• لم يعد يختلف اثنان منا على أهمية العلم ومساهمته في إنارة طريق المعرفة، فالعلم كما يحدثنا عنه "إبن خلدون" شأن إنساني منذ القدم و في هذا الصدد يقول "و أما العلوم العقلية التي هي طبيعة للإنسان، من حيث إنه ذو فكر فهي غير مختصة بملة، بل يوجد النظر فيها لأهل الملل كلهم، ويستوون في مداركها و مباحثها. هي موجودة في النوع الإنساني، منذ كان عمران الخليقة"[2]، فهي طبيعة إنسانية  وظفها الفكر البشري لغاية تسهيل مناخ الحياة وكذلك للتعبير منها و فيها و عبرها، بمعني أنها أصبحت هي الأداة المنفذة للأفكار، و أيضا لما أصبحت عليه من تطور سريع و تقديمها لنماذج كانت تستحيل على الفكر في السابق، و لهذا أضحت تضطلع بمهمة الإثارة، بالنظر لما تقدمه من تصورات تقنية عالية الدقة و أكيدة الفاعلية، فقد أخذت تدفع الفنان إلى البحث من خلالها دون التفكير في العوائق التقنية التي قد تعيق طرح أفكاره  و أرائه ماديا.

 هذا إضافة أنها تولت مهمة نقل العمل و عرضه و حفظه ليتمكن المشاهد المتلقي من مواكبة الممارسات الفنية بمعزل عن اختلاف المكان و الزمان، وهو ما يمكن الوقوف عليه من خلال الممارسات المعاصرة.

وكل هذه الميزات و الروافد المطلة علينا من تطور الفكر البشري، و تحكمه في الآلة التكنولوجية والتقنية ساهم بشكل مباشر في تطوير الخطاب الفكري و الثقافي لإنسان العصر الحالي محققا بذلك ثورة في جميع الأصعدة، مثلت بشكل أو بأخر تأكدا لصيرورة الزمن الإنساني فما وصلنا إليه اليوم هو تكملة لأبحاث الأمس، و نتيجة لتجارب السلف و إشارتهم التي عازتها المادة و لم تخلو من الرغبة و السطوة الرهيبة لثورة العقل و ارتداده لاستنزاف إشارات الطبيعة وتحقيق الاكتمال، والبحث عن حقائق للوصول إلى الحقيقة .

