Rhizome, Acrylique sur toile, 80*60 cm
Indice, 87∕ 57 cm, techniques mixtes sur verre
Passage, Acrylique et encre de chine sur toile, 80*60 cm
Expulsion, 71∕ 57 cm, techniques mixtes sur verre
Émanation, 77∕ 71 cm, techniques mixtes sur verre
Entre les lignes, Acrylique sur toile, 80*60 cm
Entre deux, 86∕ 83 cm, techniques mixtes sur verre
Tremblement, 69∕ 49 cm, techniques mixtes sur verre
Vertige, 87∕ 83 cm, techniques mixtes sur verre
 
 
 
 
 
  • لقد كان الفن دائما الوسيط للتعبير عن حاجات العصر، وذلك من خلال مختلف اللغات   والتعبيرات التي يستخدمها الفنانون لأجل تشكيل وصياغة  مفاهيمهم ومشكلاتهم، وإزاء ذلك فقد بات العمل الفني يولد بقلق يشوبه الذنب الوجودي لما يواجهه الفرد و المجتمع من ظواهر مختلفة، وفي جوهر أي محاولة للتعبير تبرز مواجهة الفنان،  لهذا الغرض فقد جعل منها وسيلته ليعيد خلق و فضح واقعه، وفي هذا الصدد تتبدّى أعمال الفنان رياض بنالحاج أحمد نبراسا لهذا الفعل التشكيلي الواعي، يقول بنالحاج أحمد "يحدونا إيمان بأن التشكيل رهين الواقع و محايثة لنواميس المتطلبات فيه ومتغيراته، وعليه فقد تم الاشتغال على الجسد الإنساني بأشكال و تعابير مختلفة يحدونا في كل زاوية هاجس السؤال و العمل في اللامنطق ضمن منطق السؤال وهاجس التشكيل، يتم العودة دائما إلى الجسد ليكون مدار البحث وهاجس التشكيل لتلتحم الذات بالموضوع ليصبح الجسد متحسسا لجسده   ومنصهرا ببقية الأجساد الأخرى محسّا بعبق الألم الذي يفوح من رائحة تلكم الأجساد" لتنفلت من ثمة الهوة الفاصلة بين الجسد الذاتي وبقية الأجساد الأخرى ولتضمحلّ ولتمّحي فيتحرّر الرسم حينذاك من تلابيب المجترّ والمعتاد والنقل للموضوع المشاهد ليصبح من ثمة تحطيم للشكل والبناء و تفجير لها في مقاربة جديدة تلتحم فيها الذات بالموضوع في سمفونية غنائية ساهبة في الشكل ومتّحدة  في الجسد اللوني تبنى على ركام الحاضر الفوضوي ليكون للتشكيل فيها مقاربة وشأن ونصيب، كما تتمرد التركيبة على فوضوية الموضوع ضمن اختيار العناصر وتوزيعها فرغم النسيج الجسدي والخطي تأتي التركيبة على نحو من الاتزان والتماسك.

إذ من خلال جملة الأعمال المعروضة في معرضه "نحب نعيش" لسنة 2013 يمكن للمتلقي أن يلاحظ التماهي من خلال المحامل و التقنية المعتمدة التي تم الاستناد فيها إلى تقنية البلور المصهور، ليكون البلور فيها هو المحمل الرئيسي الذي يأتي حاملا لمختلف الأطياف والدّلالات والرموز محمّلا بمختلف المعاني، إذ من خلاله حاول بنالحاج أحمد أن يطرح قضية الجسد المقموع وظروف العيش ضمن واقع معيش تعفّن فيه و فاحت رائحته لتخرج إلينا و تحاصرنا حتى من خلال  شاشات التلفزة و عبر مختلف البرامج السياسوية و غيرها، ليكون البلور كدال على ما فاحت به تلك الشاشات التلفزية البلورية من قضايا و تهميش وانتهاكات لفئة كبيرة من المجتمع التونسي التي باتت تتخبط في غياهب العتمة و العدم، ليكون المحمل البلوري كإعادة تشكيل لما أتى على فضحه نضيره التلفزي، إذ إبان الثورة التونسية سال الحبر و لعاب الكلام و التمسرح والتشكيل ...عن المكبوت و المسكوت. وكإيمان منه بأن التشكيل يأتي رهين الواقع، فمن الواقع ينطلق نسيج التشكيل في سماءات جديدة نحو الكشف و التعرية و الإظهار و الإضمار، فمن خلال شفافية المادة المستعملة يحلم بنالحاج أحمد بثورة تتغير فيها المفاهيم إذ ما انفك يزج بالمشاهد و يفاجئه بجرأة فريدة في التعامل، إذ التعامل التشكيلي معه دون قيد أو حدّ، دونما صدّ، من خلاله يتم مسايرة و التفاعل مع النقد الواعي الضامن للتفاعل الإيجابي إذ تحدوه نبرة الإفصاح دونما تملّق و تهيب به رغبة جارفة في خصي الواقع ليكفّ عن إنجاب مثل هذه الأوضاع .

