أبو الفوارس عنترة، أبو صبحي التيناوي
 أبو الفوارس عنترة، أبو صبحي التيناوي
عنترة و عبلة، أبو صبحي التيناوي
عنترة و عبلة، أبو صبحي التيناوي
 مجموعة رسوم لرفيق شرف حول سيرة "عنتر و عبلة"
 مجموعة رسوم لرفيق شرف حول سيرة "عنتر و عبلة"
 مجموعة رسوم لرفيق شرف حول سيرة "عنتر و عبلة"
 مجموعة رسوم لرفيق شرف حول سيرة "عنتر و عبلة"
" عنتر و عبلة على مطيتهما"
47.7صم/59,5صم
رسم مجهول
"عنتر و عبلة"
47.7 صم/48صم
رسم مجهول
 
 
 
 
  • تعد سيرة "عنترة و عبلة"[1] في الأدب وتاريخ الميثولوجيا، من روائع الملاحم القصصية. والملحمة كما نعلم هي حكاية حياة الأبطال التاريخيين أو القدّيسين، والقادة العظماء عند الشعوب والأمم، ممن سموا إلى مراتب الإنسان - الأعلى أو «الإنسان الكامل. ومع أن هؤلاء هم في العادة بشر عاديون  من أمثال عنترة، و الزير سالم، والجازية... إلا أنهم احتلوا في الوجدان الشعبي مراتب القدّيسين الشهداء أصحاب البطولات والكرامات والمقامات الدينية.

       لعل سيرة عنترة هي الأكثر شهرة ومكانة والتي أضفي عليها الخيال الشعبي الكثير من التغيير والتبديل والمبالغة موليا بذلك أهمية للمغزى في تلك السيرة أو غيرها أكثر من الحقيقة التاريخية بحرفيتها. إن تلك السيرة التي صوّرت الأبطال وشجاعتهم قد ألهبت خيال الرسام الشعبي بنفس الدرجة التي أثرت فيه على ما كان يستمع إليها أو يقرؤها لهذا فقد جاءت لوحات هؤلاء الرسامين استجابة لهذا الحماس الشعبي.

    فانفعل الرسام الشعبي بتلك السير وتأثر بأبطالها الذين يشكلون نموذجا يتحدا من حيث الشجاعة والمروءة والأخلاق ويصف تلك السير"محمد كرد علي" بأنها"… روايات حماسية تمثل الشجاعة والكرم والأنفة والحمية والوفاء والصدق والمروءة والجرأة وحفظ الزمام ورعاية الذمار والجار…"[2]

    وثمة إجماع في المخيال العربي على عنترة البطل الملحمي الجاهلي، الذي بالرغم من أنه لم يكن يدافع لا عن الأمة ولا عن الدين، بل عن قبيلته وحقه في التقدير، وطلب الاعتراف بالذات والجدارة والكينونة وتحقيق الذات، فإنه مثّل في الوجدان الجمعي مثال الحرية والفروسية والبطولة والشهامة والكرامة، والنبل الإنساني، فيما يتعدى اللون والجنس والأصل والفصل، والحسب والنسب.

     وتوسعت سيرة عنترة، وأصبحت كـ «ألف ليلة وليلة» سيرة سردية كبرى، أضاف عليها المخيال الشعبي حكاياته عبر القرون. يرى د."عبد الحميد يونس" أن السيرة استغرقت خمسة قرون وأكثر حتى تكاملت في سيرة جامعة، ويعني هذا الرأي أن «سيرة عنترة» أصبحت ملك الحكواتي وكاتبي السير الشعبية والأدبية من الرواة والإخباريين. كما مثلت موضوع أخذ من إهتمام مجموعة من الرسامين.

فتناول الرسام الشعبي "أبو صبحي التيناوي" و "رفيق شرف"، سيرة عنترة باعتبارها رمزًا للبطولة والفروسية والإخلاص في الحب، ورفض العبودية والعنصرية والسعي وراء العدالة الاجتماعية والمساواة وتحقيق الذات.