   وجاءت لغة العقل اليوم التي مثلت التقنية التكنولوجية أبجدياتها التواصلية، لتصبح هي لغة المكان والجواز الوحيد لارتحال في الزمان، في جغرافية سيطرة فيها الثقافة المعلوماتية على أذهان المبدعين، دافعتا إياهم إلى مواكبة العصر، و إنتاج ثقافة فنية مرادفة للمد العلمي لما يشهده هذا الأخير من تطور سريع تجاوز فيه البعد الوظيفي للإنتاج ليصبح لغة مستقلة بذاتها تبحث عن الفعل الإبداعي في رحلة البحث عن الاكتمال و التميز و التفرد،  وفي هذا الصدد تقول الدكتورة "إيناس حسني" في كتابها 'التلامس الحضاري الإسلامي الأوروبي': "استطاع العلم و الفن أخيرا أن يصلا إلى قمة درجات الامتزاج ليحققا أجمل صورة، لتعانق نتاج العقل و ثمار الوجدان في سبيل الارتقاء بالقيم الحضارية الإنسانية، و تحقق حياة أفضل للإنسان على هذه الأرض "[3] ،  لتصبح بذلك الخطابات و الممارسات التشكيلية، تتأثر شيئا فشيئا بصيرورة المد العلمي و تقنياته التي استدعيت لمجال الفنون التشكيلية،  لتضحي هي الأداة و الوسيط  و الحامل و المحرك الأساسي لأفكار الفنان، وفي هذا المجال يشتغل الفنان الأسترالي " ستيلارك"، فمن العلم وتطوراته التكنولوجية يطرح "ستيلارك" أفكار و ممارسات تؤكد صيرورة الفعل و تغيره و قابليته للتحوير، و بهذا مثلت التقنية التكنولوجية منهجا فكريا يعالج من خلاله الفنان النظم الفكرية في رؤية فلسفية مميزة و يقدم تصوراته للمستقبل بكيفية لم تعد فيها الصورة هي هاجس البناء الفني بقدر ما أضحت هي اللغة الذهنية للتعامل مع العالم و تقليب أفكاره المتعاقبة، في بحث عن مسايرة المد العلمي و إثارة إشكالاته و تقديم أفكاره كمواد للبناء الإستيطيقي و الممارسة الفنية، حدّ وصل فيه الفنان إلى تغيير المواد التي اعتاد الفكر الفني الاشتغال بها ليصبح الجسد هو المادة التي يشتغل عليها و الخامة التي تحمل الأفكار لأن الممارسة الفنية المعاصرة أصبحت بمثابة مبحثا وجودي وأنطولوجي تناقش الإنسان ووجوده في العالم، متجاوزا حدود الألم ووجع الجسد ليقدمه قربان للفعل الإبداعي، وفي هذا يقول الباحث المصري "يوسف ليموند"  في قراءته للممارسات التشكيلية المعاصرة الأدائية التي توظف الجسد كحامل للأفكار الفنية والإبداعية حيث يقول كون "غاية الفنان الذي يقوم بعرض أدائي، مستخدما جسمه بقسوة أو تطرف، ليست مسألة استعراض قوة أو تعجيز. نفترض أنه استعمل جسده كوسيط لا يمكن استبداله بآخر في إحالته على الفكرة أو المفهوم الذي انطلق منه العمل، وما كان لأي وسيط بديل أن يجسد الفكرة ويكون له التأثير المرجو. ولا حاجة هنا للتأكيد على أن كل مادة أو خامة في الفن لها مدلولاتها، فخط مرسوم بالقلم الرصاص لن يكون هو نفسه لو كان مرسوما بالحبر أو بالكمبيوتر أو بالدم، وتمثال مصنوع من الرخام لن يكون هو نفسه لو أنه من الجبس أو الخشب.."(يوسف ليمود: مجلة جسد)، حيث يقدم "ستيلارك" الجسد كمادة خام للإنشاء والفعل الإبداعي، و في ذات الحين يمثل جسد هذا الفنان مادة قابلة للإضافة و المعالجة لغاية تتجاوز بناء المفهوم التشكيلي، بل إنه وصل من خلال تجاربه الأدائية إلى حدّ التنظير لمشروع الإنسان الآلة، ذاك الإنسان الذي لا يؤمن بالحدود و يتجاوز كل العراقيل الزمنية و المكانية.

   في رؤية إستيباقية لملاح إنسان الحقب المقبلة و التي كانت ثورة الإنتاج العلمي سبّاقة للإشارة إليه بالنظر لما وصل إليه عالم "الروبوات" من فاعلية في الأداء و قابلية أكثر للفعل و التجاوب مع طموحات الإنسان الباحث عن تجاوز الممكن الطبيعي، البيولوجي لأعضائه و تركيبته الجسمانية، وهي إشكالية أرّقت ذهن هذا الفنان فعمد للبحث عن إمكانية تجاوزها بتقديم جسده للمختبر العلمي وتطويعه للتجاوب مع هذه التراكيب التقنية العلمية التي تزيد من فاعليته و تغيب مواطن النقص فيه وتعالج حدوده البيولوجية و تقديمه للانخراط في  ثورة التقدم التقني وتأسس منه قدرة على الفعل من خلال تجاوبه مع هذه العناصر التقنية، وهو ما من شأنه أن يطرح عدة تساؤلات من بينها مدى إستاجابة البناء البيولوجي الطبيعي للتوافق والتكامل مع هذه التقنيات التكنولوجية التي يطرحها الفنان الإسباني ويضيفها على جسده؟

     بمعني أنه يطرح جدلية التجانس الأدائي بين التقني و البيولوجي, ومثل هذه الرهانات التي يقوم عليها فن الأداء مع "ستيلارك" تطرح أيضا جملة من الجدليات والتساؤلات, على غرار: هل يمكن أن تكون التكنولوجيا هي البديل الوحيد للزيادة في قدرة الجسد، و إخراجه من منطق الحدود البيولوجية؟