الجسد من الفرن إلى الفرن

 تتوهّج أعمال بنالحاج أحمد ممّا عايشه في مجتمعه من حالة الغليان و الثورة النفسية والإجتماعية العارمة، إذ يشبّه مجتمعه بالفرن في انصهار وتحلّل من نواميس الخوف نحو تحرّر وطلاقة، ومن الفرن كشكل تشبيهي للواقع إلى فرن ورشته حيث يعمد على تشكيل نسيج لوحاته على صفائح البلور ليعيد صهرها مستندا في ذلك إلى الجسد كمحور أساسي وكتعلّة تشكيليّة يظهر فيها ذاك الأخير ضمن أشكال مختلفة يراوح فيها بين الذكوري والأنثوي، ضمن تنوّع و اختلاف في الأحجام وفي فئاتها العمرية، كما يتم المراوحة أيضا بين التشخيص والرمز لذاك الأخير، إذ من خلال جملة هذه الأعمال و تتبع حبكة الأحداث فيها.  حين تتبع أثر الرحلة يمكن ان نتبين رحلة سفر لهذا الجسد الذي يأتي في أغلب الأحيان خائفا مرعوبا متوجّسا تنسج بنيته عبر الاعتماد على الخط ليصاغ تشكيليا عبر أسلاك حديدية تخيط الجسد وتخط خطواتها بين خطوط خطوطه.

يأتي بنالحاج احمد مجانسا بين جميع أجزاء التركيبة ذاك أن أي عنصر من عناصر الأثر ليس له وجود إلا في التكامل الحاصل بين جميع مكوّناتها و ضمن العلاقات القائمة بينها ذلك أن الفنان يستعين بأساليب الإيقاع و التنظيم و التناسب من أجل فرض ضرب من الوحدة على ما في موضوعه من تعدد في الأشكال أو الحركات والصور لقد جعل بنالحاج أحمد من البلور والنحاس و خراطيش البنادق والأسلاك المعدنية ...عناصره المكونة للتركيبة مجانسا بينها في تركيبة أتت جامعة بين النظام وعدمه. إذ تغدو التركيبة في هندستها  ليست إلا تعلّة تشكيلية نحو أبعاد مفاهيمية وجمالية .

يأتي العمل مع بنالحاج أحمد منطويا على أبعاد ماديّة وذهنيّة جمالية  تنبجس من ذاته إن ذلك إنما ليؤسس لدور المبدع الذي صنع وصاغ  بشكل معين وتكوين وتركيب و أدوات معينة، ليستثير بها بصر المشاهد وبصيرته، فيحاول الفنان المبدع أن يصنع تجربته عن طريق خبرته الذاتية و فهمه  ووعيه لمعطيات المكان والزمان  (واقعه المعيش) ومن ثمة الاستخدام الواعي للأدوات الفنية، وبالتالي يبدو أن الفنان إنما ينطلق من واقعه ليتحلل منه و ليعود إليه في صياغات تشكيلية تجمع بين الفضح والتورية، الإظهار والإضمار  عبر الفعل التشكيلي الذي عمد إلى إنتاجه وإن ذلك إنما يدعونا إلى ان نتتبع المرحلة الإنشائية لبناء وتكوّن الاثر، وبالتالي فليس المهم أن نقوم برؤية العمل ضمن مرحلة العرض بل علينا ان نتتبع مراحل إنشائه من قبل الفنان فليس العمل هو ما ننظر إليه ونراقبه بل الفنان أيضا ضمن عمليّة البناء يقول "رني باسرون" بما معناه " ليس الرسم  فقط هو ما ننظر إليه بل الرسام أيضا "[1] من خلال حركاته و لمساته بل ليس المهم في النتيجة - بل - طور التكوّن و الإنشاء هو ما يدفعنا إلى تتبع أطواره، فعملية الإنشاء تلك إنما ترتبط حتما و بالذات بعلاقة تلازمية بين الفكر واليد في علاقة بالخلفيات النفسية والإجتماعية وغيرها التي يعيشها الفنان والتي تساهم في مرحلة المخاض لإنشاء الأثر .فالفنان من خلال مخاض البحث إنما يهب جسده للعالم  ضمن رحلة البحث فيحرّر نفسه  ضمن عملية الممارسة وإن ذلك ما يقتضي تزامنا بين اليد والفكر ويقول في ذلك" هنري فوسيون " " الفكر يحرك و ينمي اليد و اليد تنمي الفكر ...فاليد تساعد الإنسان على امتلاك الأفق، الوزن و الكثافة و العدد و تخلق عوالم جديدة، وتترك أثارها في كل مكان ...و تساعده ليمتد في الزمان و المكان"[2]

