بدون عنوان: خزف
بدون عنوان/ خزف
 
مجموعة من الصحون
عمل مركب
 

صورة لمعلم" سيدي قاسم الجليزي"
من الناحية الجغرافية تقع الزاوية غرب مدينة تونس وهي تحاذي ساحة"الغنم"و التي تعرف اليوم باسم "معقل الزعيم" ولقد تم إنشاء هذه الزاوية فوق ربوة تطل من الناحية الشمالية على قصبة المدينة.
أما من الناحية التاريخية فالزاوية مرتبطة بشخص "سيدي قاسم الجليزي" و من المعلوم أن للاسم علاقة بالحرفة التي اشتهر بها ألا وهي الجليز "القشاني". والرائج أن شخصيتنا أتى افريقية من الأندلس أين تعلم مهنة الفخار، وأتقن كافة خصائصها وقد ادخل معه تقنية جديدة تعرف بـ"الكويرداسيكا" أو ما يعرف ب "الفواصل الجافة".وقد تم دفنه بعد موته سنة902 هـ الموافق لـ1496م داخل الزاوية كما توضح النقيشة التي أضيفت بعد وفاته و التي تتموضع على الجدار الشمالي من تحت القبة,و تكشف لنا هذه النقيشة هوية الشخصية فهي تمدنا بالاسم الكامل لهذا الولي الصالح و بموطنه الأصلي ,فهو أبو الفضل قاسم احمد الصدفي الفاسي،
الزاوية أصبحت معلما اثريا وفضاء يجتمع فيه وتتناغم ثلاث مفردات، زاوية سيدي قاسم الجليزي، متحف الخزف،
والمركز الوطني للخزف الفني الذي مر على إحداثه خمسة عشر سنة .

 
 
 
  • لعل تجربة الفنان" خالد بن سليمان " تعد واحدة من بين أهـــم و أعرق التجـــارب الفنية في مـــجال الخزف في تونس،  بل لعلها الأكثر تأصلا و تميّزا في المجال عينه، كيف لا و هو الذي بحث في أصالة الموروث و لازال يبحث فيه سواء أن كان محليّا إسلاميّا أو حتى عالميّا عن ما يمكن أن يحقق فرادة تجربته و تميّز فعله التشكيلي من خلال تبني رؤية  فلسفيّة خاصة  تتجاذبها إشكالية الأصالة والمعاصرة،  فتستقيم الأعمال الفنية كنتاج لصراع الخزاف مع عجينته الطينيّة وداخل هذا الصراع الفكري والحسيّ تبرز خصوصية المبدع التعبيرية  في إطار نظرة استيتقية ذاتية تنطلق في تشكلّها من "تفكير اليدين"، حيث تتصارع  المادة بين أنامل هذا الخزاف لكن سرعان ما يطوّعها وفق رغباته الحسية والذهنية على حد السواء.

إذ ينطلق هذا الفنان في منجزاته الخزفية من مخزون ذاكرته التي نهلت من روح الموروث باعتباره الرمز المادي- الحسيّ والمعنوي والذي ارتبطت به تجربته الوجودية أولا ثم  كان الملهم لتجربته الفنية  ثانيا، وكما يقر الدكتور الحبيب بيدة "[1]يمكن اعتبار التعامل مع الحوامل التراثية تحوّلا معرفيا في مجال البحث عن شخصية متميزة" فتعامل خالد بن سليمان مع هذا الموروث إنما يعكس وعي هذا الفنان بقيمته الجماليــة، الروحيّــــة، الفكرية وحتى الفلسفية خاصة بعد اطلاعــه و تشبّعه بالتقاليد العريقة للخزافين اليبانيين، حيث اكتشف معهم التبعات الروحية للفعل الإبداعي" وتعلّم كيف يحيا الانجاز الفني كمجاهدة و تدرّج صوفي، وكيف يعي ما يتضمنه فن الخزف من معاني بالنسبة لروح شعب من الشعوب"[2].

    ويبدو أن هذا التلاقح الفكري والوجداني هو ما دفعه إلى فهم هذا الفن في إطار الحضارة العربية الإسلامية، والتي أحلّت فنون النار مكانة سامية وأكرمت الخزافين أيّما إكرام، ولعل هذا أيضا  ما دفعه إلى النضال من أجل رد الاعتبار لتقاليد الخزف في البلاد التونسية والى جعلها تكتسب المكانة التي تستحقها من خلال التجذّر والانصهار في  ثقافة حضارتها الإسلامية.

