Wang Shimin After Wang Wei's Snow Over Rivers and Mountains
Kelvin Okafor
michelangelo
Willow Charcoal
Pater Harrison, watercolor c.1905
Goya. Self Portrait Wash Drawing
 
 
  •  

  •  

  • هي النوايا رغبة تتأجج لتحويل الفكر إلى واقع ملموس. فالفنان أو المبدع الذي يمتلك تصوراً شبه متكامل عن الصورة الكاملة التي يسعى إلى تكوينها، يكون قد أنجز الجزء الأهم من مشروعه الفني، لكن هذا المشروع الفني الذي لم يزل في طور الغموض أو المتخيل سيبدو في هذه المرحلة بالذات عرضة للعديد من التغييرات. بل هو عرضة للإلغاء الكلي إذا أردنا أن نتبحر أكثر بالمسافة الكامنة بين النية والفعل. لهذا سندرك تلقائياً أن الفن سواء أكان رسماً أم نحتاً أم تصحيحاً هو بلورة تنفيذية لنوايا بعضها كان ضبابياً خالياً تماماً من أية تفاصيل، وبعضها القليل كان يحفل بتفاصيل عامة.


وهنا سندرك بالمقابل، بأن الفعل التنفيذي للفن معناه إضافة التفاصيل على المحتوى العام للشكل، فأنت حين تقرر أن ترسم شجرة في هذا الحيز من المنظر، لم تكن قد قررت نوع هذه الشجرة أصلاً. كانت الشجرة نية تمتلك من العمومية واللاتفصيلية الشيء الكثير، لكن مع بدء التنفيذ سوف تختار ما بين شجرة السرو أو الصنوبر أو التفاح أو أية شجرة أخرى. سوف تنفذ خبرتك في التفصيل الشجري، وهنا يسقط الكثير من رسامي المناظر. حين تراه يرسم شجرة جذعها صنوبري وورقها يشبه ورق شجرة الخوخ، بل حتى تفرعات الأغصان سوف تختلف كلياً بين شجرة وأخرى.

هناك بعض المحترفات المختصة برسامي (البيزاج) أي “المناظر” يعلمون أولاً: أنواع أوراق الشجر وطريقة رسمها، ثم يعلمون أنواع الجذوع، إضافة إلى التقرعات الغصنية. هنا عند التنفيذ تبدأ التفاصيل التي تحدد مستوى الفنان ومستوى العمل.

ولكن الأكثر أهمية ستبقى قضية التلوين. إذ يعمد الكثير من الرسامين إلى استعمال الألوان بشكل اصطلاحي، علماً أن الطبيعة هي أخطر وأهم مختبر لوني متناسق. إنها مدرسة ألوان حقيقية تمنح الفنان دروسا بالغة الثراء في مجرى التعرف إلى حقيقة الألوان. وهي حقيقة متغيرة وغير ثابتة على الإطلاق. إنها عرضة للتبدلات الضوئية. لأن اللون هو تفاعل بين ماهيته والنور الساقط. لذلك عمد الانطباعيون إلى تحويل الألوان إلى ما يشبه الساعة الزمانية. كان “كلود مونيه” قد رسم إحدى الكنائس على مدى ساعات النهار، فقدم ألواناً شتى لموضوع واحد. وكذلك فعل الفنان روسو الذي كان يرسم بشكل فطري عوالمه. إذ تشير إحدى أهم لوحاته التي رسم فيها نفسه وسط غابة افتراضية يتعانق فيها الأسد والغزال وتتعمشق الورود على ارتفاع قامته، إلى نوع جديد من الألوان لا علاقة له بروح المنظر، بل هي مستجدة من فكرة الموضوع. انها أفكار أكثر مما هي ألوان. وهنا يجب أن نتنبه جيداً إلى البعد الفكري لحالة الرسم حين تصير اللوحة فكرة خاضعة للتفاصيل من جهة ومغايرة للواقع من جهة أخرى.

