• بيار صادق رسام الكاريكاتير اللبناني الذي وصفه معاصروه بأنه رائد من رواد الكاريكاتير السياسي، كان ذلك المدافع الكبير عن حرية التعبير. وقد نشرت رسوماته في العديد من الصحف وأهمها صحف "العمل" و"الأنوار"، و"النهار" و"الديار"، وكذلك في المجلات ووكالات الأنباء العالمية المعروفة على نطاق واسع مثل الـ"تايم" و"فرانس سوار" و"واشنطن بوست".

"أسلوبه سهل ولكنه ممتنع وبليغ" – هذا ما وُصِف به فن بيار صادق الذي رسم مدى أكثر من نصف قرن رسوماً ساخرة، عبر فيها عن الواقع اللبناني، حتى وفاته في نيسان عام 2013 [1، ص 56].

كان بيار صادق متمرداً بطبيعته، شغوفاً بالحرية. ولم يكن يصعب عليه يوماً العثور على موضوع يقاربه من ضمن كمٍّ كبير من الأخبار والأحداث في لبنان والبلاد المجاورة، والأهم من ذلك، التعبيرُ عن الفكرة التي تراوده، وهذا ليس بالأمر السهل في ظل الظروف المعقدة سياسيا في لبنان.

لقد برع بيار صادق في تسجيل الأحداث السياسية ضمن مقاربة فنية غير مبتذلة. فهو قرأها على طريقته، وعبر عنها بريشته وأسلوبه الساخر وغير التقليدي من خلال شخصية "توما" التي ترمز إلى المواطن اللبناني، هذا الذي لم يعد يصدق أحداً من السياسيين المحترفين بعد أن سئم الانتظار الى ما لا نهاية له، والذي ما انفك يعول على الله أو القدر لينتشله من الوضع الصعب الذي حُشِر فيه، إن خلال الحرب الأهلية أو بعدها (الرسم 1). كان موقف هذا الفنان دائما إلى جانب شعبه، وفي صفوف الناس العاديين الذين عايشهم.

وقد تمكن بيار صادق من الحفاظ على استقلاليته وعدم تحزبه. فعلى الرغم من أنه كان يعمل مع العديد من وسائل الإعلام المسيسة، ظل دائما ذاك الفنان غير المنتسب إلى أي حزب، وآثر الحفاظ على استقلاليته وعلى نهجه كمتمرد وعلى بعض من أفكاره "الاستفزازية". فهو لم يكن يتخيل نفسه رسام كاريكاتير غير حر. وكان يعارض أي رقابة تفرض على الرأي الحر.

بعد تخرجه من الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (ألبا) ، التزم بيار صادق، وهو لا يزال بعد طالبا، العمل مع وسائل الإعلام اللبنانية. وبات آنذاك رسام الكاريكاتير اللبناني الثالث بعد ديران عجميان وخليل الأشقر. وكان أول من امتهن ابتداء من العام 1980 رسم الكاريكاتور السياسي والرسوم المتحركة للتلفزيون، وتحديداً لقناة الـ"إل.بي.سي." اللبنانية (المؤسسة اللبنانية للإرسال). وكانت رسومات صادق تكشف القناع دائما عن كنه وجوهر أي حدث. ومع ذلك، لم يكن كل ما عمله وأبدعه محل تقدير وإثناء. فحتى في أوساط بعض المثقفين، كمثل أصحاب الصحف، لم يلق التفهم اللازم لما كان يأتيه من نكتة ساخرة.

بدأ بيار صادق مسيرته الإبداعية في خمسينيات القرن الماضي في مجلة "الصياد" الأسبوعية الواسعة الانتشار آنذاك. وفي وقت لاحق راح يعمل في صحيفة "الانوار"، ثم تعاون مع صحيفة "النهار" كبرى الصحف اللبنانية. نشاطه هذا أثر أيما تأثير في توجهه السياسي والإبداعي، وشحذ يقظته كرسام كاريكاتير. وقد انتُقِد غير مرة على رسومه الكاريكاتورية الجريئة والدقيقة الموجهة لشخص الرئيس المصري جمال عبد الناصر.

