• ربما قد يعتقد البعض أن الفن التشكيلي هو حالة تعبر فقط عن موضوعات فنية تخاطب نفسية المتلقى من الناحية الشعورية فقط وبالتالي ينحسر في تلك القضايا التشكيلية التي عرفناها منذ مطلع القرن السابع عشر من حيث المضمون والتقنية لكننا كنقاد للفن التشكيلي قد ننظر بعين الإهمال لتلك الفروع من الفن التشكيلي التي لها هدف تجاري مع أنها قد يكون وراءها مضمون فني راقٍ وممنهج ونأخذ على سبيل المثال فناً نشأ منذ العقود الأولى في القرن الثامن عشر وهو فن الإعلان والأفيش والذي نشأ في فرنسا متزامناً مع ظهور الرسومات في الجرائد والمجلات وأصبح فناً حائطياً له دوره وقواعده فيما بعد ثم انتقل إلى باقي أوروبا وعبر المحيط إلى أمريكا وأصبح من محاور الفن التشكيلي الحديث في أمريكا وإذا أردنا التحديد نقول إن المدرسة الأمريكية في الفن التشكيلي المعاصر أصبح فيها موجات تعتبر حالة من الإبداع لافتة للنظر وأحق بالدراسة ونحن نعرف أن الفن التشكيلي الأمريكي في مجمله فن انتقائي أو قل يعتمد على مصادر غير أصيلة فمثلاً الفن الأمريكي كان منذ 3 قرون وحتى عهد قريب يعتمد على مؤثرات أوروبية وعناصر انتقائية أخرى على اعتبار أن الفن التشكيلي نفسه كان يتجه وجهة كلاسيكية بحتة حتى أوائل القرن العشرين وحتى عندما دخل طور الحداثة كانت أوروبا عامة وباريس تحديداً بكل مدارسها الحديثة هي ملهمة الفن التشكيلي الأمريكي لكن بالرغم من براعة الفن التشكيلي الأوروبي الحديث واتجاهه دائماً الى وضع قوالب للفن تصبح نظريات وحركات فنية إلا أن الفن التشكيلي الأوروبي لم يكن يصل إلى شهرته المعروفة بدون التسويق والإعلام الأمريكي فدعنا نقول إن الفنان الأوروبي يفكر وينتج والمؤسسة الأمريكية تقوم بالتسويق والإعلام وهذه نقطة قد لا يعرفها الكثير من نقاد الفن التشكيلي.


لكن منذ حوالي ثلاثة عقود أو أكثر وبالتحديد في ستينيات القرن الماضي بدأت الدوائر الفنية الأمريكية تفقد قناعتها بدور مسوق الفن واتجهت الحركة الفنية التشكيلية الى خلق جو أصيل من الإبداع وبدأت رويداً رويداً تظهر مدارس فنية شديدة التعقيد والخصوصية لكن يجب أن نؤكد أن الفن التشكيلي الأمريكي أخذ على عاتقه تحويل الفن التشكيلي القديم إلى معركة نفسية ومجموعة صراعات بين الفنان والآخر ومخاوفه كما أنه قام أيضا بتحويل الفن لأداة تسويقية شديدة الخطورة ما سبب هذه الطفرة في الإعلام الأمريكي والتي كان من شأنها أن ترفع أمريكا إلى مصاف الإمبراطوريات الإعلامية .

وبالنسبة للبدايات فإن فن الإعلان الحائطي والمعروف اصطلاحاً بفن الأفيش هو أحد ركائز التسويق والإعلام الأمريكي وهذا الفن بدأ يتبلور ويأخذ أرقى أشكاله فيما يعرف بأفيش السينما وهي تلك الصناعه التي طورت هذا الفن بشكل قوي وحصري ما دفع الكثير من رواد الفن التشكيلي للدخول إلى مجال الأفيش مثل بيكاسو ودالي وشاجال .

لكن الحقيقة أنه كان هناك فنانون بدأوا حياتهم بفن الأفيش ما جعلهم فنانين تشكيليين من رسامي الأفيش كان على رأسهم العبقري الكبير فنان الأفيش الأمريكي روبرت ماك جينيس والذي أطلق عليه كارلو كاروتسا صاحب أكبر محرف للأفيش (دافنشي الأفيش) والحقيقة أن كاروتسا لم يفرط بهذه التسمية فماك جينيس كان في الحقيقة متعدد المواهب مثل دافنشي تماماً بل وأكثر إفادة فهو (كاراكتاريست) أي أنه يقوم بابتداع شكل الشخصيات التي تجيء في السيناريو في غياب صور فوتوغرافية لها ويخص ذلك شخصيات الكارتون حيث عمل فترة كبيرة بأستوديوهات والت ديزني مع شيخ رسامي الكارتون ديزني نفسه الذي يقول عن جينيس (الحقيقة أن جينيس يملك خيالاً من أقوى ما يكون خيال الفنان ويستطيع أن يجعلك تحب الصورة أكثر من العرض ذاته لكنه يميل أكثر لتجسيد البشر في صور سينمائية من هنا كان عليه أن ينتقل إلى دنيا السينما الواقعية) وربما كان ديزني على حق لأن جينيس بعد أن أتم دراسة الفن في جامعة أوهايو قرر العبور إلى مرحلة جديدة وهامة في حياته حيث عمل مع دور النشر كرسام لأغلفة الروايات حيث تخصص أكثر في أغلفة الروايات الرومانسية وفي هذه المرحلة يقول عنه جورج لوتي الناشر الشهير (وضع جينيس نموذجاً جديداً في فن الغلاف بحيث تجد مشهداً درامياً أو رومانسياً لشخصيات الرواية ما يزيد من فضول القارئ لشراء الرواية) .