نسيج الخط ومزاوجة الخامات

يستغل بنالحاج أحمد جملة من الخامات والمواد التي تبدو على نحو من الهجانة كاعتماده على الصفائح النحاسية ورصاص خراطيش البنادق... التي تكون كتمات على بعض ما تفجّر به الواقع وفاحت به رائحته ليأتي ناسجا لأجساده و لبنية فضاءه (من الفرن إلى الفرن)  تبدو هذه الخيوط  المنسوجة عبر إفرانها متفحمة أحيانا ومتوهّجة أحيانا أخرى، نحط من خلالها رحالنا البصري عبر الترحّل بين اللوحة والأخرى  كما تجتمع هذه الثنائية أحيانا (الصدأ والتفحم و الوهج و البريق لهذه الأسلاك الحديدية) في صميم اللوحة الواحدة ويعود ذلك إلى اختيار بنالحاج أحمد، ليكون التشكيل الخطي متراوحا بين الإظهار والإضمار يتسنى ذلك من خلال درايته بهذا النوع من التقنية التي أحكم التوظيف فيها ليغدو التلاعب معه نوعا من التخمّر في رحاب التعايش المهووس بواقع التجريب والاكتشاف و المكاشفة. 

لم يهتم بنالحاج أحمد باللباس بل عرّى الجسد من براثنه ليتنصّل من كل أشكال التمييز      والتفرقة،  ليجعله متّحدا في بنية الجسد الخط ضمن محور قضيته.

من خلال اللّوحات المعروضة يمكن أن نتبين الاستحضار للأشكال الأنثوية في تشكيلات فنطازمية، فيها تتبدى الأجساد الأنثوية منتفخة البطون والنهود، كإعلان عن دق ناقوس الولادة، لتطفو على صفيحة اللوحات أشكال كروية منتفخة موحية بشكل الغليان و الفقاقيع كتعبير عن غليان للواقع  وعن حضور لولادة تأتي من أرحام و بطون منتفخة مشوهة، تأتي التشوهات فيها نتيجة لحركة دموية تعسفية على هذه الولادة، وعلى هذا الواقع لتكون الولادة فيها قيصرية قبل الأوان يزيد ذلك تعسفا وتأزما اعتماد بنالحاج على بعض التّمات من الواقع، والمتمثل مثلا في رصاص خراطيش البنادق ليكون القنص فيها في مصدر الحياة و منبع الولادة، يأتي هذا العنصر حاضرا في أغلب الأحيان، كما لا ينفلت العنصر الذكري من عقال هذا القنص و الاقتناص إذ تأتي العملية مستهدفة للمناطق الحيوية و لنقاط الارتكاز لتشلّ الحركة ولتعرقل الثبات، فيأتي استخدام وتوظيف هذا النوع من التمات (الخراطيش) موظفا في بعض الأحيان ليستهدف مناطق بعينها دون سواها، كما يمكن ان نلحظ أن استخدامه في بعض الأحيان الأخرى يأتي من قبيل التماهي والتلاعب مع التوظيف البنائي للتركيبة الجسدية إذ نجده يتماهى مع الخطوط البنائية للتركيبة مما يتيح للمتلقي إمكانية إعادة نسج أشكال جديدة نتيجة لهذا التشكيل الجديد المتضمّخ مع غنائية الخطوط وما أحدثته الأكاسيد والعناصر الموظفة من انتفاخات ليكون التوظيف لهذا العنصر محكم الصياغة  كما أسلفنا بالذكر آنفا،  أما في بعض الأحيان الأخرى فيأتي فوضويا يوزع في جوانب اللوحة من أجل خلق نوع من البلبة والارتباك على مستوى مسرحة الصورة وشدّ الانتباه ليكون إعلانا على أن هذا التشتت الفوضوي بين حواف اللوحة وجنباتها هي بداية بداية الانطلاق..

