سامي بن عامر : تقنيات مزّدوجة على لوح

سامي بن عامر تقنيات مزّدوجة على لوح
سامي بن عامر : جنيني2: تقنيات مزدوجة على لوح
 
 
 
 
 
  •  

  •  

  • سامي بن عامر:
    الفعل التشكيلي والحكم الجمالي متداخلان. فالمغامرة التشكيلية تفرض مغامرة جمالية. والتساؤل الجمالي، هو جزء هام وضمني للفعل الإبداعي أو هو تواصل طبيعي له. الفكر في خدمة اللامتوقع المفضي إلى تلقائية وإلى عفوية موظفة، هذا هو الشرط الذي التزمت به وما زلت، في ممارستي التشكيلية.

    سامي بن عامر
    مقال:جدلية الفكر والصدّفة في أعمالي الفنّية


يحكي الفنّ فنرى ونسمع وربّما نتساءل عن كنه اللّغة التي ينطق بها، هل هي وليدة إرهاصات داخلية أم وليدة جذّب ونفر خارجي ،أم وليدة لحظة انطولوجية تتعانق فيها الفكّرة بالمادة ، أم لحظة تفرض فيها المادة خصائصها وأبجدياتها وربّما أسرارها؟
أو ربّما هي لحظة ولادة عسيرة لمولود إبداعي "فمن ولادة المولود مثلا وخروجه من حّيز القوة إلى حيّز الفعل،من حيّز الممكن إلى حيّز الوجود، تكون شرارة لتصّور ولادة الكون وخروجه من حيّز الفكرة إلى حيّز الفعل وانتقاله من الأشكال المطلقة إلى أشكال المادة "1.
هي لحظات مقدسة اعتمرت في وادي النشوة الروحية التي تسبق عملية الإبداع ، فنصبح نتحدث عن "ولادة اللوحة الفن ّوعن الأم التي تخمرت في وجدانها،هذه اللوحة حتى إذا حانت ساعة لإفرازها وإخراجها إلى الوجود"2.
يتكّلم الفنّ لغة مشفّرة، ويتكدس على المحمل أنواع شتى من المواد والألوان ، فتنطق لغة يمتزج فيها الواقعيّ بالخياليّ ، هكذا هي أعمال الفنّان التونسي "سامي بن عامر" تتقارب فيها الصور والأشكال والخامات والخطوط السابحة داخل الفضاء التصويري الساكن فتحوي داخلها نسق دلالي رمزي ، ليختزل الاستعارات الصورية والشكّلية للعالم الخارجي بصنّفيه الخيّر والشرّ، فتحكى الألوان داخل الفضاء :تأتى أحيانا في شكل مختزل يقتصر على استعمال الألوان الأوليّة"الأصفر و الأحمر و الأزرق " واستعمال خطوط أساسية لإظهار الشكل وأحيانا أخرى تستعير علامات وزخارف هي اقرب إلى الموروث العربي لتتجاوز اللوحة التشكيليّة مع الفنّان المستوى البصري ، لتنفذ إلى أبعاد فكّرية وحضاريّة.
هكذا اختار الفنّان ، أنّ يكون حضور أشكاله وألوانّه حضورا سميولوجيا ، يتّخذ فيها الخط واللون والشكل والخامة وسيطا تعبيريّا، معولا على الطاقة الفنّية الكامنة داخلها وفق اختياراته التركيبيّة.
اختار أنّ تكون الخامة سبيله في بناء لغة تشكيليّة متميّزة في تونس، أراد أنّ يرسم بالمادة فينطق بلغة مشفّرة يتوجب على مؤولها أنّ يتجهز بجهاز لغوي تشّكلي حتى يتمكّن من فكّها وفق نسق دلالي عميّق يستند إلى مرجعيّة فكّرية وفنيّة .
أشكال مركّبة تسبح في جلّ أعماله تقريّبا ، وانّ تغير نظام توزيعها أو نظام بناءها أو حتى نسق تركيبها ، هي نتيجة عملية ذهنيّة واعية غير اعتباطية تستمد مرجعيتّها من اللاوعي ويقول الفنّان سامي بن عامر في هذا المجال": تصبح التقنية مبّدعة عندما ينظر إليها لا كوسيلة بل كعنصر مثير للإبداع، يعني، عندما نعمل على توخي طرق جديدة، لنبرز علاقات مادية مغايرة وطريفة. عندما لا نكتفي باعتماد نفس الخامة ونفس الأداة، فنمتحن خامات وأدوات أخرى. عندما نصطدم بالحواجز ونعمل على تخطيها. فاستكشاف التقنيات ليس إثراء لوسائل العمل، بل تنويعا في المضامين التشكيلية الممكنة ذاتها. غير أن ّتحقيق ذلك لا يمكن أن يحدث دون الوقوع في الخطإ ودون التلمس والندم. الخطأ يثري الإبداع."3
لتصبح اللوحة خاضعة لمنطق التحليل والتأويل ، أو ربّما الوصف ، وهنا يتضح أنّ هاجس الشكل الذي يتوزع داخل الفضاء المتحرك الساكن ، ساكن بألوانه ومتحرك بشخوصه.متحرك بخاماته ومواده الهجينة والمتضاربة المتكدسة في فضاء كاوتتى.
أراد "بن عامر " من التلاعب بالمستويات أن يكون سمته الفنّية المميّزة ، فبنى أشكاله في فضاء تصويري مشبع غير أرضى ، واختار من محمله أنّ يكون بسيط مركّب من العجائن المادية والمواد المضافة ، أراد أن تكون أعماله مساحة تتجلى فيها جماليّة الألوان الهجينة المخلوطة ، فجاء خطابه ألتشكلي مباشر وفي ألان نفسه غارق في الترميز .
أشكال وألوان أولية وثانوية وخطوط بسيطة بقلم جاف أو ربّما بقلم رصاص وخامات متنوعة أتربة وجبس وجسّ، هي اقرب إلى مخيّلة الطفل ببراءته وبساطة تركيبه ،ولكن قوة الفناّن وتميزه ألتشكلي هو كيّفية بناء خطاب تشكيلي ثري مستند إلى " وسائط هجينة مختلفة " بنى بها خطابه التشكيلي المتميّز حتى أصبح جسد الفنّان متماهي مع جسد اللوحة .
فمن جسد اللوحة ومن تراكب الألوان والخامات ينبثق خط رقيق ليحكى قصة رحلة من بساطة فعل التكوين والخربشة إلى ثراء التكوين وفعل التأويل": إن أسرار الأثر وأسرار مبدعه لا تعطى في الأثر ،فبعد الاكتمال يخفي الأثر أسراره ويحفظها بعناية الطفل ، فيما وراء السطح فيما وراء الظاهر ، في الأعماق ، وما قد يرشح منها على السطح الطريقة التي ينعطى بها بشكل أو بأخر ثم ما قد يبدو منها للنظر ليس بالضرورة بديهياّ"4.
إنّ رؤية "سامى بن عامر " التشكيليّة تحتكم إلى التبسيط والتعقيد في الأشكال المستعملة في الآن نفسه ، ورؤيته التألفية متأثرة إلى حد كبير بالرماديات الملّونة التي تتيحها الألوان الممزوجة بالخامات والمختلفة في الأصل الفزيولوجي .
المغامرة هي التي احتكم إليها الفنان في مساره الإنشائي ،وكانت فيها وسائطه الأساسية لون، شكل، خامات ، دليله في الإبداع صور وأشكال في محمل يصوغها بإحساس فتنقل لنا إرادته اللامتناهية المحتكمة إلى المنحى الكاوتتى فتمنح الحياة والحركة لسطح التصويري الجامد وتجعلها تعيش لحظة البدء.