خلال الحرب الأهلية اللبنانية غادر بيار صادق صحيفة "النهار " لأسباب تتعلق بسلامته الشخصية إذ كان يعيش في الجزء الشرقي من العاصمة اللبنانية المنقسمة آنذاك على نفسها. ثم عاد للعمل في الصحيفة إياها في العام 1992، بعد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها، ولكن بشرط واحد ... هو ألا يكون ملتزماً سياسيا وأن يبقى محتفظاً بحرية الخلق والإبداع. والشروط نفسها طرحها للتعاون مع صحيفة "العمل"، لسان حال حزب الكتائب المسيحي اليميني.

وكفنان صادق مع نفسه تميز بيار صادق بالجرأة، وربما بالقدرة على تبصر الأمور قبل حدوثها. يشير إلى هذا بين أشياء أخرى الكاريكاتير الذي نشر في عام 2003 في صحيفة "النهار" وفيه "صوّر رفيق الحريري الذي في خلال ممارسته اليوغا.، بدلا من أن يستشعر راحة الأعصاب، لم يكفّ عن أن يطلب راحة النفس لكمال جنبلاط. والإشارة هنا واضحة: إلى مقتل كمال  جنبلاط..." – هذا ما كتبه مؤلف إحدى المقالات الإسرائيلي ديفيد شيشتر بُعيد اغتيال رفيق الحريري في عام 2006 [3].

قال بيار صادق ذات مرة: "عندما أرسم لا أفكر في الخوف من التهديدات. أعيش القلق مع رسوماتي وابطالي. لا أفكر في نفسي وفي ذويّ وأقربائي، بل أفكر في ما أرسمه، ليس إلا" [1، ص 57، 2، 3]. وأعرب عن اقتناعه بأن "أي لبناني يجب أن يُعِِزّ الحرية، وإن يحافظ عليها بقرّة العين. أفليس لبنان هو البلد الأول المنفتح على الحرية في العالم العربي؟"... وكان يعتقد أن " اللبنانيين لا يفهمون مغزى تلك الثورات والتغيرات التي تحدث من حولهم". وهو في هذا الموقف المعلن عكس الأجواء السائدة آنذاك في أوساط الطبقات المتوسطة وخاصة الرأي العام المسيحي المتأثر بالغرب وغير المتعاطف عموماً مع الثورات العربية المعادية في آن للاستعمار وللطبقات الاجتماعية التي كانت على ارتباط بالغرب من إقطاعيين وأغنياء، تلك الثورات التي كانت رائدتها ثورة عبد الناصر عام 1952 والتي حظيت لاحقا بالدعم السوفياتي، فأسفرت في الواقع في وجه من أوجهها عن هروب رساميل الطبقات المرفهة من البلدان العربية الثورية إلى لبنان، البلد ذي الاقتصاد الرأسمالي الحر والسياسة البنكية المعتمدة على السرية المصرفية. وقد أفضى هذا بدوره إلى استفادة الطبقة البرجوازية اللبنانية الكبيرة بصورة غير مباشرة من تلك الثورات ومعها - نسبياً - الطبقات الوسطى، أي البرجوازية الصغيرة. وكان بيار صادق يشير إلى أن السياسيين "يعتبرون مواطنينا الصابرين على الضيم حمقى وجهلاء" ... وإلى أن لا بد من تمكين الناس من العيش في سلام كي يتقاربوا في ما بينهم ويضعوا موضع التطبيق العملي شعار التعايش الطائفي" [6. ص 57]. لذا كان متحمسا جدا للتعبير عن أفكارهم وراح ينقل هذه الأفكار إلى الجمهور الواسع من خلال  الرسم الكاريكاتوري والملصق.