وخلافا لذلك نجد أن بنالحاج ، يجمع في نسيجية لوحاته عناصر مختلفة إذ يقرن حضور الجسد الإنساني بالحشرات والزواحف كالسلاحف والعناكب وغيرها  إن هذه العناصر لم تكن حاضرة في  مستوياتها الوظيفية الطبيعية بل أنها تحولت إلى رموز وعلامات مبثوثة في الجسد التشكيلي مما يخلق منظومة داخلية للتشابك الدلالي بين الجسد الإنساني و سائر العناصر المستخدمة، فبات اجتماعها إيحاءا على بطئ الحركة وعسر التحوّل، إذ يغدو الجسد كسائر العناصر الموظفة راكعا زاحفا محاولا إعادة نسج حكايته وواقعه، إذ واقعه كبيت العنكبوت ظاهريا متماسكا وباطنيا رهيف الوصل قد تفكّ أواصره هبوب نسائم قوية ذاك ما حدث مع واقع معيشنا الذي هزته نسائم الثورة. 

وخلافا لعناصر المشابهة يجعل بنالحاج أحمد من هذه التمات الدخيلة أحد رهانات العمل  لتتحوّل من متمّم للوحة، إلى أحد عناصرها الرئيسية، إذ تغدو كمشارك رئيسي في مسرحة الأحداث، إذ نجد أن تلك الاخير(العناكب) تأتي هاجمة مستهدفة للأجساد الأنثوية منها وعلى غرار ذلك فإنها تغيب مع حضور الاجساد الذكورية وتحضر من خلال نسيجية بيوتها، كما يمكن أن نجد ان بنالحاج أحمد قد زاوج في معظم اللوحات تقريبا الشكل الكروي الذي يأتي متدليا  مربوطا ومعلقا. يأتي هذا الشكل الكروي شبيها بالأشكال البيضوية موحيا بالبويضة التي يكون من خلالها التكوّن الجنيني. وعلى هذا الأساس فإن مختلف العناصر الهجينة ضمن أشكالها الفنطازمية المنسوجة على تركيبة لوحاته تقود المتلقي إلى نسيج ذهني جديد مما يسهم في تداعي الأفكار، ذاك ان تداعي الافكار ضمن الأثر المنسوج في نسيج الذهن إنما يتولّد انطلاقا  من التأثّر والتفاعل مع العمل ماديا  كان أو ذهنيا ليكون نتيجة للتفاعل الحاصل بين مواده التي تخلق تجانسا وتفاعلا تركيبيا يتولد إثره  تفاعل وتداعي للافكار والأحاسيس ليتولد التداعي إثر ذلك من خلال "التفاعل التركيبي و المتزامن لكل العناصر التصويرية لتنبجس اللوحة"[3] معلنة عن ولادة حكاية داخل حكاية الحكاية التشكيلية.

 إن بين أحضان أشكاله البيضوية نجد رسوم لأطياف أجساد رسمت بطريقة على نحو من التبسيط  يحدوها تعسف في مسرحتها إذ تتبدّى في بعض الأحيان مخنوقة أو مشنوقة بنفس الخيط المشكل لذاك الشكل البيضوي، كما يمكن أن نجد أجساد أخرى مبتورة الرؤوس والاقدام او الأيادي متزاحمة،  متصادمة، متدافعة حدّ العجن وأحيانا أخرى تكون قليلة العدد و في أغلب الأحيان تكون رافعة أياديها إلى الأعلى كدلائل على الاستغاثة. إذ أن مرحلة الغليان و التزاحم التي تعيشها هذه الأجساد داخل هذه الأشكال البيضوية تأتي شبيهة بتلك التي يعيشها السائل المنوي أثناء عملية التدافع، إذ أن كل منا كان سائلا منويا وعاش تلك المرحلة وهاهو الآن يشهد تجربة جديدة إذ من خلال هذه اللوحات نعيش قصة التكوّن الجنيني الذي تبدأ منذ النطفة من خلال مرحلة الصراع و التزاحم والتدافع ليكون البقاء فيها للأقوى و الاجدر وفي المرحلة الثانية نجد التصارع واللهاث وراء البهرج الذي يتم فيها التصارع والتشويه  والاقتتال. 

