•  

  •  

  • تقع الصورة الفوتوغرافيا دائما بين التوثيق، والرؤى الجمالية، والفلسفية النسبية للمصور؛ ومن هذه المسافة التداخلية ينبع تأثيرها العميق، والمباشر في المتلقي؛ فهي تعكس الحقائق، والثقافات، والوقائع الصغيرة بصورة متجددة تتجاوز صمت الأشياء، والتغيرات اللاحقة في بنيتها الزمانية، والمكانية؛ ومن ثم يشعر متلقي المجلات المصورة بامتلاك لحظة فريدة في الماضي تبدو كشاهد على واقعة، أو حياة لا يمكن محو أثرها من الوجود.


وقد خصصت مجلة (ناشيونال جرافيك العربية)، عدد أكتوبر سنة 2013 ملفا حول تأثير الصورة الفوتوغرافية، و قيمتها الفنية، و ارتباطها بالكون، و الضمير البشري، و حياة الإنسان اليومية، وثقافته، وأزماته، و الجماليات المميزة للقطة الفوتوغرافية نفسها؛ إذ تجسد لقاء الوعي بالواقع من خلال المنظور، و قدرته على الاكتشاف، والتعديل، و امتلاك اللحظات الفريدة ممزوجة بالرؤية الذاتية في تشكيل فني مختلف، و مؤثر، وتناول العدد مميزات التصوير لدى فريق المجلة عبر تاريخها، وما قدموه من تضحيات؛ لأجل كشف علمي، أو توثيق لحظة تؤثر في مدى تحقق حدث ما، أو تدفع لتطور مسار السلام في العالم، أو تجسد مشاهد استثنائية في الطبيعة، وغيرها.
وبصدد الحوار الفلسفي، والجمالي مع الصورة الفوتوغرافية، و طبيعتها يتساءل (رولان بارت) حول السبب الذي يدعو لتمييزموضوع ما في لحظة بعينها، دون غيره من الموضوعات، ويناقش مدى التوافق، و المطابقة بين الصورة، و المرجع، و يؤكد فكرة الاختفاء التي تصاحب الصورة؛ لما يحيطها من مؤثرات، و انفعالات، وخيال.
(Read/Barthes/Camera Lucidia/translated to English by Richard Howard/Hill and Wang/New York 1982/p.6).
يرتكز بارت – إذا – على نشوء اللقطة من مرجع واقعي قابل للتحول، و إعادة الإنتاج الكامنة في عملية الاختيار، و ما يحيطه من مؤثرات تعيد تشكيل لحظة الحضور الأولى، دون أن تنفصل عنها في الوقت نفسه؛ و هو ما يؤكد خصوصية اللقطة في علاقتها الإنتاجية بالواقع، و تحليل طرق تلقيها انطلاقا من فهم طبيعتها الاستثنائية؛ و هو ما يعزز تفضيل القراء للمجلات المصورة، وشعورهم بالتواصل الصامت مع الصور، و إيماءاتها في مجالي الجمال، و الكشف.
* تجربة ذاتية جمالية حول الصورة:
تفتتح الكاتبة السعد المنهالي العدد بتأكيدها أن الصورة الكاشفة، و الحامية هي سر تميز ناشيونال جرافيك، وترسم بقلمها صورة فوتوغرافية ذاتية، وموحية حول تفاعلها بمشهد مدير أرشيف الصور بالمجلة؛ وهو بيل وليم بونر، و تطلق على لقطتها المكتوبة اسم (الجوهرة الأثيرة)، وتصف الرجل بالحكيم الذي يقدر قيمة الصور، ويمسكها بحذر شديد، وفي يده عدسة مكبرة؛ وكأنه صانع جواهر، و يحكي عنها بدقة بالغة.
و يجسد المشهد المصور في كلمات الكاتبة اللقاء بين الذات، والموضوع في فن الفوتوغرافيا؛ فثمة إضافات تأويلية متجددة تنبثق في الوعي حين يعاين عالما استثنائيا، أو شخصا مختلفا مؤثرا في لحظة زمنية لا يمكن تكرارها؛ فقد استحال ظهور مدير الأرشيف، ومعاينته للقيمة الجمالية للصورة إلى تأويله كحكيم، أو صانع جواهر، بينما تجلت الصورة كجوهرة، أو تجربة مؤثرة تقع بين لحظتين ثمينتين في الماضي، و المستقبل؛ و كأنها تتجاوز التوثيق إلى إعادة القراءة المتكررة في المستقبل الذي يصل المشاهد بالماضي الاستثنائي، وبجماليات اللقطة، وإمكانية قراءة التجارب الاستثنائية بطريقة التصوير الفوتوغرافي في التسجيل المختلط بإضافات الوعي مثلما فعلت الكاتبة.