في مقال مهم نشر في مجلة الأدب السوفييتي عدد رقم 233 سنة 1978 بقلم الأكاديمي السوفييتي (غورمان بالوف)، يركز هذا الباحث على العلاقة العامة اللاتفصيلية بين التخطيط واللوحة المتكاملة الألوان. حيث يجد ان أي عمل خطي زيحي هو عبارة عن نوايا شاملة وعامة، تحتاج إلى العديد من الإضافات التي تحاكي العالم الخارجي، على افتراض أن أي عمل فني مهما كان هو محاكاة جزئية أو كلية للخارج. لذلك ينبهنا هذا الباحث إلى قضية طالما غابت عن أذهان النقاد والفنانين معاً. هي مسألة تفصيل التفاصيل. أنه يرى في جزئيات العمل كشفاً لذاكرة الفنان. لأن الفنان المعاصر لم يعد فنان عين لاقطة، بل ذاكرة ذات مخزون ثري.

وعند أساتذة التخطيط الكبار أمثال “هازل هاريسون”، نرى أن درس ال “Drawing” أي الرسم التخطيطي أو الزيحي ليس درساً جانبياً. بل هو الأصعب. لأنه يقرر أولاً وأخيراً أن التخطيط الزيحي ليس سهلاً لأنك تبدأ باحتواء العالم بالقلم ذي اللون الأحادي. ولهذا ينصح هذا الأستاذ القدير أن تبقى ولأكبر فترة تمرينية ممكنة ترسم بالأقلام الملونة أشكالك الخارجية ومناظرك. لأنك عبر هذه الأقلام سوف تتعلم أمرين أساسيين هما؛ تدوين التفاصيل رسماً، وجمع العناصر الزيحية الملونة مع بعضها، ومن ثم ترك مهمة المزج والتداخل للعين المشاهدة.

يأخذنا هذا الأستاذ مثلاً صوب التداعي الحر للأقلام الملونة حيث يدفع بالمتعلم لأن يرسم أشكالاً جامدة عديدة على مسطح واحد، وضمن مساحة محددة، بحيث أنك تمنع كل شكل لوناً خاصاً به شرط أن يكون مستمداً من القلم الذي تخطط به، وفي المحصلة النهائية سوف تمتلك مساحة مدهشة من العناصر التكوينية. إنها مجرد مقدمة لرسم الحياة الساكنة التي لا بد وأن ترسمها أولاً زيحياً.

إن الأسود على الأبيض هو في الحقيقة أبيض على أسود أيضاً. إنهما لونان أحاديان يتفاعلان تلقائياً حين يتحول الأبيض إلى ضوء والأسود إلى عتمة، لكن قيمة الأبيض هي منح الأسود قوته التأليفية المذهلة. فهذا البناء التناقضي المتصادم بين القوتين الأساسيتين في اللون هو المدخل الأول لجميع العمليات التضادية في كافة الألوان، فكل لون له لونه (المجندة) الأصلي الأساسي وألوانه المكملة. إنها تضاء بعد ألوان تمنحها خاصية النور أو تفقدها هذه الخاصية، وليس صحيحاً أن اللون الأبيض وحده هو اللون المكمل أو المضيء لكافة الألوان فالأخضر مثلاً هو لون هجين مستمد من لونين أزرق وأصفر، نراه يضاء بالأصفر ويزداد قتامة بالأزرق.

لقد كان التخطيط الأساسي بادئ الأمر بالفحم، ثم بالفحم المستحضر خصيصاً للاسم Charcoal ثم بالأقلام Pencils ولكن حتى في عصور النهضة كان التخطيط يتم بالريشة المجهزة Quill Pen وبمادة الحبر Ink حتى تم تصنيع أنواع (الريش) التي يسمونها ال Scalpel.

لكن مدرسة “الباوهاوس” ابتكرت بالمقابل أسلوباً فذاً حين استعملت الفحم الذي أسموه Willow Charcoal بشكل مكثف على المسطح الورقي، ثم بدأوا بواسطة المسح بالممحاة الخاصة واسم الشكل المطلوب. وهنا تشاهد عملية رسم معاكس تسمى الرسم بالمحو أو بالإلقاء.

لقد عمت هذه الطريقة حتى على مستوى الألوان المائية بدرجتها (الأكواريلية)، إذ يعمد الرسام هنا إلى تلوين المساحة بلون أحادي مع تأكيد التفاصيل، لكنه يبدأ بعد ذلك وبواسطة الماء والفرشاة المغمسة بالماء النقي إلى تخفيف الألوان في بعض المناطق، ثم تقويتها بمناطق أخرى، وبين اللون القوي واللون الخفيف يتكون المنظر المائي الأحادي اللون.

