جاكسون بولوك في مرسمه سنة 1950
أحد أفراد الحراك الفني الياباني "غوتاي" خلال عرض قياسي حيث تقوم بطلاء اللوحة مستعملة شعرها
هرمان نيتش 'مسرح الألغاز والعربدة' (صورة من العرض القياسي 122 المنجز في المسرح الوطني بفيانا 19 نوفمبر 2005)
جينا بان مجموعة صور من "حدث شاعري" 1973
إيف كلان 'القفزة في الفراغ' 1960
 
  •  
  •  

  •  

  • أبدى الفنان في النصف الثاني من القرن العشرين حاجة ملحة وغير مشروطة للتعبير المباشر فيقر بذلك استفهاما جوهريا حول المسائل الحياتية و تدعيم حضور ''الأنا" في المجتمع مما يؤدي إلى تتداخل الأدوار فيتحول الرسام إلى مخرج في حين يستنجد المخرج الركحي بفعل الرسم لإخراج أعماله الفرجوية. فنقف بذلك على إنتاج فني جديد هجين يقطع مع الأشكال الفنية المتعارف عليها و يجمع في الآن ذاته بين عديد المدارس و التيارات الفنية المتنوعة.هذا الالتقاء أو الجمع أضحى اليوم احد المحاور الرئيسية لبناء الدعامات الأساسية للعملية الإبداعية. ليصبح بذلك العرض القياسي, ((la performance كنوع تعبيري جديد, احد أهم مكونات للفعل الإبداعي.


"لقد بقي الرسم رسما والنحت نحتا و المسرح مسرحا إلى غير ذلك من التنويعات الفنية كالسينما والرقص و الموسيقى ... لكل من هذه التعبيرات دعاماتها و خصوصياتها وحدودها, وقد أستطاع العرض القياسي التخلص من ضوابط هذه الحدود الوضعية وإقرار قطيعة هامة في تاريخ الفن الحالي،كما أنشأ من خلال مكونات هذا التوازن الجديد والحساس فضاء خاصا 1 ”
يعود الأصل الاشتقاقي لكلمة "العرض القياسي"((la performance إلى الأصل اللاتيني ((performar و الذي يعني 'انجاز' . و هو يقوم على ضوابط تلزم الفعل والحراك المباشر أمام الجمهور كما انه يعتبر فن الفضاء و الحضور و الزمن المنقضي.و تقوم العروض القياسية على مبدأ زمنية وقت العرض ومبدأ إضمحلالها بأنقضاء زمن إنجازها. ولقد عرف هذا الشكل التعبيري في حدود 1970 و أشتهر كنمط تعبيري و فني قائم بذاته. و في هذا المأتى تفيد "روزيله قولدبارق" إن تعريف فن العرض القياسي يبقى محل الكثير من الاختلافات(...).فهو فن حي محدث و مبدع من طرف الفنانين, و مهما تكن التفاسير و التعريفات الجديدة من طرف أي فنان للعرض القياسي أو كاتب أو ناقد يكتب عن هذا النمط الفني ،فانه بعيد كل البعد على أن ينتهي إلى تعريف محدد لهذا الفن ،بل انه ينزع بذلك إلى توسيع مجال التعريفات الخاصة بهذا الشكل التعبيري"2
احتمل فن العرض القياسي أبعادا جديدة تترافق مع جسد الإنسان و الفضاء و الزمن المنقضي والصدفة و الارتجال و الاستفزاز إلى غير ذلك مما يمكن أن يكون خصوصية تعبيرية لهذا الفن.فخلال النصف الثاني من القرن العشرين عرف جسد الفنان تناولا غير محدد وغير مضبوط، فتحرر ليصبح وسيلة للعرض في حين أصبح حضور الجمهور أساسيا لاكتمال الفعل الفني و ليتقاسم كلاهما اللحظة الإنشائية و بذلك " يعيش المتفرج داخل دائرة فعل الرسم”3
يعتبر الرجوع بالنظر لتبيان "ملامح العرض القياسي" إلى جاكسون بولوك ضرورة ملحة .حيث استطاع هذا الأخير أن يخلق اضطرابا في علاقة الرسام بمرتكزه القماشي بإقلاعه عن الرسم المسندي نحو رسم أكثر حرية وتحررا،فأصبح المرتكز القماشي يستوي مع الأرض في وضعية أفقية و أصبح الفنان يدور حوله و يتحرك داخل مساحته وهو يقذف بالمادة اللونية. وفي حديثه عن هذه التجربة يقول جاكسون بولوك.

