويعتبر أن «بيار صادق من الممهدين برسوماته لثورة الأرز، التي شارك فيها بفعالية»، مستذكراً «الكاريكاتير المميز الذي جسد فيه صادق العماد ميشال عون، فضلاً عن رسومات مناهضة للنظامين السوري والإيراني».
ويختم: «ان لبنان ليس بلد الكاريكاتير لأن الرسامين فيه يُعدون على أصابع اليد، وبيار صادق كان استثناء مميزاً. خسرنا برحيله صوتاً مدوياً للحرية والشجاعة والسخرية، وهو سيترك فراغاً كبيراً».

ريمون جبارا... طريف وصريح
الكاتب المسرحي ريمون جبارا، يرثي صديق العائلة بيار صادق الذي واكب وإياه حلو الحياة ومُرها على مدى أربعين عاما. فهو يعتبره «أهم رسام كاريكاتير في العالم أجمع، لأنه لا ينقل الصورة الخارجية للشخصيات فحسب، بل يجسد برسوماته الحالة النفسية والصورة الداخلية لمن يرسمهم». ويوجز: «هو مبدع».
العلاقة بين الناقدين كل بمجاله، هي علاقة فكرية وثقافية أيضاً، حيث يوضح جبارا: «نحن مجموعة من المثقفين، تضم إليّ وبيار الفنان الياس الرحباني والكاتب شوقي خيرالله»، معدداً صفات صديقه الراحل: «هو من أذكى الناس، طريف وصاحب نكتة سريعة، صريح ولا يعرف الكذب».
ويأسف جبارة لرحيل صديقه، الذي لم يعرف بمرضه ففوجئ بالخسارة.. ويستذكر بلوعة: «كان كلانا يتابع عمل الآخر، هو يحضر مسرحياتي وأنا لا أتغيب عن معارضه وأنتظره كل مساء لأشاهد ابداعه الكاريكاتيري.. حتى أنني كنت اشتري جريدة «النهار» لـ «أقرأ» رسم بيار»، مبدياً أسفه لأن «العرب عموماً يدركون القيمة الإبداعية للفنان بعد وفاته، فيما بيار صادق لا يحتاج إلى وفاة ليهز ضمائر الناس الذين أحبوه».
ويأمل أن «تكون الأجيال الصاعدة تعلمت من فن بيار، إذ يبقى تعويض خسارته بفنانين آخرين رهن بالأقدار»، موضحاً أن الراحل «كان يتمنى «تكاثر» المبدعين في مجاله، وهو لطالما آمن بالمواهب الشابة». ويختم متوجهاً إلى صديقه بعبارة: «أحسدك، فأنا على ثقة بأنك في مكان أكثر راحة».


كتبوا عن قلم الرصاص
الأقوى من الرصاص

عقل العويط ـ «النهار»: لم يكن بيار صادق رساما كاريكاتيريا، بل كان كيميائياً ومجترحاً، بما يمكن أن تنطوي عليه كلمتا «الكيمياء» و«الاجتراح» من دلالات الاختبار والتحويل والاختراع والخلق. فهو السبّاق، نادراً ما كان ينتظر الحدث، إذ كان هو الذي يشارك في صناعته، وأحيانا كان يصنعه وحده.
عباس بيضون ـ «السفير»: مع بيار صادق لم تكن النكتة وحدها المقصودة، بل أكثر من ذلك، السخرية والكشف والفضح، فثمة أمور لا تقال بالكلمات تقال بالرسم. الرسوم هكذا توارب وتلعب وتتحايل وفي غمزها ومواربتها امتحان لذكاء القارئ الصباحي، بل تسخيف للحياة السياسية وعاميتها وألاعيبها.
فيصل سلطان ـ «السفير»: إنه الرسام الذي آمن بقدرة القلم والريشة على تجاوز سراب الرحيل. ذلك ما عرفتُه عنه حين أفشى لي مرة عند غياب زميلنا ناجي العلي بأن: «كل رصاصات الغدر والحروب ترحل وتبقى آثارُ رصاصة واحدة هي رصاصةُ القلم لا تزول».


قالوا عن بيار... صانع الحدَث
اعتبر رئيس الحكومة المكلف تمام سلام أن «الموت غيب مبدعاً من لبنان استطاع بريشته الساخرة أن يؤسس مدرسة في الكاريكاتير السياسي تعبر عن مواقف الناس وتجابه الحكام والسياسيين برسوم وتعابير تختزل مقالات سياسية طويلة وتلسع بسخريتها ولا تجرح»، لافتاً إلى أن الراحل «ظلّ حتى الرمق الأخير مؤمناً بلبنان واحد موحد ملتصق بالناس وقادر في كل لحظة على مواجهة السياسيين ببسمة تحمل الكثير من الثقة بالنفس وبهذه الريشة التي سيذكره الناس بها طويلاً».
وصف الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري بيار صادق بـ «الريشة التي رسمت لحرية لبنان والعرب لأكثر من نصف قرن»، قائلاً: «رحل عنا الصديق الصادق الذي وهب عقله وقلبه وقلمه لقيم الوفاء والعدالة والديموقراطية». وأكد أن «بيار صادق، خسارة كبيرة للبنان وصحافته»، مشيراً إلى «أننا في بيت الرئيس الشهيد رفيق الحريري خسرنا أخاً وصديقاً وقلماً رشيقاً عشق الحرية وأحبّ لبنان. وعزاؤنا مع كل اللبنانيين هو الإرث الفني والثقافي غير المسبوق الذي تركه لصحافة لبنان».
اعتبر الرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة، ان «لبنان والصحافة اللبنانية والعربية خسر قامة كبيرة لن يستطيع احد تعويضها بسهولة»، وقال: «لقد رفع بيار صادق الكاريكاتير الى مراتب لم تكن فيها من قبل، فقد قلب المقاييس، ففيما كانت الصحف تُقرأ من صفحتها الأولى تحول القراء معه للبدء بالصفحة الأخيرة»، مشيراً إلى أن «بيار صادق كان ضميرنا الساحر والحزين الذي كان يختزل بلوحة واحدة من رسومه وصوره العشرات من الصفحات والمقالات والالاف من الكلمات».
قال نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري: «بحزن وتأثر، نودّع الفنان المبدع بيار صادق. لقد كان لريشة بيار صادق وزنها، من حيث تأثيرها ونتاجها الإبداعي، حتى ليصحّ القول بفضله إن الرسمة خير من ألف خطاب»، معتبرا أنه «بهذه الريشة خطّ بيار صادق جزءاً مهماً وحساساً من تاريخ لبنان، ورافق أحداث مرحلة، بل صنعها أحياناً، فكانت رسومه، على الورق وعلى الشاشة، عتاداً للصمود في زمن الحرب، ووسيلة لفضح المؤامرات المرسومة للبنان».
وصف رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، بيار صادق بـ «صادق الكلمة والريشة وقبل كل شيء شجاعة الحرية». وقال: «بيار صادق الذي كتب السياسة بريشته في أحيانٍ كثيرة، ولكنه صنع الحدث في رسمته في معظم الأحيان؛ كان بيار صادق حركة الرأي العام وضميره الواعي، يرسم سياساتنا بعين الناقد ولكن بحب، وينقد كما النسر حتى الألم من يلتبسون على الناس ذئاباً بثياب نعاج».

 

  •  

  •  

  • بيار صادق «أب الكاريكاتير» في لبنان ترك ريشته و... مشى
    | بيروت - من آمنة منصور |
    الراي

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         
01/05/2013

الفن وما حوله