إن طريقة Ink and wash أي حبّر واغسل هي طريقة فعالة في الحصول على خلفية عامة للشكل أو للمنظر، ولكن أهميتها تكمن في كيفية الحصول على نتائج نظيفة.

إن مزج الألوان الزيتية الباستيلية أي أقلام الباستيل الزيتي هو عملية تقنية دقيقة تحتاج إلى رشاقة وطاقة، ولكن حيث نتقنها جيداً سوف نحصل على عمل متكامل وقوي، لكن يجب أن يسبق التلوين هنا تخطيط جيد ومتكامل للون.

يعتقد العديد من الفنانين والنقاد أنه أكثر المناظر شيوعاً إنما هي تلك التي ترسم بالألوان المائية، ومنبع هذا الاعتقاد هو وجود تقاليد قديمة لرسم المنظر بالألوان المائية، لكن الألوان الزيتية هي التي كللت الزمن الانطباعي برمته. وكبار فناني “البيزاج” أي “المنظر” في العالم إنما رسموا بالألوان الزيتية، مع ذلك فإن نكهة الألوان المائية، بقيت على مستوى ذوقي رفيع.

إن ما يحتاجه الرسام المائي هو التمهيد التقني لمسطحه أولاً، فعلى الورق أن يكون من النوع القطني “الكونسوم” لأنه يمتلك قابلية جيدة للامتصاص والارتداد التألفي للألوان، ثم إن الورقة لا بد وأن تثبت من حدودها الأربعة على مسطح مسندي أكبر وبعد ذلك تمسح بالماء النقي وتترك لكي تجف. نبدأ بالرسم المائي الخفيف للمساحة برمتها وبعد ذلك تدخل التفاصيل اللونية وفقاً لمقررات المنظر.

إن تناولنا للألوان (الأكواريل) من خلال إذابة القرص بالفرشاة المبللة بالماء يجب أن يتبعه وضع اللون المأخوذ على مساحة خلط وتحريكه جيداً أو ربما خلطه بألوان أخرى قبل وضعه ضمن بناء المنظر أو الشكل، وعلينا أن ندرك بأن اللون المائي إذا ما وضع إلى جانبه لون مائي آخر فإن تداخل اللونين سوف يخلق حدوداً من لون ثالث، لذلك ينصح الخبراء بضرورة ترك الفراغ الأبيض لكي تضاء الألوان.

إن الألوان المائية بدرجة “الأكواريل” هي ألوان شاعرية، والرسام هنا هو فنان يطرز برهافة وحساسية أشكاله. لذلك يستطيع أن يطلع بنتائج شاعرية وتقنية رفيعة المستوى لكن شريطة التأني والصبر.

إن الألوان المائية لم تقتصر على الأكواريل طبعاً بل هي متنوعة ومتعددة أصلاً تبدأ من “التامبرا” وتتطور إلى الأكريلك والغواش وكل الألوان التي تذاب بالماء، لكن التقنيات الحديثة تقدم لنا أيضاً اليوم ألواناً زيتية تذاب بالماء. وهي ألوان ذات كثافة تصل إلى مستوى الأكريلك.

إن تقنيات الألوان لا تعد ولا تحصى والفنان يشتغل اليوم على تقنية الألوان المتنوعة الممزوجة. وهي تقنية تكاد تعم العالم برمته، إضافة إلى أن أساليب التلوين تنوعت ودخلت تقنيات الرذاذ اللوني إضافة إلى ألوان الكوداك التصويرية وغيرها.

ولكن ما يجب أن ندركه هنا هو أن التلوين عملية تنفيذية قصدية للأفكار. وانتقال باللوحة من طور الفكرة إلى طور التنفيذ أي من “النية” إلى الفعل. ولهذا نرى أن الرسام أو الفنان الحقيقي هو ذلك الذي ينجح في رفع مستوى الفعل إلى مستوى النوايا، أي أن ينفذ كافة الأفكار بدقة وبراعة وعقل يحتوي ويحتفظ بالتفاصيل الدقيقة.

  •  

  •  

  • حين تتحول الأفكار إلى صور
    الرسم بين الرغبة والتنفيذ
    عمران القيسي
    دار الخليج

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

09/06/2013

تشكيل الحياة