•  

  •  

  • أنْ تبصرَ الجسرَ غيرَ الذي قد عبرتَ
    السماواتِ غيرَ السماواتِ
    والناسَ مسكونةً بالغيابْ
    (عدنان الصائغ)
    اوراق ذاكرة العزلة
    ماقاله كاندنسكي حول ( المشاعر الباطنة ضرورة ) يزيح الغموض في قراءة اعمال الفنان عبد الكريم سعدون التي تتناغم مع المنطق والبراهين العقلية من جهة والاستكشافات والمغامرات وعشق التجديد من جهة ثانية التي نتلمسها في اكثر الاعمال اهتماما بالبورتريت او الوجوه, التي تبدو ربما بورتريهات شخصية للفنان نفسه, وماجاورها من رموز ودلالات رقمية لعالم يحسب كل شيء ويبحث في مدى جدواه وصولا للادلة العقلية المتوافقة مع المنطق والدراسات المتأنية, ومن جانب اخر نرى ان سعدون استخدم دلالات واشارات انتهى العمل بها رسميا في اغلب دول العالم المتقدمة كالاختام البريدية في اشارة منه لارتباط الماضي بالمستقبل دون الوقوف على الواقع الحاضر مايدفعنا للتفكير في مدى اعتماد الفنان على الحدس والتوقع الشموليين نتيجة غزارة معلوماته وتعدد تجاربه الحياتية.


العمل الفني عند سعدون في مجموعته ( اوراق ذاكرة العزلة) هو ليس تجسيدا او محاكاة للواقع الملموس بل هو وسيلة معرفية لتوسيعه فنيا وكما كتب كاندنسكي ( ... نوع اخر من الفن هو الفن القادر على التطوير والذي لديه ايضا اصوله في الحياة الروحية المعاصرة وانه ليس فقط صدى او مرآة للحياة بل انه يمتلك ايضا قوة تنبأ عميقة ومتواصلة في كثير من الاحيان).

 
الفن الموجه والابداع
هناك صراع بين السياسي والفنان بدأ متخفيا وبحذر وترقب ثم ظهر على السطح تحت ضغط اجتماعي اقتصادي سياسي صريح في اوربا العجوز ثم انسحب على اكثر دول العالم كاستغلال جهد وفكر الفنان لخدمة قضية سياسية او اجتماعية معينة او تمجيد السياسي المتنفذ وخدمته كما حصل ويحصل في الشرق الاسط او دول الاتحاد السوفيتي السابق, وكما يثير التشكيلي الاسئلة ويستنهض الافكار من خلال اعماله الفنية لطلق العنان للمتلقين في خلق واسنباط رؤى جمالية فكرية بعيدة عن المرجعيات السياسية او الدينية يغامر السياسي بخلق الازمات المفتعلة لاجبار الجماهير على اقتراح وتفعيل حلول وقوانين تحدد الذائقة الفنية وتدعم نفوذه وموقعه الكارتوني المضحك في اكثر الاحيان.


منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي وفي الدول الاوربية بالتحديد بدأت النزعة الوطنية الشعبية العرقية بالنمو لتطفو على السطح بدفع سياسي يتخذ من الفنون والثقافة هوية وخصوصية محددة الواجبات والمهام الموكلة اليها كأن يكون التشكيلي المحترف, المهاجر على وجه الخصوص ,على سبيل المثال, يدير حلقة رسم تعليمية لفئة عمرية معينة ككبار السن او المراهقين تحت ضوابط سياسية تجعل منه عامل فني ثقافي بعيد عن كل ابداع فردي وعليه ان يلتزم بها وهوممتن جدا ويكون مبتسما ومسرورا لهذا التوجيه والاستراتيجية بما ينسجم وفكر وسياسة الدولة التي يقيم فيها كالسويد مثلا التي ليس لها عمق تاريخي وأرث تشكيلي مؤثر عالميا وايضا فشلها الفاضح في سياسة الاندماج وتلاقح الثقافات, اذن المكان والبيئة بكل ماتحمله من اشارات ودلالات, مباشرة وغير مباشرة, وقراءة مابين سطور النصوص القانونية لما يجب ان يكون علية الفنان, تدفع الفنان المبدع الى العودة الى الذاكرة الزمكانية مع التمسك بالاستمرارية الآنية للتأثيرات البصرية المقترنة بالطفرات التكنلوجية الهائلة للمكان الجديد كدلالة واضحة لتفرد الفنان التشكيلي عبد الكريم سعدون في تنفيد مجموعة اعماله التي تؤرخ لعقد من الزمن في السويد.


المكان والذاكرة
الانعتاق والحرية وقراءة مايكمن خلف الاشكال والالوان وهواجس الانسان ومخاوفه وسلوكياته هو احد اسرار الفنان المبدع مقارنة مع الفنان النمطي المقولب, ان تنجح كفنان مميز عن اقرانك الفنانين هو ان تكون صادقا مع ذاتك ثم مع كل الاشياء, الساكنة والمتحركة, التي تحيطك وتتفاعل معها معرفيا بعين بصرية متفحصة ودقيقة لتنتج عملا فنيا متفردا بدلالاته وتقنيته, مغايرا عن السائد المستخدم والمستهلك.