مُنِح بيار صادق أرفع جائزة في الجمهورية اللبنانية هي وسام الأرز الوطني وجوائز عالمية. وعرِضت أعماله في لبنان وخارجه. ومن بين كتبه: "كاريكاتور صادق" و"اضحك مع بيار صادق على السياسيين" و"كلنا عالوطن" و"بشير". والأخير مخصص لبطل الحرب الأهلية الزعيم المسيحي اليميني بشير الجميل [7].

بيار صادق معروف جيدا بتفاعله الشديد مع الأحداث كفنان مارس فن الملصق. فهو في خلال الحرب الأهلية في لبنان، مثله مثل العديد غيره من الفنانين في لبنان، نفذ ملصقات ذات طابع حربي وسياسي. وكانت تلك الملصقات تدعم مواقف وأهداف حزبين مسيحيين يمينيين هما "الكتائب اللبنانية" و"القوات اللبنانية". ويمكن تعريف العديد من الملصقات التي نفذها بيار صادق بأنها، بحسب التعبير الشائع في فن الغرافيك، ملصقات ندائية ( تجنيدية) أو بطولية. من بينها، على سبيل المثال، الملصق الشهير "لبناننا بحاجة إليك أنت"، وهو قريب جداً من حيث تنفيذه بالملصق السوفياتي في سني الحرب الأهلية العجاف 1918-1921 الذي كتب عليه: "أنت .. هل تطوعت"؟ لفنان الملصقات دميتري مور (شهرته الحقيقية أرلوف). فهذه الإيماءة الصارمة بالإصبع، الموجهة إلى كل من يصادف الملصق المذكور، معروفة لدى الكثيرين من المختصين والمهتمين. 

فحدة التوتر في كيفية التوجه إلى الناظر إلى هذا الملصق، والثقة في أن التفاعل مع هذا التوجه أكيد وحتمي، تخلقان شعوراً بتشابه كلتا الطريقتين في التنفيذ الفني. ولقد وصف فنان الملصقات فيكتور كورِتسكي عملَ مور هذا " في كتابه "ملاحظات فنان ملصقات" [12، ص 34] بالقول: "إن النبرة العالية المتفائلة على نحو غير عادي عاطفيا لَتكشفُ معناها الذي سيكون من شأنه إثارة الشخص الموجه إليه هذا النداء القاطع من قبل الجيش الأحمر".

ويمكن أن تعزى هذه الكلمات بحق إلى ملصق بيار صادق أيضا حين يقول: "لبناننا بحاجة إليك أنت"، هذا الملصق المصمَّمِ خصيصاً لـ"القوات اللبنانية".

ومثلما بدأ بيار صادق نشاطه كفنان ملصقات من خلال تنفيذ رسوم ساخرة لإحدى المجلات، أتى مور إلى فن الملصقات السياسية كفنان مكتمل المعرفة والخبرة. ولكن الحقبة الثورية التي ولّدت هذا الملصق بالذات، كما يقول كورِتسكي (1909-1998)، "جعلت منه فناناً وداعيةً بارزاً" [5، ص 32]. ففي بلاد السوفييت "كان الملصق سلاحاً قتالياً فعالاً،  وكان يُنظَر إلى تعطله كالنظر إلى تعطل السلاح إياه" [5، ص 24].

الملصق الشهير لبيار صادق "لبناننا بحاجة إليك أنت" خصِّص لزعيم الجناح العسكري لحزب الكتائب بشير الجميل الذي أصبح لاحقاً رئيسا للجمهورية اللبنانية لفترة قصيرة جداً (إذ اغتيل مع بعض رفاقه بعيد انتخابه).