     وإن أعترف الفنان في حد ذاته بصعوبة التجانس و المواضعة بين الطبائع الحسية البيولوجية للجسم والمكونات التقنية ذات التحكم العقلي، فإنه يقول بعدم تجاوزها ومحاولة البحث عن مسايرتها و توظيفها في مستوى التناول الوراثي و التحكم في منطق النمو الطبيعي للجسم و تفاعلاته البيولوجية من خلال توظيف التقنية التكنولوجية بخلق تراكيب جديدة فيه تمتاز بدقة بالغة و معاينة مستمرة لنخلق آليات معايشة رفيعة بين التقني التكنولوجي والأعضاء الطبيعية للجسد البشري، ليطرح من خلال هذه التركيبة (البيوميكانيكية) سؤال وجودي عن معني أن نكون آدميين، ومعاني تملك و امتلاك الجسد في حدّ ذاته، فكما يقول عنها "بول ريكور"، "إنها لمشكلة كبرى أن نفهم الطريقة التي بها يكون جسدنا الشخصي جسدا من بين الأجساد، موجودا لصورة موضوعية بين الأجساد، وفي الآن نفسه مظهرا من مظاهر الذات باعتبارها شكل وجوده في العالم"[4] .

وفي بحثه عن هذا التجانس يوظف الفنان التكنولوجية و تقنياتها كأداة للممارسة و يقدم جسده حاملا لهذه الأفكار في نفس تجربي لا يمكن أن نتجاوز في قراءته الأبعاد العلمية والوسائط التقنية في الممارسة والفعل الإنشائي، في إطار بحث "ستيلارك" عن المتمم التكنولوجي للجسد بدعوة تجاوز النسب الطبيعية المحدودية في فاعلية الأداء و تقبل الأفكار و رصد الطبائع المادية للذهن و تصوراته الإبداعية، هذا ما يفرض على ممارسات الأسترالي قراءة خاصة لمفهوم الإبداع في حدّ ذاته لأنه يقدم أفكار تختلط فيها ثنائية التنظير (بمعني الاستشراف) و الابتكار (في الصورة و تجديدها التشكيلي).

     كما أن ممارسته تطرح جدلية التوافق بين العقلي و الحسي، في مستوى خلق أو فرض نوعا من الترابط بين الامتداد التكنولوجي للجسد و معطيات التكوين البيولوجي له، في إطار رحلة البحث عن صياغة جديدة للجسم حتى يصبح مادة خام قابلة للتدخل والإضافة.

 فيكون بذلك جسد مهجن ذا قدرات وإمكانات عالية الدقة في الأداء ومحاورة زمن الفعل والإنشاء وتمثل رغبات العقل بمستوييه العلمي و الحسي, فها أننا نراه يبحث عن إيجاد صيغ تفاعلية جديدة للجسد تزيد من مقدوري التمثل و الفعل و الاستجابة فيه فيقدم على إضفاء يد ثلاثة لجسده, يد ميكانيكية( تقنية)،  وهو ما تبرزه الصورة الموالية.

 

 

"la Troisième Main"

)Yokohama and Nagoya 1980([5]

 

     يبرز "ستيلارك" من خلال هذه التجربة رؤية إستيطقية جديدة لمسألة أو مفهوم التهجين في الفن التشكيلي فلم يعد التهجين أو فعل التطعيم حكرا على مزج الخامات الطبيعية و محاولة إيجاد نوعا من التعايش بينها بل إن الإسباني يطرح معطى مغاير لمفهوم التطعيم باعتماده على الآلة التقنية ليصبح جسده متعة للممارسة، فلم يعد ذاك الجسد الرائي و الخاضع لامتلاءات التصور العقلي في وضع الألوان على اللوحة وغمس الفرشاة في الماء، بل إنه أصبح يحمل منطقين متوازيين في الفعل فها هو يوازي بين الفعل والمفعول به ,الجسد يتحرك في الفضاء و يؤدي جملة من الحركات المحدد سلفا أدائها، و في ذات الحين يستجيب للحركة الموازية التي تؤديها اليد الثالثة المصنوعة تقنيا فيكون الرسم متعة في محاورة الزمن في إنشاء أكثر من حركة في وقت وجيز وتكون الحركات في الفضاء الإنشائي أكثر امتداد وتولد تواتر أدائي بين ثلاثة أعضاء لهم نفس الغاية و يختلفون في التكوين و البنية، ففي هذه التجربة يقدم الإسباني أنموذجا لإمكانية التفاعل بين الجسم الطبيعي و الجسم التكنولوجي لأجل توليد جملة من الحركات والتفاعلات المتجانسة في فضاءها الإنشائي، حركات تتناسق في الأداء مولدة خطوط ورسومات تؤكد إمكانية التجانس رغم كونها تختلف في التكوين.