* قيمة الكشف:
يسرد المصور المكسيكي (كوري ياسكولسكي) تجربة تصوير بقايا بشرية تعود إلى أكثر من تسعة آلاف عام داخل بئر (هويو نيغرو) المليء بالمياه الجوفية، و مدى الاستعانة بجهاز إضاءة قوي، ثم صعوبة برمجته للتزامن مع لحظة التقاط الصورة فقط.
وتدل تلك التجربة على قيمة الكشف في حياة المصور، ومغامرته للحصول على لحظة إضاءة واحدة تنير طريقا للعلم، و التفكير، والجمال؛ فالمصور يستعين بالتقنية؛ ليحارب العتمة، واستتار الماضي، ثم يبتهج بالظهور، وطيران الشيء المصور في المجلات، والصحف؛ ومن ثم إعادة اكتشافه فنيا، أو علميا من قبل العلماء، والنقاد، والمحللين؛ فالتصوير تقدير لقيمة الكشف، ومضاعفة له في آن.


* اتساع الفوتوغرافيا، و لغة التوثيق الإيحائية:
ويستشرف (جيمس إسترين) شكولا أخرى من التوسع في التصوير الفوتوغرافي في مقاله (العالم قرية مرئية)، ويرصد ظاهرة اتساع التوثيق بالكاميرا، أو الهوس بالتوثيق في اللحظة الراهنة؛ فقد نلتقط صورة لوجبة إفطارنا، أو لقط أنيس، أو لوجبة إفطار القط نفسه.
وأرى أن توثيق الأشياء الهامشية في الحياة اليومية يدل على أمرين:
الأول: اتساع رقعة تخييل الواقع، و تجزئته إلى لحظات فريدة ممزوجة بحضوره الأول في الذاكرة؛ ومن ثم يختلط العادي، بالاستثنائي، وتكتسب الأشياء الصغيرة قيمة بوصفها وثيقة تتجاوز النمطية، و التكرار؛ لأن التجزئة التي تقوم بها الكاميرا للمشهد، وزاوية النظر النسبية للفنان تمنحها قيمة الاختلاف، و التفرد.
الثاني: التواطؤ الجمالي من قبل المصور نفسه مع لحظات الواقع العادية؛ إذ يضيف مؤثرات خاصة بالإضاءة، أو يشير إلى رؤية ضمنية تشملها بؤرة التصوير؛ وقد أضافت المجلة مجموعة من الصور للمقال توحي بذلك التوسع الجمالي؛ مثل إضاءة حمراء على وجه امرأة أفريقية، وإخفاء وجوه مجموعة من الرجال، وإظهار وشم على قدم امرأة، و وضع شفاه امرأة أفريقية في بؤرة التصوير، والارتكاز على الروج الأحمر، وتصوير فراشة من زاوية قريبة، وإبراز المفارقة بين دكنتها، وألوان السماء الفاتحة الصافية.
ويشير المؤلف إلى شكول متجددة من التصوير الفوتوغرافي سمحت التقنيات الإلكترونية بتطويرها؛ مثل خاصية (Google Street View)؛ فيمكن للمتلقي أن ينتقي ما يشاء من مشاهد، ثم يدعي ملكيتها، ثم يستشرف شكولا أخرى في المستقبل؛ إذ يمكن أن يستخدم البعض الصورة ليبدع بها شعرا، أو يستخدمها آخرون لتدوين المشتريات.
إننا هنا أمام تشكل لغة فوتوغرافية واسعة تؤكد ثقافة الجمال، و كذلك التعبير البسيط المباشر عن الرؤى الفكرية، و الثقافية المعقدة، وتنمية اللغة الإيحائية بين البشر، والحوار التعبيري الصامت، والمصاحب للمناقشات الإيجابية في عملية التواصل اليومي.