وثمة ملصق آخر شهير لبيار صادق هو "متابعة المسيرة. القوات اللبنانية"، ويعكس اللحظة الفعلية للأعمال العسكرية، وهو مكرس أيضا للقضية التي عمل من أجلها بشير الجميل. ويمكن تفسير هذا النوع "الشخصاني" من الملصقات بما أورده كورتسكي في مؤلفه عن الملصق السوفياتي زمن الحرب الأهلية: "في سنوات التدخل العسكري والحرب الأهلية بدأت تظهر ملصقات تحمل صورة محددة للعدو أو صورة لجندي محدد في الجيش الأحمر، أو تصوِّر واقعاً محدداً من وقائع الحياة " [5، ص 24] (الرسمان 4 و5). 

 وهناك عدد كبير من الملصقات كرسها بيار صادق لأحداث هامة جرت في البلاد ولمناسبات يوبيلية، وهو ما تؤكده النصوص الخاصة بها. وهي ما يسمى بالملصقات المونوغرافية أو التخصيصية (وفقا لتصنيف الباحث ورسام الملصقات السوفياتي فيكتور إيفانوف للملصق [6، ص 7]. فملصقات مثل: "23 آب. القوات اللبنانية". 1980 (الرسم 6) و"الكتائب اللبنانية- 46 سنةً في خدمة لبنان حتى الاستشهاد"، 1983 (الرسم 7) و"الذكرى الـ 45 لحزب الكتائب اللبنانية". 1981 (الرسم 8)، وما إلى ذلك – تتميز بما يكفي من البلاغة والقدرة على النفاذ إلى أفئدة المحازبين. والتركيز هنا هو على المغزى والمعنى أكثر مما على المبنى الفني المتنوع. والتواصلية التي يؤمنها الملصق تعزز وتقوي الرموز التي يفهمها اللبنانيون ويجلّونها. والفنان هنا يتعامل مع لون الخلفية، ومع الأجزاء الكبيرة من دون أن يفرِط في التفصيل أي في تعقيد التركيبة (أو التوليفة) بالتفاصيل غير الضرورية. 

وبخلاف العديد من الملصقات التي أبدعها في لبنان في الوقت نفسه فنانون لبنانيون آخرون، تتميز ملصقات بيار صادق بالمهنية العالية والحداثة. فهناك الملصق الرائع الذي يستعد فيه للتحليق على خلفية سوداء طائر أبيض اللون، وكأنه ينوح على ذكرى أولئك الذين رحلوا، وعلى رأسهم بشير، ولكن ذكراهم لا تزال حية في القلوب كأبطال ميامين ضحوا في سبيل الوطن (الرسم 7). في هذا الملصق تمكن الفنان من نقل الأسى المجبول بالتفاؤل والثبات والصمود إلى الرائي، وهو ما تظهره في التأليف الأرزة الخضراء المؤسلبة كرمز للحزب. فـ"أي تفصيل في محله يتم العثور عليه فيثيرُ خواطر محددة يتنامى ليصبح بمثابة رمز. ورمزية الصور خاصية من الخاصيات الرئيسية للملصق" (6، ص 10).

إن صياغة الموضوع، بالإضافة إلى اختياره، عامل مهم جداً في النشاط الإبداعي لممتهني صناعة الملصقات من الفنانين. فـ"حين يتم التوقف عند موضوع محدد، يجب على الفنان أن يقرر ما هو طابع أو نوع الملصق الذي  يطابقه"، - هذا ما كان يوضحه لطلابه أستاذ الأسس المنهجية لصنع الملصق في معهد الطباعة بموسكو غليب غوروشِنكو، الذي تَلمَذَ هو نفسه لدميتري مور.

إن نوع الملصق يعتمد بالدرجة الأولى على الموضوع: "... فالملصق المفترض له من حيث الموضوع... أن يشاهَد مشاهدةً مديدة قد يكون أكثر تفصيلا، وأقرب إلى اللوحة الفنية منه إلى الملصق الذي خصِّص لحدث جرى في وقت معين، لمهرجان أو تجمع معين، لخطاب أو حملة قصيرة الأجل أو احتفال طارئ". كذلك: "الصورة الفنية في الملصق يجب أن تركَّب وتولَّف على الفور مع عناصر الخط" بما أن من الملائم "توليفها مع الصورة ككل واحد" [7، ص 37].

