صورة رقم 1:  علي بلاغة، "علي و راس الغول" ، زيت على القماش.

    الصورة عدد 2:   محمود الفرياني ، بدون عنوان
صورة رقم 2: علي بلاغة، " عنتر "، جبس مطلي بألوان لماعة، 50 x 63 صم .
أبو صبحي التيناوي، عنتر بن شداد
صورة رقم 3: علي بلاغة، " سفينة نوح "، حفر على الخشب مع أكريليك،
115x105 صم.
 
  • إن الفن بصفة عامة هو كل إنتاج للجمال يتم بواسطة أعمال ينجزها كائن واعي، لكن هذا التعريف يمكن أن يمتد إلي أكثر من ذلك بكون الفنان ليس بالضرورة أن يكون واعي عند فعل الخلق ومباشرة الفعل الإبداعي بالرجوع لكون الممارسة الإبداعية الفنية هي في حدّ ذاتها تمثل تداخلا بين الوعي واللاوعي. إذ أن الكثير من الفنانين يشعرون بالمتعة و اللعب بالخصائص التشكيلة في لحظة غير واعية حين يغيبون الواعي بمعناه الإدراكي المنطقي، وفي هذا تتحقق عملية الإبداع بتجاوز جل القيود المادية والفكرية، فالممارسة الفنية هي تعبير مطلق وإنساني حرّ، ولعل في هذا المستوى من مقومات الممارسة الفنية تحقق النشوة في العمل وإبداع فن منفرد يعكس نفس ذاتي. وهنا تخلق جدلية علاقة الفنان التشكيلي بعمله ومسألة ارتقاءه لمستوى الإبداع.

هذا ولئن يمكننا الإقرار المبدئي  بكون العمل الفني يقتصر على الفنان و خاصيته المميزة عند فعل الإبداع و لا يقتصر على الحرفي بما هو صانع. فالفنان يقتصر على نشاط حر، متعة، لعب، غياب القواعد. و بالنسبة للحرفي يتضمن نشاط ارتزاقي (يطلب منه الرزق والربح)، تعب و إلزام.

كما يمكننا أن لا ننفي بكون طبيعة النظام الاقتصادي العالمي ذو القيم الرأسمالية والخاضع لمنطق العرض والطلب قد فرض نوعا من التداخل بين الصنعة بما هي منتوج حرفي موجه لتأثيث الفضاءات العامة والخاصة وأخرى حاملة لرؤية ذاتية حالمة لتقديم واقع بصري وجمالي مخالف للنمط السائد، ومثل هذا التداخل جعل بحثنا ينزح للتساؤل في العلاقة التي تكمن بين الحرفي و الفنان؟

 وما هي حدود التماهي والاختلاف؟

أي الفرق بين العمل الفني الذي ينتجه الفنان والعمل الحرفي الذي ينتجه الصانع؟ 

وهل يمكننا القول بان العمل الحرفي يمكن أن يرتقي لمستوى التعبير التشكيلي بما هو إبداع وتجاوز؟

 وفي هذا الصدد سنحاول التطرق لقراءة ممارسة فنية وحرفية من منظور المواد والمواضيع المعتمدة والتي اتجه فيها "علي بلآغة" الفنان ـ الحرفي إلى مسار مغاير تجاوز فيها السياق التقليدي الذي انتهجه بقية الرواد، وكرس لمسيرته خصوصية تفرده، وهو ما يمكن أن نستشفه من خلال قراءة تحليلية لأعمال هذا الفنان ـ الحرفي الذي تناول فيها مواضيع بثوب عجائبي أسطوري، من نسل الخرافات ومن نسل الذاكرة الشعبية الجماعية الحالمة بالبطولات و الفروسية.