* تأكيد القيم الإنسانية، و الجمالية:
يشير (روبرت درايبر) إلى ارتباط الصورة في ناشيونال جرافيك بالضمير الإنساني، وإمكانية التأثير في كوارث الواقع، و الطبيعة، أو الانحياز إلى قيم الجمال، و يمثل لذلك بتصوير حرب مناجم الذهب بجمهورية الكونغو الديمقراطية؛ فالمصور يتمنى أن تصل تلك المشاهد إلى تجار الذهب في سويسرا؛ كي يعيدوا النظر في مسألة التهافت على شراء المعدن الأصفر، والتكسب من فواجع الآخرين.
ثمة بعد إنساني – إذا – يكمن فيما وراء الصورة حول عبث الصراعات البشرية، أو مآسي الواقع يدفع لتغيير المستقبل إلى الأفضل انطلاقا من عبور القبح إلى مساحة جمالية أرحب؛ و كأن الصورة مرآة تعكس الواقع، و تسهم في تعديله، و تنقيحه في الوقت نفسه.


* تفاعل الثقافات، و تجسيد الصورة لمسألة الأعراق المختلطة:
ونلاحظ امتداد الصورة إلى نطاق الأعراق المختلطة؛ و من ثم تداخل الأفكار،  الثقافات، والأعمال الفنية في وعي الأشخاص الجدد، وذلك في بحث (ليزي فاندربرغ) المعنون ب (وجه أمريكا المتغير)، و تصاحبه مجموعة من الصور بواسطة المصورة (مارتن شولر)، وتضرب المؤلفة مثالا لحالة الطفل (يوئيل)، وعمره سبع سنوات؛ وهو مولود لأم أمريكية من أصل أفريقي، ولأب مكسيكي، ويطلق عليه لقب (بلاكسيكان)؛ أي (أسود – مكسيكي)، وفي منزله تتجاور صورتا مارتن لوثر كينج بجانب صورة الفنانة المكسيكية فريدا كاهلو.
و تجسد هذه الرؤية الإنسانية عن الأعراق، و الثقافات دلالتين:
الأولى: تجسيد الأشكال التفاعلية من الهوية من خلال لقاء الصفات الأصيلة بالصفات الإنسانية الكامنة في الآخر؛ ومن ثم تزداد حدة اللقاء، و التفاعل بين الفنون، والعادات، و الأفكار في فضاء واقعي يشبه الفضاء العالمي المعرفي للإنترنت، ويحدث التمازج بين الواقع العرقي، وفضاء المعلومات عبر وسيط الصورة الكاشفة لوجوه هؤلاء الأطفال الجدد.
الثانية: تجسد الصورة لحظة من التداخل المعقد في لون البشرة، وما يوحي به كل من الأنف، والفم، ونمش الوجه من لغة إنسانية مشتركة، ومنفتحة على الآخر من جهة، وتحمل في ذاتها أصالة جمالية خفية من جهة أخرى.
وتؤكد تلك المجالات الثقافية، والفكرية، والجمالية التي رصدتها المجلة قدرة الصورة على الإنتاجية التي تنبع من تاريخها، و طبيعتها التوثيقية، و ما يمكن أن يضيفه الإنسان إليها من استخدامات مبتكرة، وجمالية واسعة.

  •  

  •  

  •  التصوير الفوتوغرفي بين الاتساع الإنساني و التجاوز في مجلة ناشيونال جرافيك
    د. محمد سمير عبد السلام - مصر
    msameerster@gmail.com

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

01/12/2013

تشكيل الحياة