أما من خلال الجسد اللوني لمختلف اللوحات الموظفة في أعماله البلورية فقد اختار بنالحاج أحمد الاستناد إلى الألوان الترابية و الألوان القاتمة جاعلا تراكيبه تسبح في فضاءات مطلقة أشبه بالحلم، موحية بالتّناقض بين الأشكال والخلفيّة. ذاك أنّ المساحة اللانهائية خلقتها أوضاع الشّخوص أنفسهم حينما ظهروا كما لو كانوا معلّقين في الفضاء، وفي هذه الحالة فإن الفراغ الذي يتّخذه بنالحاج أحمد لا يتمظهر في شكل طبيعي، حيث أن هدفه يصبح هدفا إدراكيا و ليس حسيّا، له صلة بالأفكار والحالات أكثر من صلته بالمظاهر الماديّة الحقيقية حيث نتلمّس وجود الأشكال داخل (فراغ مثالي) بدلا من وجودهم داخل فراغ معالج بأسلوب واقعي. ذلك ما نتبيّنه ضمن خلفية تراكيب لوحاته التي انبنت على خلائها من أي عنصر تشكيلي، حيث اكتفى فيهما بالإبقاء على نقاء الخلفية و احتواءها على نسيج لوني، و هذا ما يجعل لوحاته سابحة في فضاء أعلن وجوده بالقوّة ضمن تشكيل العناصر فيه بعد أن كانت موجودة بالفعل، فهدف من ثمّة إلى تحويل الأشكال إلى مجموعة من العناصر التي تتحرّك في عالم مطلق. ذاك أن بنالحاج قد صوّر الأشكال بصورة يصعب معها تحديد المكان و الزمان الذي وجدت فيهما عناصرها فتقود الفراغ إلى عالم مجهول لا حدود له. من هنا كان الفراغ محمّلا بالمعاني والمشاعر و المدركات الحسيّة والرّوحيّة على الرّغم من خلوّه من الأشياء فيتحوّل الفراغ المفتوح على مسطّح لوحاته إلى فراغ موح بالمشاعر والمعاني. هذا من ناحية كما أن تجربة بنالحاج أحمد تبدو مستفيضة تحتاج إلى مزيد من القراءة و التمعّن للبحث في طرق معالجته التشكيلية التي استند فيها إلى تقنية البلور المصهور و طريقة توظيفه للأكاسيد ضمن توضيفات أشكاله التي عرّاها من كل براثن اللباس، إضافة لدلالات الأشكال الكروية المعلقة والاختيارات اللونية والتلاعب بدرجة الفرن وغوصه في ألوان أكاسيده...

تحمّم البياض بالسّواد

نجد في جانب آخر من التجربة التشكيلية لبنالحاج احمد هروب وانزياح من البلور كمحمل وكخامة تكتسي طابع الشفافية نحو انزياح إلى العمل على ثنائيتي الأبيض  والأسود على محامل قماشية، إذ ما يمكن ان نلحظه من خلال هذه التجربة هو تشابك نسيجي لوني، إذ يتقاطع في هذه الأعمال التشكيلي والاجتماعي ضمن إعادة التفكيك عبر نسيج وتلاعبات خطيّة، يتم التنصّل فيها من نواميس اللباس وهندسة الفضاء و الظلال ليتم التلاعب بالنسب والمقاييس ليكون في التشكيل دعوة صريحة نحو مهادنة الغرائبي و العجيب ضمن تنبيه و إثارة الحواس، فنجد اللعب على ثنائيتي القيم الضوئية الأبيض والأسود  فتارة نجد الأسود يحمّم بياض الورقة و يفتح فيها مسارات ينتقل بين ثناياها في مسير المتمهل أو المسرع المذعور و أحيانا أخرى نجد الأبيض يفرض حضوره على صفيحة السواد المشكلة ليغرق التشكيل في التشكيل و البياض في السواد في البياض.

وبالتالي إن استعمال التباين القائم بين الفاتح و الداكن  و المتمثل في القيمة اللونية الأبيض والأسود ضمن استعمال تقنية المائيات المتمثلة في الحبر الصيني والأكرليك. إن هذا الاستعمال إذا ما أرجعناه إلى مصدره الإيحائي إنما سيحيلنا إلى الأبعاد الثقافية  والاجتماعية التي صنعت إثرها كأحداث اجتماعية ضاربة بجذورها في مبدأ الزمن. كتاريخية استعمال اللون الأسود .