1.1.2 الأبعاد الإنشائية والجمالية لأعمال "علي بالأغا"

عرفت الممارسة التشكيلية التونسية، تنوعا واختلافا في مستوى المواضيع والأساليب المعتمدة في إنجاز العمل التشكيلي. فلئن تراءى لنا البعد الفولكلوري في أعمال عمار فرحات وزبير التركي ومن حضور للبعد "الشعبوي" في تشكيلاتهم التي تحاكي الواقع الملموس للمجتمع التونسي زمن الاستعمار، فإن وجود هذا الطابع التشكيلي لم يقتصر على انعدام ظهور أشكال وسياقات فنية أخرى، إنتهجت مسارا أخر يوحدها على غرار ثلة من الفنانين التونسيين، ومن أبرزهم الفنان علي بالأغا الذي ساهم بشكل متميز في توظيف وتدعيم الفن التونسي بتمثلات فنية تعنى بالذاكرة البصرية المحلية خاصة والعربية عامة.

فالمتامل في تشكيلات هذا الفنان يمكن أن يتراءى له خصوصية طابع "بالأغا" المتفرد، والذي يعتمد على الاستفادة من المواضيع الخرافية و الصور الأسطورية العجائبية من خلال المأثور الفني للرسم على الزجاج. لنجده يستحضر نماذج لحقيقة ذات عمق روحي و تاريخي في الفكر الشعبي عموما على غرار شخصية "عنتر ابن شداد" و"علي ابن أبي طالب"...  والتي نستحضر منها أعمال "علي و راس الغول   Ali et Rasalghul " ،" البراق  Burak ، "سفينة نوح  L’arche de Noé ،" عنتر Antar "،" الفروسية  Fantasia "، وهي أعمال فنية  تتصل أساسا بالجانب ألعجائبي و الخرافي بتقنياته و صبغته الحرفية، وهو ما نستشفه في قراءة لعمل "علي ورأس الغول" الذي نتطرق فيه إلى الجانب المضموني المتمثل في جانب الدراما المشهدية، ونلمس من ضمنه الأبعاد الملمحية. 

حيث يمثل هذا العمل مشهدا ملحميا يتضمن  الفروسية و الصراع و القتال وهذا من خلال توظيف و تصور لكائنات ميتافيزيقية على عكس الشخصيات الملحمية الواقعية والذي يتناول فيها الفنان شخصية "علي ابن أبي طالب" كما تناولها الفنان "محمود الفرياني" في عمل ورد بدون عنوان.

 لكن الطريف في الأمر أنه يتضمن أيضا تقاربا واختلافا في الآن نفسه وذلك على مستوى تركيبة ومكونات عمل الفنانين، إذ نلاحظ في لوحة "الفرياني" الطابع الفلكلوري و التزييني و تواشج و زخارف... بينما " نلاحظ أن لوحة بلاغة حافظت بشكل عام على تركيبتها البسيطة و عناصرها القتالية دون تعمق أو تدقيق في التفاصيل من خلال مراس أسلوبي دؤوب. حيث عمل الفنان على المساحات وعلى رسم الخطوط التي تمثل حدود الشكل، ثم تأتي الألوان لتعبئة المساحات. و فصل الأشكال عن بعضها يمثل إنشاء يعود إلى تقنية الرسم على البلور، مما يؤكد سيطرة الفنان على المساحات دون أن يحتاج في ذلك إلى البعد الثالث أو إلى العمق. لتبقى قيمة العناصر الحاضرة تلعب وظيفتها كدلالات"[1]، وهو مبحث ذهني و تصور مغاير لبنائية اللوحة في قالبها الجديد بمشهديه كلاسيكية إن صح التعبير. و في هذا السياق يمكن القول أن غاية الفنان "علي بالآغة" تختلف في بحثه عن عمل فني ذو مقومات مستحدثة، ترتكز أساسا على العناصر التشكيلية قائمة على تجريد اللوحة من تفاصيلها الدقيقة.

فهذه التركيبات والمضامين التي تشكل معظم تشكيلات كلا الفنانين، نجدها تحظى  بمكانة بارزة في الفكر الشعبي و في التاريخ العربي الإسلامي، على غرار شخصية الفارس المقدام المدافع عن الدين الإسلامي، والمحارب للقوى الشريرة (الغول) مثلما تم تجسيده أيضا في العديد من الأعمال الأخرى على غرار لوحة "عنتر" التي تكاد تكون بنفس التوجه و نفس الأسلوب التحويري و الإختصاري في تركيبتها و تأليفها.