يضم بيار صادق الكتابة العربية في ملصقاته إلى مجمل التوليفة الغرافيكية والرسم ضماً منسجماً متناغماً. فالتعليق النصّي ليس مجرد ملحق، بل هو عنصر من عناصرِ كلٍّ متكامل.

"... فخارج الصورة الفنية العميقة والقوية التي يعبر عنها الملصق لن تكون له فعالية حيوية". والامتثال مباشرة لجميع المتطلبات العادلة وللمسلَّمة الرائدة، وهو ما يشير إليه كل أساتذة فن الملصق، نجده في جميع أعمال بيار صادق.

وطريقة تصوير الحالة النفسية، بكشف النقاب عن المعاناة الروحية العميقة، تتجلى بقوة خاصة في الملصقات العسكرية والسياسية التي كرسها بيار صادق لحادثة رحيل بشير الجميل المأساوية. وأيضا في ملصقات مثل "لبنان (كإكليل شوك على رأس بشير)" (الرسم 5) و"على خشبة الصليب" (الرسم 9)، يعبر الفنان بيار صادق عن الحزن الصادق، كما لو أنه نواح ونحيب على شاب استشهد وهو في مقتبل العمر، قائد عسكري فذّ وذي كاريزما من قادة اليمين المسيحي، قدم حياته من أجل القضية التي يؤمن بها. هذه الملصقات ذات رمزية ومجازية تصويرية. والرموز مأخوذة من تقاليد الدين المسيحي: إكليل الشوك والصليب.

ثمة عنصر آخر مهم جداً من عناصر الجودة العاطفية لشكل الملصق يصفه الفنانون بأنه الضخامة، أو المهابة. يوضح فيكتور إيفانوف فكرة الضخامة أو المهابة فيقول: "... ترتبط بمفهوم الضخامة أو المهابة في ذهننا فكرة مفادها أن ثمة شيئاً ليس فقط كبيراً وضخماً، بل أيضا عظيم، مهيب، جليل، سامٍ، أي أن الضخامة والعظمة والمهابة ليست فقط في الشكل، بل أيضاً بالضرورة في المحتوى والمضمون". ولذلك ليست خاصية العظمة والمهابة مرتبطة فقط بتفسير الشكل، بل هي أكثر تعتمد على تفسير المضمون [6، ص 52].

وفي ملصق "دير القمر" (الرسم 10) الذي هو بمثابة صدى للأحداث المأساوية في جبل لبنان (الاشتباكات المسلحة بين المسيحيين والدروز) يصور بيار صادق امرأة مع طفليها على خلفية باردة زرقاء داكنة، وقد تجمدوا في مكانهم كتمثال بسبب الرعب الذي تعيشه هذه العائلة من جراء الأحداث التي تدور من حولها. ففي وضعيتهم وتعابير وجوههم يمكن على حد سواء رؤية القلق والأمل في إيجاد حل سريع لهذا الصراع الدموي. الملصق ذو جلال وشموخ بالضبط لما في الصورة مما يشبه مجموعة نحتية تتجسد فيها دراما الأحداث كلها.

ملصقات بيار صادق ذات مغزى ومضمون، مفعمة بالنزعة العاطفية، مقتضبة وبليغة. ومن أهم خاصياتها قدرتها على التواصل مع الجمهور والنفاذ إلى عقول وأفئدة الناس من خلال تعبيرها عن الجوهر والمحتوى الرئيسي للحدث (الفكرة) تعبيراً واضحاً للجميع. وهي تطابق تعريف أساتذة فن الملصق السوفياتي لجهة كونها تتميز بنوعية فنية جيدة، وهذا يعني أن الفن يمكنه أن يكون أداة قوية لتمرير أفكار سياسية وإيديولوجية محددة إلى الجماهير. في هذا السياق يقول كورِتسكي: "إن المسألة المتعلقة بمجموع التقنيات والطرائق التي تجعل الملصق أشد فاعلية ليست بالكلام الفارغ أو الزائد عن اللزوم، بل هي على عكس ذلك تتسم بأهمية بالغة (5، ص 7).... فـ"الملصق هو قبل أي شيء آخر نوع من أنواع الأدب السياسي والاجتماعي" (5، ص 13).

