" بوّابات القيروان "
لوحة "الحدود 1938
سحر السمك
 بارنا سوم 1932
"بساط الذكرى"، لوحة رسمها بول كلي في عام 1914
"بوابة مسجد بول كلي، 1931
 
 
  • تقديم :
    شكلت مسالة التراث موضوعا من بين المواضيع الهامة التي اثرت على الفنانين و الباحثين .ارتكزت هذه المسالة على وجود علاقة قوية بين الابداع الفني و التراث . افرزت هذه العلاقة جملة من المفاهيم وهي نتاج لهذه الجدلية القائمة بين التراث والفعل الفني. يمثل التراث المخزون الثقافي الماثل في جميع المنجزات الانسان عبر التاريخ و يرتبط التراث بالمنتوج الانساني الايجابي المحمل بجملة من القيم الثقافية و الفكرية التي تساهم في اثراء التاريخ.


ان المقصود من احياء التراث هو
الإستفادة والتفاعل مع المضمون الثقافي لهذا المخزون .ولكي يحيى التراث لابد من اعادة قراءته وفقا لمناهج فكرية محددة .و بذلك يمكن ان ندرك ان انتاج اسلوب فني يبدآ من التراث.فيأخذ الفنان ما يراه ملائما لفكرته ولنمو اسلوب خاص به.

لقد تعرض التراث الاسلامي لجملة من القراءات بهدف توظيفه لخدمة قضايا جمالية على علاقة دائمة بالأصالة كما مثل قضية شغلت تفكير العديد من الباحثين والمفكرين و الفنانين في العالم دفعهم لإنتاج محاولات فنية في مجالات مختلفة كالرسم و النحت والخزف وغيرها من الفنون الاخرى.

 
بول كلي هو واحد من الفنانين الذين تأثروا بالتراث السلامي القديم . يعتبر بول كلي احد رواد الفن الحديث الاوربي وهو رسام من أم سويسرية و أب ألماني. هو فنان سويسري الاصل ولد سنة 1879 في قرية مونش قرب مدينة برن في سويسرا ومات سنة 1940.
رحلة الرسام بول كلي إلى تونس:

تعود رحلة الرسام بول كلي إلى تونس إلى عام 1914 زار فيها كل من تونس العاصمة والحمامات والقيروان. أتى بول كلي إلى تونس بعدما تعرّف إلى لوحات الفرنسي هنري ماتيس ، والروسي كادينسكي .مثل قدوم بول كلي إلى تونس نقطة تحول في حياته الفنية .تأثر هذا الرسام بتونس وعُـمق الثقافة العربية وتعدّد أوجه تعبيراتها وألوانها وأضواءها.
بعد زيارته لتونس اكتسب الرسام بول كلي شخصية فنية مستقلة أصبحت مرجعاً للفنانين الذين زاروا بعده الشرق، وخصوصاً تونس ومصر. تعلّم كيف يرسم مشاهد الطبيعة بشكل تجريدي خارج الانطباعية الاستشراقية التي كانت سائدة قبله. دفعت الرحلة التونسية بول كلي إلى التحرّر من الأشكال الهندسية وأصبح يرسم الألوان بشكل مجرد. كتب في مذكراته معبّراً عن اكتشافه للضوء التونسي: «أسرني اللون. لا أحتاج إلى البحث عنه. إنّه لي إلى الأبد، أعرف ذلك المعنى السعيد لهذه اللحظة هو: أنا واللون واحد. أنا رسام".
أثناء اقامته القصيرة في تونس وسيدي بوسعيد والحمامات والقيروان تفاعل بول كلي مع الموروث الحضاري التونسي وأرسى تفكيرا جديدا ورؤية عميقة لإدراك المشهد الطبيعي عن طريق التمعّن والحسّ والروح والعقل حتى لا يبقى الرسّام ناسخا للواقع المبتذل وعبدا للشيء والموضوع فكانت التجربة إبداعية للفنان تشكيلي متعددة ومختلفة الأوجه تتراوح بين رؤى الأصالة والمعاصرة.


ملامح التراث التونسي في اعمال بول كلي:

العمارة الإسلامية:
على الرغم من الأيام القليلة التي قضاها بول كلي في تونس فقد أحدث اكتشافه للعمارة الإسلامية وللفنون المرتبطة بها في مدينة القيروان والعاصمة تونس والحمّامات وسيدي بوسعيد تحوّلاً جذريًا في توجّهاته الفنية والجمالية. كان كلي شديد الإعجاب بالعمارة استوحى منها ما أطلق عليه «عمارته التصويرية». كان منبهراً بالممرات الضيقة والظلال المدهشة، وأكثر من ذلك التكوين الهندسي التكعيبي للمباني. ظهر تأثر كلي بوضوح في رسومه المائية و بتكوين الصورة.