وبالتالي فإن توظيف الأسود لم يكن من قبيل الاعتباطية - بل - لما تكتسيه هذه القيمة اللونية من أبعاد روحية و وجدانية، ومن ترسبات ثقافية اجتماعية، تاريخية يتم من خلالها ملاعبة الذاكرة فتحيا وتحيّن و تلبس الشخوص والفضاءات حلّة القيمة اللونية في اصطباغ مع مادة الحبر فقد استبطنت هذه اللوحات بعض الإشارات والرموز لتنفذ التركيبة من ثمّ  إلى الذهن لتخطّ عبر الأنامل في فضاءات اللّوحة بعد أن تتحمم بعطر الحبر الأسود.

كما أنّ استعمال القيم الضوئية لا ينفي حضور الألوان إذا ما ربطناه بالاكتشافات العلمية لـ"نيوتن"، الذي ربط علاقة اللّون بالضوء إثر تجربته التي بيّنت أنّ الضوء الأبيض للشّمس يتفكّك عند مروره بالمنشور ليفرز جملة من الألوان المتجاورة تعرف بالطيف والذي يتكوّن من ثلاثة ألوان رئيسية وهي الأحمر، الأزرق النيلي، والأخضر. وعندما تتداخل هذه الألوان تبرز ألوان أخرى كالبرتقالي والأصفر والسّيان والبنفسجي. و لقد اكتشف "يونغ" في القرن 19 أنّ هذه الألوان الضّوئيّة الثّلاثة الأساسية يمكن جمعها وإعادة تركيبها لتفضي من جديد إلى الأبيض، وإنّ ذلك ما يعرف بالتّوليف الجمعي ومن خلاله يصبح اللّون الأبيض في آن واحد غياب اللّون و حضور جميع الألوان، ضف إلى ذلك القيمة الضوئية (الأسود) الذي هو خلاصة التّوليف الطّرحي و الذي هو مزج لألوانه الأساسيّة الثّلاثة وهي الماجنتا، السّيان، الأصفر والتي هي ثانوية في التوليف الجمعي ومزجها سيفضي إلى الأسود.

وهكذا يمكن أن نعتبر أنّ هذه اللوحات قد أخفت حضور الألوان ضمن ثنايا ارتساماتها    وإنّ هذه التّقنية نجد جذورها في الشّرق الأقصى والتي كانت من أهم الطرائق المستعملة في التصوير، وكان الهدف منها الولوج إلى أبعد إدراكات الحسّ والعقل، ومحاولة الكشف واستكناه الحقيقة والمعنى الحقيقي الذي يكمن ويتخفّى وراء الطّبيعة.

فكما هو الشّأن بالنّسبة للفنان بنالحاج أحمد أو الفنان الشّرقي فإنّ كليهما تماهيا في الاستعمال التّقني إلا أنّ ذلك الأخير قد حوّل كلّ الدّرجات اللّونية إلى درجات القيمة الضوئية (الأسود) المختلفة، أمّا بنالحاج أحمد فقد حافظ على نقاء اللّون، عبر احتفاظه على القيمة اللّونية الأسود مع نظيرتها الأبيض. إن ذلك ما ساعد في أن يقرّب إلى النّفس جميع الذّبذبات التي تكمن وراء ألوان الطّبيعة، فيكثّف الحساسيّة ويخفّفها لتغدو ألوانا لا متناهية... هي عالمه الذي تتمازج فيه الأشكال كافة لتذوب من ثمّ في الأبيض و الأسود كما أسلفت بالذّكر آنفا..

