•  

  •  

  • إنّ عملية تذوّق العمل ليست متعة جمالية فحسب تنصب على الشكل واللون، بل هي عملية مشاركة تقوم على الجدل بين (المتذوق والعمل الفني) فيعيد النظر إليه في كل الاتجاهات ويثير في نفسه كل أنواع الفضول ويفتح أمامه تساؤلات وتأويلات عديدة لا حصر لها لعالم جديد لا ينفصل عن العالم الذاتي للفنان ولأنفسنا أيضا فنكون حاضرين في العمل بل نجد أنفسنا أكثر حضورا حينما نفهم العمل ونبحر في أعماقه فنستحضر تجاربنا وذواتنا . ينظر كروتشه إلى الفن على أنه حدس أو رؤيا ، فالفنان إنما يقدم صورة أو خيالا، والذي يتذوق الفن يدور بطرفه إلى النقطة التي دله عليها الفنان ، وينظر من النافذة التي هيأها له، فإذا به يعيد تكوين هذه الصورة في نفسه. وبقراءة شكلية لعمل فهد خليف تتراكم عدة مفردات ليدخل المتذوق في جوهر العملية الإبداعية فينتقل بين حوارية الأشكال وجدليتها لسبر أغوار النفس الإنسانية حيث المرئي واللامرئي فيخلق أجواء تجريدية حلمية لأشكال متباعدة الانتماء تنغمر في غمامة من اللون الرمادي الذي يكتسح أجواء اللوحة تتناثر عليه بقع ملونة يتفجر فيها اللون البرتقالي والألوان الترابية كطاقة تعبيرية منبثقة من خلفيته المظلمة ليجعل منه مسارا للوحته وبمثابة النبض لها أو قد يكون تعبير عن حالة وجدانية يخاطب به البيئة التي ينتمي إليها وتختلط ألوانه الدافئة بمسحات من اللون الأبيض والأزرق الذي يطفو على سطح اللوحة لنجد فيه رمزية واضحة للتخيل والتأمل الباطني والاسترخاء الجمالي فتعطي مساحاته اللونية تأثيرات قادرة على تقديم الإحساس بالموضوع الذي يعبر عنه من خلال التجاور الجغرافي لتلك المساحات والتي لا تخلو من الزخارف التراثية ليمنحها سمات محلية بصرية تنتمي لمنطقته الجنوبية.


يقول فؤاد زكريا : "يبدو أن أعظم ما في الفنان قدرته على تشكيل المشاعر الذاتية والمادة الخارجية في صورة جديدة لا تتقيد بحتمية التعبير عن مشاعر معينة وإنما هي تعبير عن القدرة الخالقة والطاقة الفياضة للفنان فحسب"
فنجد الإنسان هنا وقدرته على إحساسه الجمالي بما حوله فيلامس هذا العمل صور مجردة لرموز متعددة متباينة المعاني مركزا على (اختزال الكل بالجزء) فالطائر والسمكة ورؤوس الخيول والأيادي والظلال الساقطة والحروف المتناثرة, تعددية الأجزاء هنا تشير لتعدد الكليات وكل جزء يعني حضوراً للكل, إلا أن كل هذه العناصر تقوم على مفهوم الحركة ومرتبطة أيضاً بالعنصر الإنساني, والتعددية هنا تعطينا قيما بصرية متنوعة وتعطي المتذوق متعة شكلية تسمح بجموح المخيلة الإنسانية .. يذكر سارتر: "أن محاولة تفسير الخيال تتطلب فعل انعكاس من الوعي لا يقع على الشيء الخارجي بقدر ما يقع على الطريقة التي يعمل بها الوعي عند التخيل , فالوعي يقوم بعمليات مختلفة يتناول بها الموضوعات الخارجية, فهو يدرك ويتصور ويتخيل , فهذه كلها طرق مختلفة يمكن للوعي أن يتناول بها شيئاً واحداً.
فاللوحة هنا ضمن إطارها البسيط تحتاج الكثير من البحث في الشكل والمضمون لنشر معارف الفنان الفنية والجمالية والفلسفية.. فيحاول الفنان اقتناص لحظات إنسانيه يتفاعل فيها الجسد مع بعدهِ الرمزي بأطرافه الممتدة وبظلاله الساقطة على فضاءه البصري وتحمل هذه الظلال بعدين:
1- بعد مادي , وهو الجسد أو الإنسان.
2- بعد مجرد , وهو الذات الإنسانية.
فمن خلف أبطال لوحته تتسلل ظلال لشخصيات مجهولة تأخذنا إلى أبعاد أخرى من التأمل والتفكر فيتحرك الظل ويكبر ويصغر وكأنه كائن حي ليعطي العمل بعدا خياليا وتأثير درامي ومؤثر بصري جمالي, وهو يمثل الانعكاس وما يترتب عليه من رؤى كالتضاعف أو ما يتركه الإنسان من أثر عند الآخرين ورمز للنجاة وللغموض والمجهول فالظل له حضور دائم مجاور للإنسان إلا أن ظلاله هنا أتت لشخصيات افتراضية لا نعرف شخصياتها الحقيقية, فالظل يشكل الصورة الخارجية للإنسان التي يحاول تغييرها باستمرار, فيمارس الفنان لعبة الظل لمفردات متنوعة وأكف تمتد في مجرى شعاع الضوء لتصنع ظلالا أوجدها بخطوط لينة أكثر طواعية للتحكم في الشكل الخارجي للجسم البشري مع اهتمامه بعملية البناء للشكل الخارجي لبعض العناصر فاليد التي نراها تتكرر فهي هنا ليست عضو مساهم في إنتاج العمل فحسب بل جعلها جزء منه وأداة للإبداع والتعبير فترسم ما يحيط بها من عناصر وتنسج خلفها أشكال الحروف المكتوبة والتي يجد فيها مادة حية تمنح لوحته جانباً روحياً وحركياً فالحروف تمثل لغة الإنسان والتي يعبر من خلالها عن فهمه الذاتي للأشياء, يذهب كروتشه بأن (اللغة وسيط يتم من خلالها التعبير عن الذات) فيصنع لنا منها جملا تعبيرية ترتديها مساحاته لتتحول إلى سجادة منسوجة بإتقان..
إن تعاقب ظهور الشخوص والمفردات أعطى اللوحة جاذبية وقوى تخيلية وعلاقات جدلية جميلة بين عناصره ومفرداته التي تخلق أجواء درامية وحركة شكلية ولونية ملموسة لكل من يتأملها.
 

  •  

  •  

  • جموح المخيلة الإنسانية وتعدد القيم البصرية في أعمال فهد خليف
    قراءة : فوزيه بخيت الصاعدي

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

22/05/2013

تشكيل الحياة