     وحتى في جدية الفعل من الناحية التقنية فقد علق "ستيلارك" على يده اليمنى يد  اصطناعية، قادرة على الحركة المستقلة، ويجري تفعيلها من خلال إشارات تقدمها آلات تحكم في منطقة البطن وعضلات الساق، وبهذا خلق "ستيلارك" نوعا من التلاقي والمجانسة بين العقلي والتقني بمعني أنه جعل من الحركة العضوية لجسده تتوافق مع الحركة التي تفرضها الآلة أو اليد الثالثة، التي هي في حدّ ذاتها تؤدي جملة من الحركات المضبوطة بالنظر لكون الفنان اتبع برمجة معينة ومحددة في  وضع ضوابط الحركات المزمع إنجازها و هو ما من شأنه أيضا أن يقدم نموذجا مختلفا عن الفاعلية و الأداء.

    فهذه الممارسة تطرح نوعين من التحكم في أدائية الفعل، تحكم عضوي يفرضه العقل الطبيعي (حيث يفرض عقل الفنان جملة من الحركات على جسده، و بفضل الطبيعة البيولوجية للجسد تتقبل أعضاءه أوامر العقل و تترجمها في شكل حركات) و من ناحية أخرى توجد برمجة تقنية، يمكن أن تكون هي في حدّ ذاتها عقل تقني بالنظر لوظيفتها الأدائية، التي برمجها الفنان مسبقا و صممها ليحصل التجاوب بينها وبين حركة اليد.

     وبذلك يكون الإسباني قد أوجد متمما تقنيا لجسده لأجل تحقيق جملة من الحركات والأفعال في وقت واحد وبسرعة أقل من تلك التي كانت تؤديها اليد العادية من خلال ابتكاره ليد ثالثة يقع برمجتها لتستجيب لأداء حركات مسترسلة و متناسقة مع حركة يد الفنان، مؤكدا بذلك على قابلية الجسد لأن يرقي و يعالج بفضل التكنولوجيا بحثا في ذات الحين عن هذه المتممات التقنية التي من شئنها أن تزيد من مستطاع الجسد الطبيعي و تدفعه للفعل والانتقال به من إمكاناته المحدودة في الفعل فهو يفترض كون الجسد أو الجسم كالحاسوب يجب أن يُرقّى ويُحدَّث باطراد، كي يتطور ويتكيف مع الثقافة التكنولوجية العالية التي وصلنا إليها بالعقل، ليقدم نفسه كأنموذج فني ومبحث فكر يواكب عصره ويرتقي بأفكاره وإبداعاته على حسب التطورات الحاصلة في عصره،  فما يفعله هذا اليوم يولد لغة الغد، هكذا هو تاريخ البشرية جمعاء جاء في تواتر وترابط كبير، "إن تاريخ الفكر هو دراما مسرحية من عدة فصول"[6].

وفي الأخير تبقي هذه الممارسة التشكيلية القائمة على المعالجة التقنية والتكنولوجية لأفكار الذات المبدعة مجالا لتناول جملة من الإشكاليات والتساؤلات، وهي أسئلة نسوقها في خاتمة هذه المقالة لفسح المجال لإعادة تأمل هذه التجربة كممارسة حاملة لإشكال فكري وجمالي.

يبقي السؤال المهم هو الكيفية التي تمت عبرها توظيف الأداة التقنية دون تجاوز الجوانب الحسية، التي تمثل رهان كل عمل فني؟

هل يمكننا اليوم من خلال هذه التجارب الحديث عن مفهوم الفنان- العالم؟ وما هو الحد الفاصل(أن وجد) بين الباحث التشكيلي و العالم المفكر؟ 

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         
11/02/2013

الفن وما حوله