تشهد هذه اللوحة حركية متأتية من الاستعمال المكثّف للألوان بدراجاتها المتقاربة والمختلفة بالإضافة إلى الخطوط المزدحمة والمتقاطعة ، لترسم لنا مشهدا وفقي وتر إيقاعي متميز أشبه برحم امرأة من خلال احتكام الفنان إلى اللون اللاخضر والذي يحيل مشهديا إلى شكل كروي ، فاللوحة تجريدية تكتنز تعبيرية تجمع لحظات متعدّدة من الألم والتقلّب ، فبن عامر من خلال هذا العمل سعى إلى تجميع خامات متداخلة في فضاء متحرك مدعم بألوان متشافة وقاتمة، لتخلق مستويات في العمل .
فالشكلي اتخذا نظاما لا شكليا ، وأشكال المستويات تمت معالجته بحنكة اختزالية وذلك من خلال احتكامه إلى أشكال منحنية بسيطة ،وهو بذلك يعكس تمكّنه وسيطرته على فضاءه التصويري بأسلوب فنّي مستحدث ، يسمح برؤية الموضوع الواحد من خلال أوجه متعددة
أسلوب اختزالي لا يبقى من الشيء سوى ما يشبه الذكرى المتلاشية ـ لتصبح الأشكال والألوان والخطوط في مساحته التصويرية تكوينات لونية تعكس عالمه الذاتيّ الداخلي وبّما اللاواعي .
يتصارع اللون الأخضر المشّع على كامل اللوحة مع الأصفر في مستوى من العمل مما يخلق إيقاعا، ليتلاحق تباعا اللون والشكل والمساحة، مما يسمح بالقول بان اللوحة تتسم بحركية وحيوية لا متناهية على مستوى توزيع الألوان والأشكال التي تتسابق وتتلاحق من خلال إيقاعات غير منتظمة .
إن ابرز ما يميز أسلوب الفنّان تشكيليا، هو ميزة أسلوبه التصويري اللا شكلي، حيث أن الأشكال في لوحته متمرّدة لا يمكننا تبوبها في خانة معيّنة ، الأمر الذي جعل من تجربة الفنان تصويرية تتسم باللاشكلية .


المراجع:
1-بيده الحبيب ،"مجلة الحياة الثقافية" السنة25-العدد119-نوفمبر2000ص9.
2-بيده الحبيب المرجع السابق ص9.
3-بن عامر سامي: مقال جدلية الفكر والصدّفة منن خلال قراءة لأعمالي الفنّية.
4-النجار سلوى، جمالية العلاقة النحوية في النص الفني الطبعة الأولى سبتمبر 2006 مطبعة التسفير الفني صفاقس ص153.

  •  

  •  

  • الرهان التشكيلي واختراق حدود المادة في أعمال الفنان التشكيلي التونسي :سامي بن عامر
    الباحثة والتشكيلية التونسية:يامنة الجراي

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

02/12/2013

تشكيل الحياة