•  

  •  

  • توجد إختلافات متباينة حول تعريف الفنان ، فبينما يراه البعض أنّه باحث ومجرّب بالأساس يراه الآخرون أنّه مرآة لواقع المجتمع و قضاياه، إلا أن الجميع قد يتّفق على أنّه في حالة مخاض دائمة ، يولّد الأفكار و ينفذها بما أوتي من إمكانيات و ليكون معاصرا يكون ملزما بمواكبة التحولات التي تطرأ على المشهد الفني المحلي و العالمي و عدم التقوقع على نفسه، و بذلك ففنان اليوم أجتماعيّ بطبعه. و بعيدا عن الأروقة و المتاحف لا يزال الفنان يبحث عن إنزال الفن من عليائه و قدسيته التي زاولته طوال القرن المنقضي.


  • وعند حديثنا عن المشهد التشكيلي التونسي يروق لنا التركيز على الجهد الملحوظ الذي تقوم به ثلة من الفنانين اللذين راهنوا على الفن المعاصر و أصروا على جعل فنّهم فنّا اجتماعيّا يتدخّل في قضايا المجتمع و شواغل العامة و جعل الفن يولي الأهمية للحياة اليومية البسيطة ليصبح واقعا متعايشا يمارس في الساحات العامة و الأماكن العمومية فيتنقل الفن حيث المتفرّج العابر فيكون أكثر واقعيّة و أكثر تلقائيّة ليلعب الإرتجال دور الرّيادة في عمل يبدأه فنان ويواصله العامة بمشاركتهم التي تصل إلى حد المشاركة بالجسد .
    صار اليوم فن الشارع الذي تبلورت معالمه مع ظهور الفن المعاصر، يباغت الشارع التونسي بعروض قياسية ينجزها فنانون تونسيون راهنوا على كسر الحدود بين الفنون والفن و الحياة الواقعية و من هذا المنطلق بدأت تتبلور معالم الفن المعاصر في تونس منذ عقدين تقريبا ليصبح فنا يحضى باهتمامات النقاد و يستدرج العديد من الفنانين.
    تستوقفنا في هذا الإطار تجربة "حافظ الجديدي" الذي جمع في نشاطه الفني العديد من الأجناس الفنية و يلحظ المتتبع لتجربته توجهه في السنوات الأخيرة إلى فن الشارع من خلال العديد من العروض القياسية من بينها "بشر من طين I" و"بشر من طين II" و"بشر من طينIII"، و إن كانت العروض الثلاثة متشابهة من حيث توظيف الجسد الحي واستعمال مادة الطّين ، فإنّها تختلف من حيث الإخراج و الفضاء و الزمن.
    اتّسم العرض القياسي "بشر من طينI " الذي انجز سنة 2008 بوقفة تفكّر وجودي وكان ولادة كائنات طينية تخرج للعامة و تمشي متثاقلة في طريقها نحو شاطئ "بو جعفر" بسوسة و على دقات الطبول تدخل البحر لتخرج في هيئة بشرية بلباس مدني، وقد حظرت في هذا العرض القياسي الرمزية حيث يعود الإنسان إلى طبيعة خلقه ليعانق ضوضاء المدينة.
    تتواصل رحلة البشر الطينيون ليخرجوا في سنة 2011 في شارع الحبيب بورقيبة بتونس العاصمة ليلا، وفي شارع مزدحم بالمارة سار الطينيون مع المارة على إيقاع الطبل حاملين في أيديهم قفافا و يتقدمهم قائدهم حاملا مضلة سوداء، وبالرغم من أن العرض غلبت عليه التلقائية و الإرتجال، فقد غلب عليه تصوّر نقدي إجتماعي خاصة و أن العرض جاء بعد الثورة الشعبية في تونس وفي وضع إجتماعي متوتر فكان العرض ذو علاقة بواقع العامة و يسجّل واقعا يوميا في طابع تمثيلي فني.
    تعاودنا إطلالة الطّينيين في 14 جانفي 2012 في حلّة ثوريّة و سمّي العرض ب"ثورة بشر من طين" ليسجّلوا صورا من الثورة التونسية فترى رجلا طينيّا يجرّ عربة إعتاد التونسيون على تسميتها ب"الكريطة" عليها رجل يتلمس جثة و راءها ثلة من الطينيين يرفعون أيقونات رمزية لعدسة تصوير و كتاب و قلم بالإضافة إلى أيقونات المواقع الاجتماعية الإلكترونية، ليسير الركب من أمام شاطئ بو جعفر و يجوب الشارع ويصل للمدينة العتيقة حيث دخل الطينيون خلوة ليخرجوا بأياد زرقاء كإشارة للحدث الذي شغل الشارع التونسي وهو الإنتخابات في شكل نقدي و في طابع فني تمثيلي.
    في هذا العروض القياسية تحوّل الشّارع إلى فضاء فنّي يسكنه بشر من طين و مارّة شدّهم الذّهول ممّا يشاهدونه، و دفعهم الفضول للالتفاف حول المؤدّين و التساؤل عما يرونه و يسمعونه. اختلط المؤدّون بالمارة فاختلط الفضاء الواقعي بالفضاء الفني و لعبت الحركات التي يؤدّونها دورا هاما في كسر حدود الفضاء ليتوقّف الزمن الواقعي و يبدأ الزمن الفنّي، وهو عبارة عن احتفال بالإنسان الطّيني.
