•  

  •  

  • تشكيل الحركة والفعل بواسطة المادة الجامدة (حجرا كان أو رخاما أو خشبا أومعدنا....) ليس بالأمر الهين ولا بالأمر السهل، وليس في متناول غير النحات المتمكن من المادة العاشق لها، المنصهر داخل مكوناتها، السابر لأغوارها. حتى تكون علاقة الحب بينهما فالمناجاة فالمعاشرة و من ثم ولادة العمل.


لكن كيف لمواد وخامات أهملت وبعثرت هنا وهناك وعبث بها الانسان والطبيعة وغدا مصيرها المزابل واحتوتها الأرض وغصت بها، بعد أن لفظها الانسان عندما انتهت صلوحيتها وحاجته لها. كيف لها أن "تحيا من جديد"، ان تصبح أعمالا فنية تنبض حياة وحركة، تؤنس كل المقومات الجمالية والفنية والتشكيلية؟


"أركيولوجيا فنية" هذه هي التسمية التي أطلقها محسن الجليطي على أعماله النحتية، لكننا نقول إنها:"أركيولوجيا مادوية تشكيلية مشكلة"، أجل هذا ما يمكن اطلاقه على أعمال الجليطي، على فعله وتفاعله مع المواد المجمعة من هنا وهناك (حديد، ومعد، ونحاس، وبلاستيك, وقطع زجاجية، وكوابل، وأسلاك، وسكاكين، وفراشيت،ودواليب، وبولونات، وقوارير غاز، وقضبان, وغير ذلك كثير).


هو يستبطن الجميل من الخردة والمهمل. عمل يتطلب جهدا وعملا دؤوبا وخيالا واسعا،إذ من السهل تشكيل ماهو بكر أما تشكيل المشكل فهو الأعسر والأصعب ويتطلب مجهودا مضاعفا، فتشكيل ماهو مشكل سلفا وتعريته وتجريده من وظائفه الأولى. تطويع المواد المجمعة بمختلف أنواعها والتنسق بينها، تحويل هذه المواد الثقيلة مع مراعاة القوانين التشكيلية من توازن وتوافق وايقاع بين الكتل والفراغات ، وتحويله إلى عمل فني يستقى جماليته وتشكله ودلالاته الأركيولوجية من مواده، ومن تجمعها وتراكبها واختلاطها وانصهارها بعضها ببعض (وان اختلفت طبيعتها المادية وتنافرت ربما) دلالاتها الجمالية والتشكيلية. ومن انتصابها وتفاعلها داخل الفضاء والمكان دلالاتها الوجودية . ومن ألوانها( لون النحاس الذهبي والمعدن بين الرمادي والاسود والأحمر ،بفعل الصدء) وملمسها وحركتها وأصواتها(تدعوك لتتفاعل معها، تداعبها فتتحرك وترقص وتتغنى بأصوات بين الهمس والصخب) دلالاتها الحوارية التفاعلية مع المتلقي. وهذا بتطلب فهما عميقا لخصائص المواد المجمعة ولطبيعتها.


منحوتات من الأرض وإلى الأرض، من المكان وإلى المكان، مواد غزت الارض وغدت تهدد صفاءها وجمالها لكنها تعود إليها وباجتهاد ومكافحة وعذاب وألم وعشق وحب، من محسن الجليطي لتلوّن خدودها وتكحل خفونها ويعيدها لحياة جيديدة ومتجددة.


أعمال الجليطي تتأرجح بين السماء والأرض، بين الصغير والكبير، بين المنحوتة والتنصيبة، لعلاقتها التلازمية بالفضاء. بإمكان المتلقي قراءة العمل كمحوتة مستقلة، قائمة الذات بمعزل عن المحيط بها، لكن هذه القراءة تتغير بتغير الفضاء الموجودة فيه. فهي تتفاعل مع الفضاء وتنصهر داخله . هي تنتصب داخل الفضاء مغلقا كان أو مفتوحا فتؤثث ركحا تشكيليا جماليا مفاهميا تعبيريا، مثال ذلك عمله:"انفجار شعبي"،"توازن ورقصات"،"الشرارة"...
أعماله تتفاعل مع الفضاء والزمان فتعكس تفاعلات الفنان، هواجسه وأفكاره، مواقفه وآراءه إزاء مايحيط به ويلفه من أحداث، فتنكشف عوالمه الحالمة من خلال هذه الأعمال ومن وراءه أحلام الانسان والانسانية.


الجليطي لم يكن ثوريا على المادة يشكلها، ويطرقها، و يلحم المواد المجمعة، ويصهر أجزاءها، ويجمع، ويحذف، ويضيف، بل كان ثائرا على الواقع أيضا. فقال "لا" ، وصرخ "هرمنا"، وندد ب"أقنعة الثورة"، وحمل "شعلة" الحرية ،حرية التعبير والابداع. أعمال تغوص في العلامة ، خطية كتابية كانت أو تشكيلية مشهدية.


كل ما هو متاح مباح للتعبير عن مكنونات الذات من صرخات وآهات وقهقهات، من ألم وفرح وفزع وحيرة وتشاؤم وتفاؤل،للتعبير عن" الحياة". لكن يبقى الابداع هو السؤال.

  •  

  •  

  • أركيولوجيا مادوية تتشكل
    محسن الجليطي يشكل المادة المشكلة.. صراع الحلم والواقع
    كريمة بن سعد
    فنانة تشكيلية وباحثة دكتورا في الفنون البصرية
    تونس

   
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

11/02/2013

تشكيل الحياة