تعكس مجموعة الاعمال عوالم داخلية وتوقعات ذاتية ومجسات محسوبة لما يستشعره الفنان من حنين وتوق لاسترداد ماانتزعه منه الزمن الآني.
استطاع سعدون التجوال في ذاكرته وامكنته الملتصقة به وجدانيا, امكنة ووجوه مفجوعة منذ الازل تجره اليها ليحتضنها تارة ويبتعد عنها مكانيا تارة اخرى الى امكنة اخرى يلفها الصقيع والانعزال في تحرك معرفي داخلي لتجعل منه اشبه براهب يحن للقاء ربه الذي فاضت روحه على عشر سنوات من التعبد والعمل.
يقدم لنا الفنان مايربو على ثمانين عملا منفذة بالحبر الصيني والطباعة الديجيتالية ومواد مختلفة ( 2003 الى 2013).


يستوقفك عنوان مجموعة الاعمال ( اوراق ذاكرة العزلة ) وكأن الفنان يعطيك مدخلا لمعاينة وفحص الاعمال التي ترتبط مكانيا بعالم ليس للفنان فيه ذكريات وحتى ضياؤه وظلامه يحيلان الى فضاءات مغايرة لما تعودت عليه عين الفنان, عالم تشوبه الارقام والاختام البريدية المنسية واختام اخرى لدوائر رسمية سويدية وغيرها التي تتخذ من الميكانيكية البيروقراطية رمزا تذكرك بشاشة حاسوب معطوب, تتسارع عيناك لكي تركز على الارقام والرموز وهي تمر بسرعة ودون توقف لتعلن سرعة حركة العالم وذوبانه الافتراضي وانعزال الانسان فيه وتغير الرموز والاشارات التي كانت ذات مدلولات واضحة الى عهد قريب.


تضم المجموعة 36 عملا تمثل وجوه مفجوعة و54 عملا لأجساد ملتوية متألمة تتمثل في رجل او رجل وامرأة او رجل وطفل, تتخذ من العائلة القلقة مدخلا لولوج عالم تحكمه حركتة الاسرية, وايضا تكرار حركة الشكل في انطلاقة جسدية راسخة الخطى توحي بتطلع المرء في معرفة واستكشاف كل ماهو جديد, ولكن هل هذه الاشكال الملتحفة بالاختام والارقام ورموز اخرى كالعجلة والعين داخل كف اليد وجداول الحسابات هي رسوم داخلية لمجموعة قصصية لقاص منسي او صور لاغلفة مجاميع شعرية لشعراء اعتزلوا الشعر؟ اعتقد ان الامر اعمق من هذا بكثير بما لها من تأثير على تحريك ذهن المتلقي على التفكير في المعنى الفكري والجمالي خلف تكرار الاختام والارقام اللاتينية في كل الاعمال تقريبا ومزاوجتها مع الاحرف العربية في سمفونية صوفية فكرية متأنية, كما يلاحظ المتلقي تكراركلمة العراق بالاحرف العربية في اكثر من عمل وبلون يجر العين اليه وايضا بعض الرموز القليلة ذات الدلالات المحلية العراقية المقصودة, والمدهش في الامر هو هذا الاستخدام المتفرد للاختام والارقام اللاتينية وتوظيفها كوحدة اساسية لبناء العمل والتي اعتقد انها تجربة جديدة في التشكيل العراقي بعيدة عن التوظيف الحروفي المستهلك.


نلاحظ ان الفنان استخدم بضعة الوان ,على الاغلب, وهي الابيض والاسود والازرق والاوكر بتدرجات قليلة ليترك مساحات فارغة حول الاشكال تنتهي بحدود خامة العمل, تنسحب على روحية اللون وظله ماا ضاف لها بعدا جماليا معرفيا اخر, تتخللها خطوط انفعالية متصلة تبتعد عن الليونة والتقطيع, مكونة علاقات منسجمة الفضاءات مع الكتل المجاورة لها او مع مساحة الاختام او الارقام لتضيف على الاشكال المتحركة اصلا روحا ديناميكية اخرى توحي بسرعة حركة الاجساد في الجري او السقوط والالتواء.


تجد في مجموعة اعمال الفنان عشرات الالوان تحت الطبقات اللونية الشفافة ليدفعك الفضول في تحسس مسامات الخامة التي اصبحت جزءا مهما من االعمل الفني ولكن هناك لون مهيمن واحد على كل عمل كالاوكر او البرتقالي او الازرق او لاسود مع الاستفادة من بعض اجزاء الخامة غير معالجة بقصدية متقنة لروح اشتاقت للصفاء والحب, بنيت بطبقات شفافة وكأنها اشارات راقصة تحت لهيب الصحراء او تعويذات وتمائم تتجاذب ابدية الكون المشبع بحكايات واحلام العراق الجميل وضيائه وقساوة صحاريه, متلازمة مع الاشكال ذات الاستطالة الجياكوميتية المقصودة لتشكل وحدة سمفونية رصينة منفذة بعناية المتشوق للحياة والحرية والانعتاق.
تبين الاعمال حقبة زمنية مؤثرة من حياة الفنان مع بعض تأثيرات الزمن الحاضر انتهاءا بزمن مستقبلي تديره الارقام وثورة المعلوماتية في تصوير شمولي وواسع لمساحة الانسان واسراره ازائها.

نستخلص من خلال مناخات الاعمال وحركتها ان هناك ثمة شيئ ما في طريقه الى زمن مطلق تتحد فيه الاضداد وصولا لظاهرة جديدة او شيئا يستحضر بشكل مختلف عن ماكان عليه.


المراجع:
Concerning the Spiritual in Art, Wassily Kandinsky, 1912.

  •  

  •  

  • اعمال عبد الكريم سعدون ..
    ثمة شيء ما في طريقه الى زمن مطلق تتحد في الاضداد
    احمد بجاي- السويد

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 

04/02/2014

ورقة من حياة فنان