إذ  أن تعامل "خالد بن سليمان" مع "الحوامل التراثية" باعتبارها أشكالا عادية متداولــة إنما يعكس رؤيته في الارتقاء بها إلى مستوى العمل الفني دونما  تجاوز تجلياتها الشكلانيّة البسيطة، وبالتالي لم يبحث  هذا الفنان عن التجديد الشكلي إيمانا بجماليتها الضاربة في أعماق التاريخ والقادرة على التجلي وفق خصوصيتها الطبيعية، بل سعى هذا الفنان إلى تأمّل بعض النماذج الفخـاريّة الموغرة في القدم، تأملا يستعيد فيه تلك الحركة العريقة لصانع الفخار ويكـــرر النموذج المتداول والأزلي لقدح أو فنجان أو طبق...هوّ يبتدع الشكل بتحوير مظهره بواسـطة "خيمياء الميناء" وسحر العلامات.

     حيث يتناول الفنان الشكــل العادي المتداول ليرتقي بـه إلى مرتبــــة العمل الفني، فهذا الشكل باعتبــاره رمز الموروث يتحول إلى همزة وصل بين الفنان وخاماته بحثا وتأملا، وفي هذا السيـــاق يقول خالد بــن سليمان" إن اختيار الخامات من طرف الفنان التشكيلي، ليست عملية نهائية في حد ذاتها، فاختيار خامات جديدة يجعل عمل الفنان أكثر عمقا و شمولا.وعندما أتحدث عن الفنان، فاني أعنــي بذلك الباحث المبدع في المستويين التقني و الجمالي"[3] ، فالاهتمام بالتقنية و البحث في تركيبـــات "الميناء" هو أفضل ما تعلمــــه الفنان في مدرسة "مسانا" ببرشلونة.

    ولعل النظر في أعمال هذا الفنان يكشف توحّـدها فـي مستوى المرجعية وفي مستوى الدلالة، فهي بقدر ما تعود بنا في شكلها إلى مخزون الذاكــرة التراثيــة بقدر ما نتأمل فيها بعدا روحيا تعكس قدرة ذلك "الخيميائي" الماهر في تحويل الطين المتواضع إلى أشياء تتضـمن زخما روحيا، فلسفيا، صوفيا...مثل تلك الأقداح ذات البياض العـــــــاجي و الحاملة للمسات عريضة سوداء، بل لعل الفعل التشكيلي لديه وان ازدوج بين الرّسـم والخزف، فان الواحد في خدمة الآخر، بل هو الخزاف الرسام...أو هو ذاك الفنان الشامل..

    كما يبدو أن اسم الجلالة لدى هذا الفنان يتوّحد مع نسـق الذكر المتواتر ويفيض على الحيــــز المزدوج الأبعاد للرسوم ليغطي مساحات الأواني، هذا النسق المتسارع  يذكرنا بإيقاع  الذكر في حلقات المتصوفيّن، بل لعله كذاك حيث يبدو تأثر الفنان في هذا السياق مستمد من تواصله مع فضاء زاويـــة "سيدي قاسم الجليزي" باعتبار أن هذا الأخير كان متصوفا، تأثرا يضرب من المعاني الكثير من خلال تواصل العديد من أعماله الخزفية مع روح الفضاء مبنى و معنى، وكأن فعل التشكيل لديه يجد في هندسة الفضاء المعماري ما يطعم مادة الطين في احتواءها لهواجس مخيلته و ما يجعل من أفكاره قابلة للتشّكل وفق أملاءات الذات الحسية والذهنية...فالخزاف في هذا السياق يعطي أعماله الفنية نفسا صوفيّا يستدرك القيمة الوجدانية  والروحية للمكان،  ويؤكد ارتباط الذات المبدعة بثقافتها في شتى معانيها، إذ أن تأثره بالفضاء سرعان ما يكتسب دلالة حسية في شكل العمل وفي مضمونه المشبع علامات بصرية تساير إيقاع الفضاء.