هي ألوان تشتهي فيها النّفس أن يعدم فيها المكان و الزّمان و ينتفي الوجود إلا من الوجود (الذّات) لتصبح الذات ذات متأمّلة...حالمة...فتنفصل حتى عن ذاتها. ذاك أنّه في جميع اللّوحات لا نكاد نسدل الرّحال على رسم للظّلال ليصبح اللّون قد بنى جسدا لونيا مبتكرا ضمن ما أوجده من بنية ومفردات تشكيلية قد أجهضت الفضاء لينبئ بمرام وقراءات مختلفة. ذلك أن استعمال القيم اللّونية الأبيض والأسود، إنّما يرتبط بالواقع و الحدث الواقعي، من خلال ما تعيشه البلاد من حراك إبان الثورة، وما طفح على سطح الواقع من معاناة شعب مقموع و مقهور، ومن غليان اجتماعي مأتاه البحث عن كرامة فقدت أو تكون، ليتحوّل إلى قاصّ يروي لنا أحداث النهار في حلكة الليل. فلئن كان الأبيض نهاريا فاضحا لمعالم الوجود و الحياة، فإن السّواد ينبس عن عالم الظّلمة والسّكينة، عالم اللّيل الذي هو بطبعه عالم الحكايات والأقاصيص لتعلن بالتّالي ثنائية (الأبيض و الأسود) عن ثنائية اللّيل والنّهار ضدّ العتمة ليرتهنان بالحكاية، فكأن بنالحاج احمد من خلال هذا الاختيار أراد الإعلان عن نفسه كقاص تشكيلي جديد مغدقا بالتالي تشكيلاته مستعملا الحبر الصّيني والأكريليك صانعا بذلك مؤالفة غزلية بين الأبيض و الأسود.

خلافا للحفاظ على وحدة الجسد اللوني تأتي كل اللوحات محافظة على بعض التمات المشتركة، فنجد من خلالها الاستناد إلى بعض الأشكال الكروية التي نجدها محملة برسوم لوجوه شخوص أو نسيج خطي جسدي كما نجد الأجساد تتناحر نحو تلك الأشكال الكروية لتأتي من ثم نابسة برؤية دلالية جديدة لهذا الشكل الكروي فكأنها البويضة التي تكون مصدر الحياة الجنينية وميلاد الحياة، وهو ما لاحضناه من خلال تجربة البلوريات معه، إذ من خلالها يتم التناحر نحو البقاء و الوجود لتكون الحياة بهذا المنحى تناحر وعود على بدء في صورة تشكيلية جديدة، تأتي فيها الأشكال الكروية مرتبط بخطوط كأنها خط الحياة تتشكّل وفق تشكيلات محتوياتها، فكأنها إعادة إعلان عبر الخط عن مكنون الصورة المشكّلة، تأتي هذه الكرات معلّقة أحيانا في فضاء غرائبي ينتفي فيه تحديد المكان والزمان  تكون فيه الأشكال مغدقة في الفراغ ليصبح الفراغ كأحد العناصر الهامة في نسيج اللوحة شأنه شأن الخطوط و الأشكال و الألوان ليكون من العناصر الهامة في تكوين الصورة المرئية و اعتباره أحد عناصر الرؤية إذ يقول بنالحاج أحمد "إن الفراغ هو ذلك الكيان المهيب  الانهائي الذي يحيط بنا من كل جانب و الموجود بداخلنا.إنه هو الذي أحاول ان أعبر عليه من خلال الرسم" وبالتالي فإن بنالحاج أحمد قد زجّ بجسده ضمن التجربة الحسية و الذهنية في تماه و انصهار مع جسد المتلقي و إن ذلك ما اقتضى إلى تفعيل العملية الحسيّة عبر الغوص في المرئي انطلاقا من الجسد. يقول بنالحاج أحمد "إن جسدي ينتمي و يتفاعل مع الأجسام والأشياء المحيطة بنا". وبما أن تلك الأخيرة هي من حيثيات العالم فإن جسمي إنما من خصائصه التشابك و التفاعل مع العالم المحيط بنا باعتباره جزءا من هذه الأشياء و هذه الموجودات. و إن ذلك ما يؤكده "مارلو بونتي" إن جسمي المرئي والمتحرك هو في عداد الأشياء إنه واحد منها. وهو يتشابك في نسيج العالم. وتماسكه هو تماسك شيء ما، و لكن بما أنه يرى ويتحرك فهو يمسك بالأشياء في دائرة حوله و هي ملحقة به أو امتداد له ."[4]

وبالتالي فهناك تواصل و تماه تفاعلي بين جسم المشاهد و الأجسام المرئية، باعتبار تواشج العلاقة الجدلية. فالأثر المحيط بنا باعتباره أحد هذه الموجودات إنما يخلق جدلية و تماه بينه وبين الموجودات، فيتبطن الأشياء لا بمنظار خارجي بل بمنظار الأشياء فيه.

