•  

  •  

  • يتأسسُ المُتخيل في العمل الفني بوصفه خطاباً هارباً من لحظة الحدث وبوصفهِ مُنجزاً نهائياً ، ما يَجْعلهُ مُناشزاً للسرد وعفويته الحِكائية، وثمة إلتباس في السؤال السوريالي خاصةَ في العمل الفني، وهو محاكاة الغموض، فإذا كانت الحركة الفنية والشعرية والكِتابية التي قامت في العقد الثاني من القرن العشرين، أُتهمت بالغموض والضبابية ، وراق لبعض أفرادها وصف آناهم بالغموض، فإن الفن السوريالي بعدها – وبشكل عام – تبرأ من هذه التصنيف ، فهو خطاب يكسر حاجز المُتوقع ويُخل ببداهة المتلقي، ناطقاً بالوقت نفسه بأنطيولوجيا مضمرة يُشكل العجائبي إحدى طواحينها المنفتحة بإستمرار على سيرورة التأويل وإعادة القراءة والإنزياح.


هذا هو المَهرب الدلالي الذي ميز أعمال سلفادور دالي الفنية والدرامية ، ففي رسوماته "منمنمات" على رائعة لويس كارول "أليس في بلاد العجائب"، وإبداعاته في الأعمال الكتابية لرائد المقالة الفرنسية في عصر النهضة "ميشيل دي مونتين"، كذلك في عمله الرائد للنسخة النادرة من "دون كيشوت دي لامنشا" لثيربانتس، نجده يُتاخم اللامعقول والعبث والجنون، مع التنصيص على أن هذه المقولات كررها النقد العربي السكولائي القائم على تدجين الطلبة بمفاهيم قروسطية رثة.

في رسوماته على رائعة ثيربانتس، نجد البطل "دون كيشوت" ممتطياً الحصان، وربما يمكن تأويل أحد الأشخاص خلفه بأنه "سانشوا" تابع دون كيشوت وظله الملازمه في أوهامه، لقد قام عمل ثيربانتس على خلق العجائبي والفانتاستيك في الحدث نفسه، فكيف قرأ سلفادور دالي هذا السرد بوصفه مؤولاً فانتازياً بالدرجة الأولى؟
 

إن الإشتغال الهيرمونطيقي و السيميولوجي على هذا السؤال يحتم طرح جدلية دي سوسير (دال-مدلول) وجدلية (زمني – تزامني) أو chronic & diachronic، لأن خطاب تيربانتس قائم على خلق مدلولات عجائبية بمساندة دوال مزاحمة لتلك التخوم، وما أنجز المُتخيل الروائي في هذا العمل هو هذا التعاضد ، وليس الإنزياح الدلالي الذي شدد عليه جاك دريدا، بحيث يحيل كل دال إلى دال أخر ملاصق له فينزلق في صيرورة لا تمسك لحظة المدلول فيتلاشى المعنى.
وعملية إنتاج المعنى في العمل الفني وخصوصاً الرسم ، يكون فيها التلاحم بين الدال والمدلول الجمعي أكثرُ إلتصاقاً ويصعب لمس لحظة الإفتراق والهروب، وهذه هي أنطيولوجيا العمل الفني كما طورها مارتن هايدجر في أصل العمل الفني، مطوراً بذلك السؤال الأزلي لهانس جيورج غادايمر عن فينومينولجيا اللوحة وخطاب التلقي.
ومن جهة أخرى – ومن وجهة البنى الحكائية – لا يهم تأويل البعد التزامني في خطاب ثيربانتس، إلا في حالة واحدة وهي القراءة الفيلولوجية ، وهذا الإشتغال نقصيه بسهولة لولا الإشكال المتمثل بقراءة سلفادور نفسه لثيربانتس.
 

إن جميع اللوحات التي تخص دون كيشوت تؤخذ بوصفهاً خطاباً ناجزاً، هذا المُعطى القِبلي أو الترنستندالي يجب أن يأخذ بعين الإعتبار البعد التزامني لرسومات سلفادور دالي، فلا وجود للصيرورة في العمل الفني، بل كينونة تامة تشكل أنطيولوجية العمل الفني نفسه، وهذا ما عبر عنه أفلاطون والمدرسة الأفلاطونية في المحاكاة.
إن جميع ما قلنا يؤسس على أن القراءة التزامينة التأويلية للوحات سلفادور دالي عن دون كيشوت تبين مدى واقعية سلفادور، وليس سورياليته أو عجائبيته، فالحفر في ثيربانتس كنص منطوق كامل يؤدي إلى إصدار حكم بالعجائبية والفانتازية لهذا الخطاب، وإذا تأملنا لوحات دالي مُضافاً إليها مضمراتها الدونكيشوتية تبين إلى أي درجة كان واقعياً، وليس كما روج النقاد والفنانون.

  •  

  •  

  • رؤية سلفادور دالي التراثية
    رعد خالد تغوج

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 

23/11/2014

ورقة من حياة فنان