Frederic Edwin Church
Thomas Gainsborough
 
 
 
 
 
 
  • لقد ظل مفهوم الفن محور اهتمام الإنسان منذ الأزل، حيث شهدت علاقته به العديد من التحولات والتغيرات، فسعى في بادئ الأمر إلى التحرر منه أي التحرر من كونه مصدرا علويا مرتبطا بالجانب الروحاني المتافزيقي لكون يرجع هذا المفهوم إلى مصدره الأول خلق الكون و الأشياء. لكن هذا التحرر ظل مشدودا بالعديد من الأشياء وظل يستند في حدّ ذاته إلى ذلك الرأي الماثل، بأن الإنسان لا يمكن أن ينعزل عن المحيط وعن الطبيعة التي يوجد فيها و يجسد إبداعه الفني بأسلوب يتماشى مع تطور الزمن.

ذلك أن ثقافته مرتبطة به ارتباطا وثيقا فهو أول شيء يشدّ حواسه، ويثير في نفسه العديد من الاستفسارات والتساؤلات، خاصة حول ظواهره وكيفية تفاعله مع المادة، التي كانت ولا زالت تطرح العديد من التساؤلات، سعى كل من المفكر والفيلسوف والعالم والفنان إلى فهمه و الإلمام به وجعل مادته الأساسية لكي يستمرّ المنهج التشكيلي ، وتنفتح أفاق الفنان ليسعى إلى تحديد ذلك الفرق بين الطبيعة والفن، وما يكتنفها من تغير وتحول وما يمكن أن يوجد وراءها. ظل يسود نوع من الثبات أدى بدوره إلى ذلك التميز بين نوع من الإدراك و الحس، الأول إدراك عقلي والثاني حسي ذلك الإدراك الذي ظل يستند في قوامه إلى مدى قدرة الفنان المفكر إلى فهم الطبيعة، وما يمكن أن تؤول إليه التجربة والممارسة خاصة بعد ظهور ما يسمّى بالمنهج التجريبي وأصبحت الطبيعة مجالا حرّا شاسعا للتجربة و التنفيذ و الإبداع، ومتفرعة أمام خيارات الفعل الإنساني بكل تجاربه العلمية والفلسفية خاصة التجارب الفنية التي كانت تستند إلى الطبيعة كموضوع رئيسي لها سوى كانت في علاقة مباشرة أو غير مباشرة معها من فن الكهوف الذي بدوره يثير العديد من التساؤلات، خاصة الجانب الأنطولوجي منها.

 فإنسان العصور القديمة سعى إلى مواجهة الطبيعة لأجل استمرارية الحياة، وقد جسد الرسوم الموجودة على الكهوف العديد من مظاهر الحياة وقد توزعت هذه الشعوب على أمكنة مختلفة من العالم يقول الدكتور صبحي الشاروني: " وتوجد في العالم إلى حدّ الآن أربعة مناطق رئيسية للشعوب البدائية التي يمكن اعتبار فنونها مثالا معاصرا للفن البدائي عند إنسان ما قبل التاريخ، وهي شعوب إفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى، والاستراليون الأصليون في قارة آسيا، والهنود الحمر، والسكان الأصليون في الأمريكتين، وقبائل الأسكيمو في القطب الشمالي.[1]" وبالتالي الإنسان البدائي ترك أثاره عبر رسوماته على الكهوف سواء في الخربشة الرمزية الدالة عن وجود حياة في العصور الحجرية او من خلال اكتشاف الأساليب المختلفة في فترة لاحقة حول الرسم بالألوان الطبيعية خاصة في الفترة الفرعونية على جدران الاهرمات و المعابد و الأروقة و القصور. فدراسة الجانب الانتروبولوجي للإنسان البدائي يكمن في تلك الرسوم الموجودة على الكهوف وخاصة على مستوى التقنية حيث يقول رولا عصام في كتابه الفن التشكيلي " التقنية البدائية التي إستخدمها الإنسان في تلوين هاته الرسوم الجدارية معقدة فقد إستطاع العلماء والأثريون أن يشيروا إلى أن الإنسان البدائي لم يستعمل أصابعه في التلوين فقط وإنما إستخدم الفرشاة البيدائية من شعر الحيوان وريش الطيور فقد كان يغمس الفرشاة باللون ويظغطها على الجدار أو بضربات عريضة كما استخدم طريقة رشق الالوان بالنفخ بواسطة القصب وعظام الحيوانات" [2] ومن هنا  ندرك العديد من العلاقات المتجذرة في تاريخ الفن التشكيلي فالضربات العريضة تكاد تذكرنا بالفن الحديث وخاصة طريقة توزيع الألوان التي تذكرنا بالبقعية  واللطخة  والنفخ إحالة الى تلك الطاقة التي يفرزها الجسد وانخراطه داخل العملية الإنشائية للأثر التشكيلي  وهو تقريبا ما يضعنا في موازية ضمنية لتجربة جاكسون بللوك  وكيفية انخراط الجسد داخل العملية الإنشائية ليصبح الفنان جزءا من التجربة الفنية و مكونا لها.

وفي إطار أخر كان حضور الطبيعة منذ فن الكهوف إلى فن المفاهيم ليست سوى مصدرا ملهما ووسيط يكون جزءا لا يتجزء من العمل التشكيلي خاصة وقد ازدهرت تيار الانطباعية بإعادة الطبيعة في فضاء تشكيلي ذو بعدين يستعمل الفنان الألوان القزحية، كما تبقى دائما تنفتح على كل ما هو ممارساتي وكذلك عن علاقة الفنانين التشكيليين عبر تاريخ الفن بالطبيعة، وخاصة رسامي المشاهد الطبيعية لكن في الفن الزائل كان لها حضورا مختلفا، حضورا تداخلت فيه ثنائية الفن والطبيعة. أصبحنا نلاحظ ممارسة مكانها واحد، كذلك تدخل مكتنز بالعديد من الرؤى التي تذهب بك بعيد عن أسس الممارسة وتمدّك بنوع من التأمل والتدقيق في تلك الصيرورة التي أصبح يعيشها الإنتاج الفني في محيطه، وبالتالي يمكن القول إن الطبيعة أصبح لها تناول جديد أي أنها تصبح لأول مرة ملهمة وحاضنة لنوع من الممارسة، ومن التشكيل، لا تجملها فقط بل تزيدها اتساعا وشاسعة  لتعطينا نظرة جديدة للقراءة في كل تغير. ان هذا السلم التاريخي لمفهوم الفن و علاقته بالطبيعة نجده يتواصل إلى يومنا هذا بحيث لا تزال الطبيعة تلعب دورا هاما في منح الفنان القدرة على التقدم  لانجاز أعمال فنية معاصرة في إختلاف التقنية والأسلوب و في تنوع الفكرة و المضمون الذي يراوح بين الظاهر و الباطن .

  • الطبيعة و الفن
    ابراهيم بن نبهان
    باحث في الفنون التشكيلية

المراجع


- الدكتور صبحي الشاروني : فنون الحضارات الكبرى : الجزء الأول : التوزيع مكتبة الأنجلو المصرية: الطبعة الثالثة سنة 1996[1]

- رلا عصام نجيب : تاريخ الفن التشكيلي : تاريخ الفن دار المستقبل للنشر والتوزيع عمان الأردن 1998[2]

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

22/08/2013

تشكيل الحياة