مع بداية الحرب الأهلية عام 1975، تغير لبنان الذي كان يقف سياسياً موقف الحياد الإيجابي والذي كان فنانوه يرسمون اللوحات ذات المواضيع المحايدة ( المناظر الطبيعية ورسوم البورتريه وما شابه)، تغيراً شديداً في هذا المجال، كما يقول عدنان شرارة في موجز أطروحته (8، ص 29). فقد تسببت الاضطرابات والاشتباكات السياسية والعسكرية في البلاد في ظهور النوع الجديد من الفنون الذي هو الملصق السياسي. وبات موضوع الملصق الرئيسي هو موضوع الصراع. وكتبت زينة معاصري (9، ص 41) استناداً إلى رأي علي وجدان (10): "مع سقوط النير الاستعماري الغربي الذي خيم على المنطقة، اجتاحت مشاعر القومية القوية والبحث عن الهوية الثقافية البلدان والشعوب العربية" و "هذه الصحوة الثقافية بالذات أدت إلى المرحلة الثالثة من تطور الفن المعاصر في العالم العربي".

لقد أسهمت الاشتباكات السياسية والعسكرية التي تسببت في موجة غضب عارمة في البلاد، في تسييس الجماهير تسييساً شديداً، لا سيما المثقفين والفنانين، ما أدى فعلاً إلى ظهور نوع فني جديد هو الملصق السياسي. فأصبح موضوع الصراع موضوعاً رئيسياً في الرسم الغرافيكي اللبناني. ومن خلال أعمال بيار صادق، رسومه الكاركاتورية وملصقاته، بات ممكناً تعرّف مسار الأحداث والوجه الحقيقي للوضع والصراع السياسي في البلاد. ذلك أن "التحريض السياسي الحقيقي يجعل المرء يرى من خلال حقيقة ملموسة ومحددة القضيةَ بشموليتها" [5، الصفحة 17].


المراجع

1.                          الصواف، المعتزّ. طش فش. البحث عن الصديق مستمر. ، لبنان، دار الآداب، 2012 - 71 صفحة.

2.                          صادق، بيار. كلنا عالوطن. بيروت - 150 صفحة.

3.                           شيشتر، ديفيد. مقتل الحريري - البصمات السورية ( 15 آذار 2005) ttp://www.alefmagazine.com/pub565.html  http://www.7kanal.com/article.php3؟id=203159

4.                          خودر ، باتريثيا. بيار صادق: يرسم ملامح لبنان منذ أربعين عاما. شبكة الصحافة العربية. http://www.arabpressnetwork.org/articlesv2.php?id=2178&lang=ar

5.                           كورِتسكي، فيكتور (1909، كييف)، ملاحظات فنان ملصقات. موسكو، دار "ارسام السوفياتي، 1958- 168 صفحة.

6.                           ايفانوف، فلاديمير. كيف يُصنع الملصق. موسكو : دار النشر التابعة لأكاديمية الفنون السوفياتية، 1963 – 64 صفحة.

7.                           غوروشنكو، غليب. الملصق. محاضرات لطلاب كلية الفنون. كتاب تدريس. M. : معهد الطباعة، موسكو، 1961 – 48 صفحة.

8.                          شرارة، عدنان. الملصق السياسي في لبنان 1970-1985، ملخص أطروحة باللغة العربية، 1985 - 76 صفحة.