ففي هذا العمل قام الفنان "علي بالآغة" بتوظيف تقني مغاير للعمل السابق، حيث عمد إلى حفر وتطويع الجبس لينحت شخصية البطل الملحمي "عنتر بن شداد". ويصوره على عكس ما تناقلته الروايات، يمتطي ظهر جواده غير موشح بزيه الحربي الميداني بزخارفه المذهبة، وحتى عتاده الحربي القتالي ورد بأشكال بسيطة، إذ يحمل بيده اليمنى سيفه وباليسرى رمحه البارز مع عملية نحت الجبس المكون للوحة الذي ورد في شكل خط مستقيم طويل كسر نمطية الامتداد العمودي للوحة التي تبدو ككتلة واحدة أقرب إلى المنحى التكعيبي في تربيع أشكالها المتماسكة (كالرأس القبعة، الأصابع، الرجلين، مقود الحصان وحوافره) والتي تشدو نوع من الضخامة في بعض الأحجام على ما تبدو عليه في الواقع، منها السيف العريض و الحصان بجسده و أرجله الضخمة رغم قصر قامته و يعود ذلك ربما لكيفية تحكم الفنان في مساحة  اللوحة وتوزيعية الأشكال داخلها. وأساسا لجنوح الفنان وبعده عن التدقيق في التفاصيل، ولطبيعة المادة (الجبس المطلي بألوان لماعة).

مما ولد عملا تشكيليا ذو طابع تزييني و زخرفي يحمل في طياته توجه ذو صبغة حرفية تبينت سياقاته في أكثر من عمل عكست من ضمنه حرفية الفنان ـ الحرفي المجدد في الأسلوب التقني (التجميع و التلصيق و الحفر على الخشب و الرخام و النحت على الجبس) والمحافظ على نمطية المواضيع. مثلما يتراءى لنا في أعمال الفنان السوري "أبو صبحي التيناوي" التي بنيت تشكيلاته على القيم الشعبية (الشجاعة ـ الكرم ـ الفتوة...) وارتبطت بمصدر تاريخي مغرق في القدم، متفاعلا مع كل شيء يراه أو يسمعه، ومحافظا في آن نفسه على روح الشرق المطعمة بالغرابة، تلك الروح التي تقرب ما بين أسلوبه وأسلوب المخطوطات القديمة مثل كليلة ودمنة ومقامات الحريري، ومصادر الفن الشعبي العربي عموما.  

فقد وظف هذا الفنان (أبو صبحي التيناوي) في أعماله العديد من المواضيع ذات البعد الخرافي، ألعجائبي، الأسطوري على غرار أبو زيد الهلالي، عنترة، الزير سالم، سفينة نوح، هذه الأخيرة التي نجدها أيضا ضمن أعمال الفنان ـ الحرفي "علي باالآغة" في عمله المعنون بـ " سفينة نوح " التي وجدت ضمن سياق التصوير الشعبي إلى عمل فني مستحدث يقوم على الخشب، كما فتح أفق التعامل مع المواد والخامات. 

 إذ يعمد الفنان في هذا التشكيل على الرسم التشخيصي للسفينة ذات حزام زخرفي لماع بتصوير محتوياتها من أزواج الحيوانات و البشر كما في واقع السيرة. فبدت السفينة في ترتيب منظم وتكرار وتواتر لنوافذ تتخذ أشكال مربعات تكاد تكون ذات قياس موحد، وعلى مسافات مناسبة تكشف لنا عن رسم كل حيوان في إطاره. فهذا التكرار أو ما يسمى بالترديد، له قيمة في الفن إذ هو الحركة التي تتبعها العين حين تنتقل من وحدة إلى أخرى حتى تنتهي إلى المرور على جميع الوحدات بسهولة.