" إن رسوماتي ليست بالمسندية. فتحضير القماشة بالنسبة لي يقتصر على شدها قبل بداية الرسم على مساحة صلبة كالحائط أو مباشرة على الأرض. عندما تكون القماشة على الأرض أتحرك بحرية أكبر وأحس أنني في علاقة مباشرة مع الرسم. حيث أنني باستطاعتي التواجد داخلها و ممارسة فعل الرسم من مختلف الجهات. كما أنني أصر على التخلي عن الأدوات التقليدية للرسم كالمسند و الفرشاة"4
لم ينتج "بولوك" أعماله الفنية بحضور جمهور ،لكن كانت للتسجيلات السمعية البصرية والفوتوغرافية المأخوذة من طرف' هانز نامويث' للفنان و هو في خضم فعل الرسم كانت كافية لتبيان و كشف العملية التعبيرية و الإبداعية لديه. كما أصبح مرسمه فضاءا ركحيا مفتوحا للعموم منذ نشر التسجيلات و الصورة الخاصة بفعله الفني .انطلاقا من هذا المعطى اتفق اغلب المؤرخين على أن " الرقصة المكثفة" لبولوك حول وفوق المرتكز القماشي هي أصل العرض أو الحدث القياسي.
كان الأثر الفني 'لبولوك' متأثرا بالتمشي الفني الخاص ب "جورج ماتيو" و الذي يعتبر الأب الروحي للتجريدية الغنائية" كما انه كان من الفنانين الغربيين الأوائل الذين وضعوا على الركح الفعل الحركي للرسم من خلال رسمه أمام الجمهور كما سعى إلى إبطال الحدود والحواجز بين الفاعل في العرض القياسي (الرسام) و بين الجمهور. ويقول "جورج ماتيو" أصبح الأثر الفني نقطة محورية و مركزية لاستفهام, فعوض أن يختصر الكون في أبعاد الإنسان يصبح الأثر الذي ينفتح من خلاله هذا الإنسان على الكون"5
لقد بحث "ماتيو" على الانفتاح على العالم الخارجي من خلال ممارسة فعل الرسم و كان بذلك مثالا يحتذى لدى الفنانين الذين تبنوا فكرة الانفتاح والتواصل مع الجمهور.
لقد حملت السنوات 1950 و 1960 تناولا مفهوميا مغايرا لوضعية الفنان .فأن يكون جسد الفنان عنصرا للعرض و الفرجة أمام الجمهور يعد من ابرز مجالات البحث في الفن المعاصر. هذا الشكل التعبيري المسمى حدثا أو عرضا قياسيا أصبح بذلك مفهوما كونيا أو بالأحرى ممارسة فنية لها أسسها ودعامتها الخاصة بها. إن العرض القياسي حسب "جون اوفمان" وجوان جوناس" هو توظيب و إخراج ركحي يعزل و يقوم بإيماءة اللحظة الإنشائية(لفعل الرسم)"6 و ينطبق ذلك على الحراك الفني الياباني للسنوات 50 "غوتاي" و الذي قام بإخراج ركحي لفعل الرسم أمام الجمهور. كما يعتبر "الان كابر و" مؤسس مفهوم "العرض القياسي".
لقد بحث الفنان عن طريق العرض القياسي إلى استفزاز المتلقي و حمله على التفكير في عديد المواضيع و الأطروحات الإشكالية. ووصل في بعض الأحيان إلى تجاوز الممنوع وتجاوز المحرمات بنوع من الجرأة التي كان لها وقع الصدمة على المتفرج. ولا يمكننا في هذا السياق أن نغفل عن العرض القياسي "حدث شاعري" الذي قدمته 'جينا بان' سنة 1973 وجعلت فيه جسدها محْملاٌ للفعل التشكيلي مستعملة في ذلك شفرة حلاقة تجرّح بها يدها. وبذلك أصبح الجسد الناقل المهم للإحساس و الأفكار والفاعل الأهم لمقاومة مباشرة و حسية ضد كل ما هو محرم في المجتمع وضد التقاليد الفنية و الجمالية. وقد استطاع عدد من الفنانين أن يذهبوا إلى أبعد من ذلك من خلال التطرق إلى مواضيع تعتبر في نظر الدين و المجتمع و السياسة خطا أحمر لا يجوز تخطيه, على غرار هرمان نيتش من خلال أعماله في إطار "مسرح الألغاز والعربدة". أين وظف الفنان الأيقونة الدينية المتمثلة في تشخيص المسيح وهو مصلوب ملطخا بالدماء ومغطّى بأمعاء الحيوانات.