إن هذه العلاقة الجدلية لهي تلك التي أشار إليها "مارلو بونتي" في كتابه "العين والعقل" ضمن علاقة الفنان بالأشياء ورؤيته لها. فبات بهذا المنحى مركز الأشياء ذاتها، فيتلاشى كل انقسام بين الرائي والمرئي، وبالتالي يأتي الموجود الخارجي المتشتت ليتبطن في وجود داخلي متواجد برمته، ومنه يتحوّل الوجود الداخلي لينبسط في وجود خارجي، وإن هذه الحركة الدائرية الجدلية بين الداخل و الخارج ضمن الانبساط والتبطّن هي تلك التي أراد من خلالها المصور أن يقدم وجوده الداخلي عن طريق تصوير الوجود الخارجي. وهذا ما يؤكده قول "سيزان" "إن الطبيعة في الداخل"  وإن ذلك ما يؤكده " كلي" و يكرره "أندريه مارشان" ضمن ما  معناه ''إني أحسست عدة مرات و أنا في غابة بأني لم أكن أنا الذي ينظر إلى الغابة، أحسست في بعض الأيام أن الأشجار هي التي تنظر إلي و هي التي تكلمني ... وأني أنا كنت هنا أسمع ''[5]

و بالتالي ترتبط علاقة ما بين الوجود الداخلي المتبطّن والوجود الظاهري المحسوس لتحدد بالتالي علاقة ما بين الإنسان المدرك لهذه الموجودات ضمن حيز زماني ومكاني نتبطن هذه الظواهر و المرئيات المدركة لتعاد التشكل في فضاءات وأزمنة جديدة انطلاقا من مكتسباتنا الذاتية. "إن الصورة العقلية رسمت من هذا المنطلق ضمن المخزون  الذهني الخاص لبنالحاج أحمد، ولكن إذا لم تكن الصورة العقلية في الواقع شيئا من هذا القبيل، فإن الرسم و اللوحة لا ّينتميان أكثر منها إلى ما يوجد في ذاته، إنهما داخل الخارج وخارج الداخل و هذا ما يجعل ازدواج الإحساس أمرا ممكنا، وما بدونه لن نفهم أبدا ما يتسم به الخيالي من كونه شبه حاضر.[6] ليبيت العمل معه على هذا النحو انفتاح على الممكن و اللامنتظر

قائمة المراجع:


 

[1] PASSERON René, Pour une Philosophie de la création, Paris, Éditions KLINCKSIECK, p.9

« Ce n’est pas seulement la peinture qu’on regarde, c’est aussi le peintre »

[2]  FOCILLON Henri, La Vie des Formes, Éditions P.U.F., 1970, p.128

«  L’esprit fait la main, la main fait l’esprit. (…) Elle apprend à l’homme à posséder l’étendue, le poids, la densité, le nombre. Créant un univers inédit, elle y laisse partout son empreinte... Educatrice de l’homme, elle le multiplie dans l’espace et dans le temps. »

[3] SOURIAU Etienne, La correspondance des Arts Eléments d’esthétique comparée, Paris, Flammarion, 1969 p.647

« C’est de l’interaction combinatoire et simultanée de tous les éléments picturaux que surgit le tableau. »

[4] MERLEAU PONTY Maurice, L’œil et l’esprit, édition Gallimard, 1964, p19

  « Mon corps  est nombre des choses, il est l’une d’elles,  il est pris dans le tissu du monde et sa cohésion est celle d’une chose. Mais puisqu’ il voit et se ment  il tient  les  choses en cercle autour de soi,  elles  sont une annexe ou un prolongement de lui – même »

[5] الدكتور الحبيب الشاروني٬ تقديم و ترجمة لكتاب العين و العقل٬ طبعة منشاة المعارف بالاسكندرية٬ ص13

[6]  MERLEAU PONTY Maurice, L’œil et l’esprit, édition Gallimard, 1964, p23

 « L image mental un dessin de ce genre dans notre bric – à – brac  privé mais  si en effet elle n’est rien de pareil  le dessin et le tableau n’appartiennent pas plus qu’elle à l’en soi. Ils sont le dedans du dehors et le dehors du dedans que rend possible la publicité du sentir et sans lesquels on ne comprendra jamais la quasi présence et la visibilité imminente qui font tous le problème de l’imaginaire »

  •  

  •  

  • نسيج الجسد من نسيج الثورة
    قراءة في تجربة الفنان رياض بنالحاج أحمد
     إيمان دوزي: باحثة جامعية- تونس

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

01/10/2013

تشكيل الحياة