    في خضمّ هذه العروض اختلط المتفرّجون بالمؤدّين فأعطى العرض القياسي الفضاء الواقعي صبغته التّمثيليّة المسرحية ليصبح الشارع فضاء واقعيا و تمثيليا في آن واحد ويكون المؤدّون مصدرا لفرجة حيّة وتنبثق بين الفنّان و المتفرّج علاقة جسديّة فتغيب الفرجة المركزيّة كما عهدها الفن التقليدي في الفضاء المشهدي وتحضر المشاركة الجماعية ما بين المؤدّي و المتفرّج ، فيتسايران في الشّارع يعانقان ضوضاء المدينة بازدحامها و سيّاراتها و ضجيجها، هنا والآن يدور العرض ولا شيء يخفى عن المتفرّجين فيحضر الارتجال و عنصر المفاجأة و للمتفرّج آنذاك أن يعبّر عمّا يختلج في اعماقه تعبيرا مباشرا تلقائيّا فله أن يركض وله أن يصيح و له أن يلامس المؤدّين و كلّ شيء يجوز في هذه العروض التي جمعت بين التّمثيلي و الواقعي في آن واحد.
    ضربت العروض الثلاثة أفق انتظار المتفرّج و خرج عن المتوقّع حيث تحوّل من عابر سبيل إلى مساهم في أطوار العرض و مشاركا فيها ذهنيّا و جسديّا ليعيش طفرة من الأحاسيس في وقت وجيز لا يتعدّى السّاعة و النّصف، فيغوص في مغامرة جديدة لم يألفها.
    للطّين علاقة حميميّة مع الإنسان حيث أن الديانات السّماوية أكّدت على أنّ الإنسان أصله من طين فجاء في القرآن الكريم " إذ قال ربّك للملائكة إنّي خالق بشرا من طين فإذا سوّيته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" (سورة ص) و يذكر أن المسيح كان يضع الطين السائل على وجه الأعمى يعيده مبصرا، ومنذ القدم كان الطين همزة الوصل بين الإنسان و طبيعته فصنع دمى الطّين و صيّرها آلهة تقيه جبروت العواصف والمطر والحيوانات المفترسة، وحتى الفراعنة وجدوا في الطّين مكوّنا لخلطة المومياء، وفي تاريخ ليس ببعيد منّا كتب كولمبس في رسائله عن السكان الأصليين لأمريكا: نحن في أوربا لنا وجه واحد و بمشاعر عديدة ولكني وجدت أولائك البدائيين لهم وجهان، واحد مثل وجوهنا و له نفس ما لنا من مشاعر و آخر عبارة عن قناع من الطّين و له مشاعر لا تحصى.
    في العروض القياسية "بشر من طين" Iو IIو III يحيلنا الموضوع إلى بداية الخلق فكأنّ المؤدّين كائنات بشريّة أخذت من هيئتها نشأتها الأولى و خرجت من الصلصال لتعانق جسد الإنسان المتمدّن الذي كست لحمه الثياب فاتّحدت صورة الخلق بصورة الحياة في صخبها و ضجيجها.
    و كانت هذه العروض القياسية أشبه بالطّقوس الاحتفالية و كان الشّارع فضاء اللّعب حيث مثّل فرجة عفويّة في فضاء عمومي و كوّن علاقة بين الفضاء الحي وفضاء التّمثيل وبين الواقع والتّمثيل وبين الفنّان والمتفرّج. وهي عروض زائلة تركت أثرها في المتفرّجين و لعب فيها الارتجال دورا هامّا واكتست بالتّلقائيّة و العفويّة سواء في حركات المؤدّين أو في تدخّلات المتفرّجين، كما مثّلت علاقة الجسد مع المادّة وهي الطّين السّائل الذي يتميّز باللّيونة و يسهل تطويعه مما يعطي الفنّان أكثر حريّة و يغطّي الجسد بطبقة غير سميكة تحافظ على الشّكل و نتوءات الجسد فيأخذ هيأة مغايرة للمألوف ليصير جسدا آخر يتّصل اتّصالا مباشرا بأجساد المتفرّجين ويضمن التّبادل الملموس بدون حدود مكانيّة أو زمنيّة. ويحتلّ بذلك جسد الفنّان الفضاء العام و يجعله فضاء خاصا. وهذه قامت هذه العروض على التّعبير الحركي الذي لم يخل من الارتجال مما يذكّرنا بما نادى به "أرتو" في مسرح القسوة و غيره من المنظّرين للمسرح المعاصر بضرورة تحرير الجسد و الكشف عن الجانب الإنساني فيه وجعله محور الفرجة. فتحرّر الجسد من الأسوار ليعانق الشّارع برحابته في لقاء مباشر مع المتفرّجين بغير سابق إنذار كاسرا قيود الفرجة التقليدية. فيصبح جسد المؤدّي هو المحور الذي يفجّر لغة حركيّة يغيب فيها النّص، ويكون الجسد هو باعث الرّسالة وما على المتفرّج إلا فكّ رموزها و فهمها.

  •  

  •  

  • ثورة بشر من طين
    محمد الفارس
    محمد الفارس: باحث في الفنون التشكيلية بصدد إعداد أطروحة دكتوراه حول الفرجوي في الفن التشكيلي التونسي المعاصر بأشراف الدكتور محمد عبازة

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

27/07/2013

تشكيل الحياة