     وتقول نجاح حرب عن جدها "أبو صبحي التيناوي" كان جدي وكعادة أهل الشام يذهب إلى مقهى الحكواتي ويستمع منه لقصص الزير سالم وعنترة وعبلة والظاهر بيبرس وغيرهم فتترسخ هذه القصص بمخيلته وعندما يعود إلى محله في باب الجابية يستعيد هذه القصص ويرسمها على الزجاج ويقوم بتركيب ألوان خاصة به وبنفسه لتنتج معه لوحات فولكلورية جميلة تعبر عما تحدث به الحكواتي".[3]

      و يظهر عنترة في أعمال أبو الصبحي التيناوي فارس أسود اللون يركب دائماً جواده الأبجر بالزي الميداني والشارب الطويل. و معه الرماح و النبال والخناجر يضرب بسيفه عدوه عبد زنجير، وأحيانًا وهو يصارع ملك الجان، أو يقطع برمحه رأس الثعبان (رمز الشر). إلى جانب هذه الرسوم يسجل الرسام ألقاب عنترة وأسماء مرافقيه «عنترة أبو الفوارس، عبلة، شيبوب..إلخ»، وتُزين اللوحة بشيء من شعره  (من الرجال سلاسل وقيود وكذا النساء خلاخل وعقود).     

    و تبدو عبلة، في هذه الرسوم امرأة جميلة، مزدانة بالحلي والعقود، متألقة بالزي البدوي، تارة تظهر على حصان، وتارة على جمل داخل هودجها. وتظهر في بعض الرسوم كأنها رمز الأنوثة حاملة بيدها تفاحة حواء، وفي البعض الآخر رمز للمحبة والصداقة تقدم لزبيدة زوجة هارون الرشيد (...) باقة من الزهور، إلى جانبها يُكتب «عبلة ابنة مالك» وأسماء الصحابة والمرافقين.

     أما عنترة وعبلة في رسم واحد، فيظهران وكأنهما في عرس، هو على الحصان وهي في الهودج، ومعهما مرافقون وخلفهما رموز شعبية «أفعى، نخيل، كف، أسد، طيور، زهور...».. إلخ.

      ولعل الفنان الشعبي "أبو صبحي التيناوي" أسس لنفسه مدرسة فنية بحسه الفطري والعفوي كانت إلهاما لغيره من الفنانين جعل من الكتابة التوضيحية لشرح أسماء أبطاله وشخوصه بجانب الشخصية وربما مع بعض الأخطاء الإملائية كل ذلك كان احد سمات تلك المدرسة الفنية التي تحمل بصمات أبو صبحي التيناوي.

    فالعودة إلى تراث الحكاية الشعبية العربية الذي يحتضن رموزا للبطولة مثل: سيرة "الزير سالم" و"عنترة" و "الزناتي خليفة" و"أبي زيد الهلالي"، و توليد شخوص وأحصنة وفضاءات أخذت حيزا كبيرا أيضا من اهتمام الفنان اللبناني "رفيق شرف" تمثلت في ثلاثة معارض أقامها بعد عام 1967. ففي عودة "رفيق شرف" إلى الرسوم الشعبية، عودة إلى الذاكرة التشكيلية الشعبية العربية بروحية البحث عن قيم جديدة للوحة العربية المعاصرة، حتى إنه في لوحات الأيقونة البيزنطية أو غير البيزنطية كان ينطلق من إشارات عرفها في طفولته محاولا مد اللوحة العربية بعناصر وروح جديدة. فاتخذ سيرة "عنترة" موضوعا لأعماله التشكيلية المتنوعة، برؤية حداثوية جديدة. تعالج في لوحات زيتية رائعة، وكانت مرحلة من أهم المحطات الفنية التي مر بها، وهذه المرحلة الفنية عرفت بمرحلة «عنترة وعبلة»، أو مرحلة الفن الشعبي عند شرف. وقد حافظ الفنان في هذه التجربة على بعض الخصائص التي إمتاز بها التصوير الشعبي، فأهمل المنظور والتشريح، وضخّم من طول الشنب، وأبقى على حاجبي الوجه يتصل كل منهما بالآخر وكبّر العينين، وأبرز العناصر الرئيسية في اللوحة، إلا أنه ألغى المصطلحات الطبيعية والزخرفية والكتابة على خلفية العمل.