كذلك تذكر "نتالي هينيش" في كتابها " اللعبة الثلاثية للفن المعاصر" مثال الفنان الياباني الذي تناول الخصوصيات الزائلة و المنقضية لدى الإنسان في اثر فني ،فذهب إلى تمثيل أحداث موته على الركح ،فكان أن انتحر ليلقي بنفسه من أعلى بناية، لينتهي على مرتكز قماشي كان الحامل والحافظ لأثر موته ،فكان ضحية الفن.
قامت "نتالي هينيش"بمقارنة بين تجربة هذا الياباني و "إيف كلان". لتصبح بالتالي المسالة على جانب من التجاذب بين الإطار البدائي للحياة الواقعية و "النمط" الخاص بالعرض القياسي. أي بين "القفزة في الفراغ" المحدثة من طرف "كلان " الذي أعطى الأثر الخاص بالجسد الإنساني جانبا هاما من الفرجة من جهة و بين النمط المستحضر من خلال فعل الانتحار للياباني الذي وضع موته في إطار فرجوي من جهة أخرى. إن فعل هذا الأخير يلزمنا بجانب من الانبهار و الاهتمام المتزايد نحو طبيعة العرض القياسي . وتجدر الإشارة إلى أن تلك الميتة تحولت بعد ذلك إلى اثر فني يحمل آثار الدم و يحاكي عملية ارتطام الجسد بالمرتكز القماشي. ولقد حضي هذا المأتي الفني من خلال عملية الموت بحضور بارز ودائم في متحف الفن الحديث "بطوكيو"أين نظر إليه كفعل فني"7
تلتقي هذه التجربة التي تنتمي إلى مشهد الحياة اليومية مع فكر "الان كابرو" في كتابه "الفن والحياة معا" أين يفيد" سيكون الخط الفاصل بين العرض القياسي و الحياة اليومية على جانب من الانسيابية وربما على قدر من الضبابية أكثر مما كان"8 هذا الفعل الوحشي و القاسي للفنان الياباني مثال من أمثلة أخرى عديدة لتمظهرات فنية احتملت جانبا وافرا من النقد المتضارب والمتباين بين منبهر و قابل ورافض. و يحملنا هذا النقد إلى طرح التساؤل و الاستفهام الأتي "ألا يبدو أن الفن المعاصر في طريقه نحو أن يصبح فنا ذا قسوة و عنف؟ وما هي الأسس والمحددات و المنتهيات لهذا الممارسات المعاصرة المسماة بالقاسية؟
المراجع:
1 - ALVARO Egidio , du tableau à la scène, in Revue Ligeia , dossiers sur l’art , juillet /septembre 1988,Paris 98.
2 - GOLDBERG Roselee, Performances, l’art en action, Thames et Hudson ,Paris,1999,p 12.
3 - GOLDBERG Roselee,la performance du futurisme à nos jours, Thames et Hudson ,Paris,2001,p 14.
4 - GAUVILLE Hervé ,l’art depuis 1945,groupes et mouvements, Zanardi Group ,Italie , septembre 2007,p,178.
5 - GAUVILLE Hervé ,l’art depuis 1945,groupes et mouvements, Zanardi Group ,Italie , septembre 2007, p 50.

6 - HOFFMAN Jeans et JONAS Joan, action, Thames et Hobson ,Paris 2005,p 19.
7 - HEINICH Nathalie, le triple jeu de l’art contemporain, les édition de minuit, Paris 1998,p 106.
8 - KAPROW Allan, l’art et la vie confondu, Aubin Imprimeur, France,1996,p119.

  •  

  •  

  • شاكرة السالمي, باحثة بمرحلة الدكتوراه بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس وأستاذة بالمعهد العالي للفنون والحرف بالقيروان/ تونس.
    العرض القياسي, شكل فني معاصر

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

18/07/2013

تشكيل الحياة