الخط العربي:
تعرّف بول كلي اثناء زيارته لتونس على الخط العربي وجماله وروحه، فانعكس ذلك في أعماله . جعل بول كلي من الحرف مفردة و مادة تشكيلية، أكسبت العمل الفني قيما جمالية و أبعاد روحية رمزية تتخطي الرؤية البصرية لتصل إلي البعد الأخر. استعمل بول كلي الكتابة و أسلوب الخط في اعماله بطريقة تكون لا مقروءة جمع فيها بين الشكل الهندسي و النقطة و الخط.
يقول جوزيف أميل مولر في ذلك: «ففي بعض لوحاته نرى أن الخط هو المسيطر. بيد أنه خط ناعم، سريع، معبّر، في حسن، إن هذا الخط يصبح بطيء التحرّك، قصير الخطا، في لوحاته الأخرى، فيترك على اللوحة أثراً يبدو مترددا.. وهو، بعد هذا، خط يبدو من جهة أولى شبيها بخط الكتابة، مسرعاً أو متأنياً.. أما الألوان نفسها، فهي، في العادة، ذات طابع وديع، تتدرج برقة ونعومة..إلخ».

اكشف بول كلي ان الفن العربي الإسلامي زاخر بالأبعاد المختلفة من حيث إنها موزعة بين الحقيقة الموجودة، و بين الخيال المطلق. وقد ذهب للبحث عن ماهو حاضر وراء الموجود من خلال دراسته لروح الشكل محاولا في ذلك إحالته إلى خط ونقطة على فضاء ذو بعدين. حاول بول كلي في أعماله أن
يمزج بين أسلوبه في التشكيل مع العناصر التشكيلية الروحانية المستوحى من الحرف العربي والزخرفة الإسلامية فاكتشف فيه جمالية على مستوى الشكل
. فأدخل الحرف بطريقة حديثة داخل الفضاء التشكيلي.
أصبح بول كلي مشغولاً بالخط العربي اليدوي منذ بدأ يرسم انطباعاته عن رحلته.فلقد ألهمته الخطوط عربية، وكذلك اللغة التصويرية القديمة، تكوين لتصويرية خاصة به . حاول بول كلي الاستفادة من الخط العربي الجميل في كثير من لوحاته، وكان هذا الخط يشابه أحياناً صفحة من مخطوط.


الأسماك كموتيفات:
"سحر السمك" اسم لوحة رسمها بول كْلِي عام 1925 مستخدما ألوانا زيتية ومائية. رسم بول كْلِي في اللوحة الأسماك كموتيفات.
تكشف هذه الوحة تأثره بالثقافات الشرقية القديمة حيث يرمز السمك للثروة والوفرة والسعادة والخصب والرخاء. اختار بول كلي هذا الشكل من الثقافة العربية الإسلامية بعد زيارته لتونس ورسم بول كلي لوحات كثيرة تظهِر أسماكا تتألّف غالبا من نفس الأنماط المتكرّرة.


الموازييك:
استوحى الرسّام فكرة المربّعات السحرية من زيارته إلى تونس عام 1914 والتي رأى خلالها الملوّن .

السجاد العربي:
استوحى كلي من السجاد العربي، فظهر هذا في أعماله، كأن نذكر عمله «ورقة من تسجيلات البلدة» عام 1929م. وكذلك مبدأ تكرار العناصر كما في الزخرفة العربية كعمله «عالم هاربور» عام 1936.

خاتمة:
ومن نستنج ان الفنون القديمة العربية الإسلامية شكّلت مصدراً غنياً لفنون الغرب الحديثة . وبول كلي ليس
إلا واحد من بين الكثيرين الذين وجدوا في التراث التونسي خصبا واسعا لإشباع القريحة الفنية اذ لا تخلو أعمال كلي في مضامينها الفكرية والتعبيرية عن البعد الحسي من انبهاره بألوان تونس وأضوائها، وعُـمق الثقافة العربية وتعدّد أوجه تعبيراتها بعيدا عن الطابع الفلكلوري وتجلّى ذلك في لوحاته، التي رسمها في تونس أو من وحي زيارته لها.

  • ملامح التراث الحضاري الإسلامي في التجربة التشكيلية للفنان ‘بول كلي’
    أمينة خديم الله

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 

28/04/2014

ورقة من حياة فنان