كما أن منظومة العلامات لدى "خالد بن سليمان" تتسع لتشمل الكتابة المرسومــــة بأحرف غليظة لأسمـــاء العناصر الأربعة على الأطباق و الصّحون الصغيرة والمسلات الاسطوانية التي ما تلبث أن تحمل أيضا اسم الجلالة "هو"، ولعل في هذه العلامات تعبير عن حالة من التوحدّ بين مخيلة الخزاف الإبداعية وبين روح الذاكرة الجماعيّة  "إذ أن ما يعبر عنه الفنان في الواقع هو اللاوعي أي المعنى في شكل ما . أن يبلور شعوره بالإنسانية مما يصنع، أن يربط عمله بقيم عصره بخيوط دقيقة لا تر ى بالبصر بل بالبصيرة"[4].

    فهذا الارتباط بقيم عصره  يتدّعم في كافة أعماله شكلا و مضمونا بل وحتــــى مع ظهـــور المسلات الأفقية التي ليست في الواقع سوى أجداث تجسم تأملا غريبا في الموت ، فهي تدفع بعمل الفنان قدما على طريق الغيبيات ، وقد أصبح هذا الطريق دون منازع عنوانا لكافة أعماله في شتى ضروبــــها وألوانها، بل هي شواهد روحيــة تبلغ الذروة مع "الانشاءة" المــنجزة تحية "لسيدي قاسم الجلـــــيزي"، "شيخ الخزافين"...اعترافا له وتوحّدا مع روح تجربته، بل تأصلا في التراث شكلا ومضمونــا...فهذا التـــأصل سرعان ما يتحول إلى  ما يتحول إلى قصدية تبنتها الذات  من أجل أن تغوص إلى خزّان القوى الخلاقة  التي خلقت القديم و فجرت الأشياء الجديدة التي لا تشبه الأشكال القديمة في الظاهر ولكنها تتواصل معها، بمعنى أنها وليدة الذات الخلاقة، ذاتها التي أعطت التراث و تعطي اليوم ما يغني هذا التراث و لا يرده"[5].

هكذا هو الفعل التشكيلي في تجربة الخزاف خالد بن سليمان، فعل تأصل و إبداع يحاكي روح الموروث في حركة تعبّر عن قداسة مخزون  ذلك الماضي الذي يأبى  أن يكون إلا محركا في العملية الإنشائية لأعماله الفنية، ولكن سرعان ما يساير هذا الفعل خطوات غاياته القصوى حينما يبحث عن معنى الارتقاء من خلال تشريف المادة، مادة الطين ، بجعلها مادة تسمو الى عالم الروح بل إلى عالم نوراني يستمد نوره من الالاه الواحد، وما اعتماد هذا الخزاف على الألوان الترابية  تارة واللون الأزرق طورا أخر إلا دليلا قاطعا بحث من خلالهما الفنان عن ذلك النور الالاهي الذي يفيض من رحم الخامة ، كما أن هذه الألوان سرعان ما يشحنها الخزاف بكتلة من هواجسه الذاتيّة  تنطلق من حنين ذاكرته  إلى المكان،  لتستمر في المادة شوقا ينبعث من عجينة الطين، وبين هذا وذلك يرتوي المبدع من رمزية الفضاء الأسطوري الذي يظل يسكن روحه ومخيلته في امتداد تاريخي   لفعل الانتماء ، انتماء وجداني لفضاء"سيدي قاسم الجليزي" بل سرعان ما يتدعّم ليستقيم كانتماء فكري، فني وروحي ( تصوفّي) ... ليرحل في الأخير المنجز الخزفي نحو فضاء الإبداع وليبقى في الأخير عنوانا للامتداد والتواصل....

  • خالد بن سليمان: رحلة فن النار بين الأصالة والمعاصرة...تجربة متفردة في التشكيل التونسي
    نجاح الدنقير:باحثة من تونس


 

[1] - مأخوذ من مقال صادر في جريدة الصحافة 25 أفريل1989، لد.حبيب بيدة

[2] - مأخوذ من كاتلوق لخالد بن سليمان،لعلي اللواتي، المركز الثقافي الدولي بالحمامات، مارس1996

[3] - مأخوذ من نشريّة المعرض السنوي للفن التونسي المعاصر، مركز الفن الحي لمدينة تونس، ديسمبر1985

 [4]-  مأخوذ من" الحرية في الفن" لشاكر حسن آل سعيد ، ص 43

[5] -  مأخوذ من "الفنان في العالم العربي بين الحداثة و التراث"لحليم حرداق، ص118

 

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

13/08/2013

تشكيل الحياة