صورة من العرض القياسي "جولة في فيينا" غنتر بروس في 5 جويلية 1965
صورة لألفونس شيلينغ أثناء قيامه بطلاء لوحته الدوارة 1963
أوتو موهال و غنتر بروس صورة من عرض قياسي لمجموعة النّاشطين الفيانيّين "اكسيونيست فينّوا 23 جويلية 1967 "
عرض قياسي لهرمان نيتش في مرسمه ببرنزندورف 1998
عرض قياسي لهرمان نيتش في مرسمه ببرنزندورف 1998
 
  • لقد ولد ما أصطُلح على تسميته بمجموعة النّاشطين الفيانيّين "اكسيونيست فينّوا" أو الحراك الفياني"اكسيونيسم فينّوا"  على أنقاض سياسة خانقة كانت قد فرضتها في البداية البرجوازية المتحفظة  ثم النظام النازي الذي أحكم نفوذه في النمسا. و قد استلهمت هذه المجموعة في سنواتها الأولى  (1960-1971 طابعها الاستفزازي من تيار "التعبيرية النمساوية" مع كل من (أوسكار كوكوشكا، الفريد كوبين و ايغون شييال).

في عام 1962، أعلن أوتو موهال ، أدولف فروهنير وهرمان نيتش رسميا ولادة مجموعة النّاشطين الفيانيّين "اكسيونيست فينّوا" من خلال عرضهم القياسي العلني الأول الذي قاموا به في الطابق السفلي لبناية كان يسكنها أوتو موهال. وكان ثلاثتهم ملطخين بالدماء وطلبوا من المتفرجين فك وثاقهم و تحريرهم. وقد تكونت هذه المجموعة من ثلة من الفنانين الشبان بالكاد تخرجوا من أكاديميات الفنون, فشملت أدولف فروهنير (نحات، ولد سنة 1934) و رودولف شوارزكوجلير (رسام ومصورفوتوغرافي ، 1940-1969) و أوتو موهال (رسام ونحات،   1925-2013) و غنتر بروس (رسام، ولد في 1938) وهرمان نيتش (رسام، ولد في 1938) و ألفونس شيلينغ (رسام، 1934-2007).

إلا أن فترة الإنضمام لهذه المجموعة لم تكن سوى حلقة وجيزة في حياة هؤلاء الفنانين، باستثناء نيتش الذي يواصل إلى اليوم العمل في إطار هذه الحركة. ولكن كان لهذه التجربة الأثر العميق في أعمالهم وحياتهم  حيث عانى بروس ونيتش قساوة المنفى في ألمانيا في حين وصل الأمر بشوارزكوجلير إلى حد الانتحار في 1969.

إن تمشي الحراك الفياني  هو نتيجة لرغبة جامحة في تجاوز ما أفضت إليه تجارب فنية معاصرة على غرار التعبيرية التجريدية  . في هذا المنظور جعل الحراك الفياني من الحياة اليومية  -حتى في جوانبها الأكثر مأساوية- في قلب اهتماماته وجوهر المواضيع التي يعالجها  بطريقة حسية مباشرة. من جهة أخرى تعمّد الناشطون الفيانيون في عروضهم القياسية التخلي عن كل التمظهرات اللغوية التي من شأنها تعطيل التواصل المرجوّ مع الجمهور والتي حسب رأيهم تحتمل معاني مختلفة و متضاربة على عكس ما تتطلبه هذه النوعية من العروض لتحقيق علاقة حسية مباشرة ,متنوعة وثرية مع المتلقي. وقد حاولوا في نفس الإطار زعزعة األإستقرار النفسي لدى المتفرج من خلال المراوحة بين مجموعة من الأحاسيس المتباينة مثل العدوانية, الضجر, القرف...

أوتو موهال:

أضفى أوتو موهال  خاصية الحركة العفوية أو غير المدروسة في عملية إنجاز لوحاته وذهب إلى حد التدحرج على المرتكز القماشي للوحة. في عام 1961 أقدم صحبة النحات أدولف فروهنيرعلى تحطيم الأطار الخشبي للمرتكز القماشي وفي ذلك تدمير رمزي لللإطار الذي يضبط اللوحة وإنشاءٌ لعلاقة أكثر تحررا تجمع بين الرسام وفعله التشكيلي .

كما أن أوتو موهال ذهب إلى أبعد من ذلك من خلال توظيفه إلى جانب الصبغيات اللونية مواد ذات خواصها فيزيائية مختلفة مثل صلصة الطماطم والبيض، الطحين وحتى البراز.

بالنسبة لأوتو موهال اهمية العمل الفني تكمن في الطابع العلاجي الذي يكتسيه أين يمكن  تجاوز كل الحدود  واعطاء حرية مطلقة للمشاركين في هذا الفعل. في نهاية الستينات قطع موهال مع المحرمات كافة، بما في ذلك المحرمات الجنسية.  في سنة 1969 قدّم عرضا قياسيا قام فيه المشاركون بتلطيخ جسده بالبراز. مثلت سنة 1971 تاريخ تفكّك مجموعة الناشطين الفيانيين حيث نُفي بروس ببرلين وأسس موهال نموذجا جديدا لمجتمع مستوحا من النظام القبلي البدائي يكون لأعضائها الحرية الجنسية المطلقة. وأدت هذه الحياة المجتمعية إلى اتهامه بإقامة علاقات جنسية مع قاصرين و إيداعه السجن من سنة 1991  إلى سنة 1997.