وفي هذه الأثناء كانت الروايات الشهيرة التي رسم أغلفتها روبرت ماك جينيس تتحول لأفلام سينمائية ما لفت نظر منتجي أفلام السينما إليه في أواخر الخمسينيات حيث كلفوه بعمل أفيش أشهر أفلام في هذه الفترة مثل أفلام جيمس بوند وأفلام صوفيا لورين الشهيرة في الستينيات وروك هدسون والعديد من الأفلام الشهيرة في الستينيات حتى أصبح جينيس صاحب أهم 40 "أفيش" في تاريخ السينما الأمريكية ونال عدة جوائز منها تكريم خاص من رابطة كتاب ونقاد السينما عام 1977 .

بدأت شهرة جينيس حينما قام بعمل أفيش أحد سلسله أفلام جيمس بوند الشهيرة عام 1961 وكان جيمس بوند في هذه الفترة هو الفنان الكبير ( شون كونري ) وكان البوستر هو أهم عوامل نجاح الفيلم كما يقول سبيجل منتج الفيلم لدرجة أنه قرر طباعة عشرين ألف كارت بوستال لبوستر الفيلم وتوزيعها مجاناً على رواد قاعات العرض ما أجج شهرة جينيس .

ويقول الفنان شون كونري عن جينيس (لم أكن أعرف أنني وسيم لهذه الدرجة إلا حينما شاهدت بوستر الفيلم الذي رسمه جينيس).

الحقيقة أن جينيس فنان حساس للغالية لدرجة أنك تستشف مقاييس المرأة العصرية الجميلة من بوستراته ورسوماته ما دفع صوفيا لورين إلى أن تطلب منه أن ينجز لها 20 "بورتريه" هي في الحقيقة أقرب للبوستر من البورتريه وبلغ من روعة هذه المجموعة أن بيعت إحداها العام الماضي بـ4 ملايين يورو في أحد مزادات دور العرض السويسرية .

يستخدم جينيس الألوان الهادئة بكل أنواعها والتي تناسب أكثر فن الإعلان والملصق بحيث يصبح العمل عبارة عن لوحة فنية تؤدي الغرض الفني والتجاري في نفس الوقت وبالنسبة لمقاييس أبطال لوحاته هي مقاييس شديدة الحساسية والنضوج حيث استقى ذاك المثال من كثرة تصويره لفناني وفنانات السينما الأمريكية فنحن نجد أنه يميل أكثر لمقاييس الأنثى النحيفة العصرية مثل أودري هيبورن (والتي يقال إنها كانت الموديل الخاص به لعدة سنوات) .

لم يقتصر إبداع جينيس فقط على فن البوستر بل إنه ظل يعطي في مجال أغلفة الكتب والرسوم التوضيحية حتى أنه فاز بجائزة أحسن غلاف رواية من رابطة رسامي الأغلفة والرسوم التوضيحية كما حصل عام 1985 على جائزة أحسن غلاف من جمعية (رومانتيك تايم).

ولد جينيس في سينسناتي بولايه أوهايو عام 1926 ودرس الفن بجامعه أوهايو ومازال يعمل حتى الآن في أغلفة الكتب رغم أنه قد تعدى عامه الثمانين منذ سنوات .

في عام 1992 منحته رابطة الفنانين التشكيليين الأمريكية في نيويورك جائزة الفنان الأول وشهادة تقدير على مجموعة من تصميمات الأرابيسك التي رسمها وصممها لإحدى دور عرض اللوحات في مانهاتن كما حصل على عدة جوائز من رابطة منتجي هوليوود.

  • الفنان الأمريكي روبرت ماك جينيس معجزة فن الأفيش
    الفن الأمريكي اقترب أكثر من القيم التسويقية للفن
    والت ديزني : جينيس يملك خيالاً قوياً جعله ينتقل لعالم الشخصيات الواقعية
    كاروتسا " جينيس متعدد المواهب ودافينشي فن البوستر
    جينيس صاحب أشهر 40 "بوستر سينمائي" في القرن العشرين
    بقلم - باسم توفيق
    الراية القطرية

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 

18/06/2014

ورقة من حياة فنان