        من هنا يمكن أن نلتجئ إلى تعبيرية الألوان، حيث لم تستأثر القيم التزينية، الزخرفية باهتمام الفنان مطلقا، ليتواصل التبسيط أيضا في الألوان. ففي اللوحة الأولى "علي ورأس الغول" يصور مشهدا من داخل شحنة لونية تكاد تكون ضبابية وعبر توظيف ألوان تعبيرية تترجم الجانب القتالي والملحمي من خلال الخلفية ذات اللون الأحمر، رمز الثورة والغصب وكذلك رمز الحدة والقوة والرمز الحياتي المرتبط بالدم، والذي يتوافق مع المشهد الملحمي وحدة الصراع التي تحقق في اللوحة التوازن والتكافئ مع الكتل أو العناصر التشكيلية. في حين حافظ الحصان على لونه الأسود وشكل الخارجي دون ملامح لوجهه و دون تواشيح كما ألفناها في الرسومات على الزجاج. ولتغيير لون الأرضية إلى الأزرق الفاتح وتشترك في هذا اللون مع الثوب "الغول" وفي تصويره " لعنترة" في النموذج الثاني، يستعمل الفنان طلاء من الألوان اللماعة الباهتة ذات طابع تزييني حرفي أكثر منه تعبيري حيث لونت قبعة "عنتر" بلون برتقالي و لباسه و عتاده تراوحت بين الأصفر و الرماديات، بينما صبغ الحصان بلون أسود والأرضية بالأحمر، حتى السفينة بمحتوياتها في النموذج الثالث تقوم على سيطرة اللون الأزرق والرماديات الملونة بتدريجاتها الضوئية مع توظيف التخاطف اللوني للحيوانات في المربعات المتواترة.

        هذا التمشي الذي توخاه الفنان علي بالآغا يكاد يلمم شتات تجربة مترامية الأطراف ومتفرعة الأغصان من لوحات محفورة على الخشب، وأخرى بالتلصيق وعناصر نحتية وتكوينات غرافيكية كلها من داخل مرجعيات جمالية متباينة يتداخل فيها التراث مع الفن المعاصر بحبكة بنائية. لكن رغم ذلك بقيت لفن الرسم منزلة هامة في تجربة التونسي علي بالآغا لتكون بذلك  " لحظة الرسم هي لحظة القبض على الأشياء عندما تهيم داخل العالم المعيشي أو تتيه داخل فضاء الذاكرة، أو عندما تتشكل شيئا فشيئا داخل المخيال الإبداعي"[2]. لكن من خلال هذه القراءة المتأنية للأبعاد الجمالية والانشائية لممارسة الفنان ـ الحرفي "علي بالآغا" لا يمكن نفي أوجه إختلافها في المستوى الشكلي والمضموني أي بمعنى مستوى معالجته التي يمكن أن نصنفها إلى مستويين أساسين تفرض على ممارسة هذا الفنان ـ الحرفي أن تتموقع داخله. 


 

[1]  KHALED LASRAM, Iconographie symbolique des sous verre et approche

 plstique contemporaine ; PATRIMOINE ET CREATION art plastique tuniiens contemporains. Mai 1992, P 43 .   " L’artiste utilise une écriture simple particulière basée essentiellemement sur une recherche stylistique : personnages et objets sont traités dans des formes simples, en vue d’un effet décoratif…Les fond estompés, exécutés souvent dans une matière unie et l’emploi de cernes permettent un détachement et une mise en valeur des objets représentés, renforçant leur fonction en tant que signe" .

[2]  خليل قويعة، شجرة الفن في مسيرة علي باالآغة التشكيلية (الأغصان متفرعة والفنان واحد)، تشكيل

الرؤيا ـ سلسلة إشراقات، الطبعة الأولى، جانفي 2007، ص 63.

  •  

  •  

  • الباحثة نوال بنضياء من تونس
    ممارسة الفنان علي بالآغة و مسألة التجانس بين الحرفة و التشكيل

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 

23/07/2014

ورقة من حياة فنان