غنتر بروس و ألفونس شيلينغ:

قرر كلّ من غنتر بروس و ألفونس شيلينغ منذ عام 1960 التخلي عن جميع المكتسبات الأكاديمية في فنهما لتكريس نفسيهما للفعل التشكيلي في إطار العرض القياسي, حيث  يثبتان المرتكز القماشي أو الورقي على الأرض أو الجدران ثم إلى جانب استعمال المواد اللونية يضيفان أجسام مختلفة  عن طريق إلصاقها أو خياطتها وفي النهاية يعمدان إلى تمزيق اللوحة بسكين. وفي سنة 1961 اختلفت توجهات بروس وشيلينغ, ففي حين وضع الأول جسده في صلب العمل الفني وجعل منه أحد أدوات الفعل الفني بقي شيلينغ في علاقة تحتّم نوعا من الانفصال بين جسم الفنان وجسم اللوحة لكن في المقابل أضفى هذا الأخير حركية على مستوى المرتكز القماشي بجعله يدور باستمرار أثناء عملية الرسم.

قام غنتر بروس في 5 جويلية 1965بعرضه القياسي "جولة في فيينا" و كان قد عبر وسط المدينة سيرا على الأقدام و وجهه  وثيابه مطليّة بالأبيض ويقسمه خط أسود إلى نصفين من أعلى رأسه إلى أسفل قدميه,  إلا أن إيقافه من قبل الشرطة حال دون استمرار عرضه. في 19 جوان 1970 قدم بروس عمله الذي يشقّ خلاله فروة رأسه بشفرة حلاقة و ويترك خطّاّ من الدم يسيل من أعلى رأسه إلى أسفل قدميه. هذا العمل الذي يذكرنا مباشرة"   في خط الطلاء الأسود  خلال عرضه القياسي "جولة في فيينا تم تقديمه أمام جمهور محدود كما وقع تصويره بآلة فيديو .يلخص بروس من خلال عمله هذا التوتر بين الفن والواقع إلا أنه يطور لغة يمكن وصفها بالوحشية حيث يستخدم فيه إيذاء النفس كفعل تشكيلي والجسم كمرتكز لهذا الفعل.

هرمان نيتش:

 لقد نشأت فكرة إنشاء عمل فني مكتمل يجمع فيه هرمان نيتش بين جميع الفنون في شكل عرض قياسي منذ سنة 1957 وقد أطلق على هذا المشروع  تسمية "مسرح الألغاز والعربدة ". هذا المشروع يتنزل كتجربة إبداعية مستوحاة من الأساطير القديمة ومن الإنجيل ويقدمها في شكل عرض تراجيدي. كما يدعو نيتش المشاهدين للمشاركة في الفعل الفني. حيث يمثّل "مسرح الألغاز و العربدة " محور اجتماع تجارب حسية متعددة تخلق في التقائها صورة فريدة متكونة من مواد عضوية مختلفة. و تجدر الإشارة الى أن نيتش ينفرد باستعمال مجموعة من المواد العضوية كأحشاء و أجساد الحيوانات و البيض و بعض الخضر و الغلال مثل الطماطم و البرتقال و العنب إضافة إلى مواد سائلة مثل الدماء والنبيذ والماء و الحليب و العسل...

في هذا العمل يلعب الجانب الطقوسي دوراً أساسيا. صب دم على مرتكز قماشي أو على جسم إنسان أو جثة حيوان تمثل بالنسبة لنيتش أساس الفعل الطقوسي. كما يقدم نيتش مجموعة من المشاهد العنيفة المرتبطة مباشرة بالمخيال الأسطوري أو بالمرجعية الدينية مثل تمزيق ديونيسوس ، عمى أوديب و صلب المسيح.

كانت العروض الأولى لنيتش تقتصر على الوجود الفاعل لهذا الأخير صحبة بقية أعضاء مجموعة النّاشطين الفيانييّن "اكسيونيست فينّوا" (أوتو مويال و غنتر بروس ورودولف شوارزكوغلر). لكن سرعان ما أصبحت هذه العروض تستقطب جمهورا يسوقه حب الإطلاع. وفي السنوات الأخيرة أصبحت أعمال نيتش تضمّ عددا هائلا من المشاركين من الجنسين.

إن كل مشارك في "مسرح الألغاز والعربدة" له دور واضح يقوم به ويحدّده نيتش مسبقا و أثناء العمل يلعب هذا الأخير دور الكاهن حيث يقوم  بتوجيه المشاركين. من أهم العروض التي قدمها نيتش في إطار "مسرح الألغاز و العربدة " نذكر العرض القياسي عدد 100 في 1998 والذي أنجزه بقصره ببرنزندورف ودام ستة أيام دون انقطاع و العرض القياسي عدد 122 الذي أنجز بالمسرح الوطني بفينا في 19 نوفمبر 2005 .

المراجع:

-Danièle Roussel, L'actionnisme viennois et les Autrichiens , Ses racines sociales, culturelles et artistiques, , ed, Presses Du Reel , paris, février 2008, 232pages.

-Rose Lee Goldberg, La performance , Du futurisme à nos jours, ed, Thames & Hudson, paris février 2012.

-Sally O'reilly, Le corps dans l'art contemporain, Thames & Hudson, paris février 2010.

-Tracey Warr et Jones Amelia, Le corps de l'artiste, Phaidon, paris 2005. 

 

  • شاكرة السامي, باحثة بمرحلة الدكتوراه بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس وأستاذة بالمعهد العالي للفنون والحرف بالقيروان/ تونس.
    الحراك الفياني"اكسيونيسم فينّوا" : من النشأة إلى تعدد التجليّات الفنية

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

17/09/2013

تشكيل الحياة