9.                          Maasri, Zeina. Off the Wall. Political Posters of the Lebanese Civil War. London: I.B. Tauris & Co Ltd, 2009. 137 p.

10.                      Ali, Wijdan. Modern Islamic Art: Development and Continuity. Gainesville: University Press of Florida, 1997. 225

11.                      Jabre, Wassim. Lebanese Resistance Posters 1975-1985. Affiches de la Résistance Libanaise. Lebanon: Trebia Publishing, 2012 — 96 p.  (أخِذت من هذا الكتاب أمثلة توضيحية )

دليل الأسماء

1.         Académie Libanaise des Beaux-Arts – ALBA  -  الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة. أنشئت في عام 1937، وفي ذلك الوقت كانت  المؤسسة الوحيدة للتعليم العالي للفنون الجميلة في لبنان.

2.         ديران عجميان رسام كاريكاتير لبناني شهير من أصل أرمني، رسومه يمكن رؤيتها في مجلات لبنانية مثل »لوريان- الدبّور «،»لوسوار ، »لا ريفو دو ليبان«،»الصياد «مجلة» ماغازين«. وفي منشورات أجنبية مثل «L'Etape»، «Voici»، «Canard Libre» و«En Route» http://www.gardentowerhotel.com/AAPage-01.htm

3.         خليل الأشقر (1898-1965) - رسام كاريكاتير لبناني شهير، عمل سنوات عديدة في المجلة الفكاهية السورية " المضحك المبكي" وفي مجلة "الدبّور" الشهيرة وغيرها . http://esyria.sy/ecal/article/%D9%83%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%B1-%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B4%D9%82%D8%B1

4.         ديمتري مور ، 1883-1946،ولد في مدينة نوفوسيبيرسك عاصمة سيبيريا وتوفي في موسكو: فنان غرافيك سوفياتي، واحد من مؤسسي الملصق السياسي السوفياتي، كما كان أيضا أستاذاً في الرسم الساخر سعى بفنه لخدمة الثورة البروليتارية.

5.         فيكتور كورِتسكي (1909)، كييف. رسام ملصقات سوفياتي، فنان معروف في روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية(1964)؛ يجمع في عمله بين الرسم والصور الحية الميدانية؛ ويتميز أفضل ملصقاته بحدة التوتر العاطفي؛ حائز جائزة الدولة السوفياتية.

6.         غليب غوروشنكو عمل في سنوات 1950-1960  أستاذاً في معهد الطباعة في موسكو(بات اسمه  (الآن جامعة الطباعة في موسكو المسماة باسم ايفان فيدوروف. وهو خريج المؤسسة التعليمية التي كان يدرّس فيها ديميتري مور.

7.         الاستوديوهات العليا للفنون والتقنيات - مؤسسة تعليمية تأسست في عام 1920 في مدينة موسكو.


[1]  كتبت المقالة ضمن إطار إعداد رسالة الدكتوراه في جامعة الطباعة – موسكو (جامعة إيفان فيودوروف) بإشراف البروفسورة ناتاليا غونتشاروفا

  •  

  •  

  • بيار صادق: الوجه الآخر
    كريستينا يمّين[1]
    البريد الإلكتروني : kristyy55@gmail.com

  •  

  • Political posters of the Lebanese cartoonist Pierre Sadek
    The article examines political posters of the famous Lebanese designer and cartoonist Pierre Sadek and reveals analogies with the posters created by the Russiаn artists.
    Keywords: Lebanese political posters, Pierre Sadek  
    تتناول المقالة الملصقات السياسية للفنان رسام الكاريكاتير الشهير بيار صادق، وهي الوجه الآخر لنشاطه وإبداعه، حيث يُكشف النقاب أيضاً عن أوجه الشبه بين ملصقاته وتلك التي خطتها ريشة الفنانين الروس.
    كلمات البحث الرئيسية : الملصق السياسي اللبناني، بيار صادق

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

01/06/2014

أجراس