   أعماله في هذا المجال، كانت رمزية تعبيرية، فيها تقنية عالية، ومعالجة لونية حديثة. لقد نقل الفنان شرف الموضوع التراثي "سيرة عنترة" إلى مستوى العمل الفني التشكيلي الحديث العالمي. و يقول شرف: "استلهمت من التراث ما يفيد تشكيليًا، هادفًا في الوقت نفسه إلى إحياء روح الكرامة والبطولة في الإنسان العربي المهزوم بعد حرب يونيو عام 1967... أنا ملتزم في إطار استلهام التراث حتى الآن. إلتزام بمعنى الشعور بأهمية تراثنا والبحث التشكيلي فيه، وهو من جانب آخر التزام بأصالة الروح وتاريخها وحضارتها، إنه بالنسبة إلي التزام ذاتي"[4]

       فرسم "رفيق شرف" "عنترة"، رمز للبطولة، والشجاعة، والإخلاص، والحب، والصدق، والشهامة، بصحبة "عبلة" امرأة جميلة، مزدانة بالحلي والعقود، متألقة بالزى البدوي ، أما عنترة فيظهر في هذه الرسوم فارسا يمتطي دائما ظهر جواده «الأبجر»، ويظهر بالزي الميداني، والشارب الطويل، مجهزا بالنبال والرماح والخناجر، حاملاً بيده رمحه، ومنطلقًا نحو الهدف.

      ولا ننسى الحصان فهو حاضر باعتباره عنصرا تشكيليا أولا و جزءا من حركية المشهد في السيرة ثانيا، و يعتبر الحصان  رمزا هاما في الفكر الأسطوري، فليس من الاعتباط أن يوظفه "رفيق شرف".

     فكان لهذا الحيوان في البيئة البدوية أهمية قصوى و احتل منزلة رفيعة عند العرب عامة منذ الجاهلية حتى أنهم قاتلو لأجله (حرب داحس والغبراء) وكان رمزا لترحالهم وفروسيتهم فوقع الاهتمام به في الرسم الشعبي باعتباره قيمة دالة على فتوة الفارس والقبيلة. وعنترة، الشاعر، ثبت جودة قريحته، كما برهن على قوة نصله وسيفه، بحيث علّقت معلقته على أستار الكعبة.

 ويقول عنترة في إحدى أشعاره:

 

حـصـانــي كــــان دلاّل الـمـنـايـا فخاض غمارهـا وشـرى وباعـا

وسيفـي كـان فـي الهيجـا طبيبًـا يداوي رأس مَن يشكو الصداعا

 

     فقد حفظت سيرة عنترة، العامة والخاصة، على حد سواء، ورواها الأجداد، وحظيت باهتمام الكتّاب والشعراء والفنانين والرسامين. وأصبحت قيمها الاجتماعية والأخلاقية هي قيم البيئة العربية والأمة العربية. و الرسام الشعبي صوّر هذه السيرة، ورسم بطلها يصارع الأعداء من أجل الحق والحرية، وفاء لهذه المعاني وإكراما لبطلها، وتلبية لرغبة الشعب العربي. 

  • سردية التشكيل: "سيرة عنترة نموذجا"

 تقديم الطالبة حميدة الطيلوش من تونس باحثة لنيل شهادة الدكتوراه في علوم وتقنيات الفنون.

 

 [1]  هي قصة تستمد شهرتها من ناحيتين : من شهرة صاحبها الفارس الشاعر البطل، ثم من القصة الشعبية التي دارت حولها. و على الرغم من شهرة هذه القصة، وعلى الرغم من ضخامة القصة الشعبية التي دارت حولها وكثرة التفاصيل والحواشي بها، فإن المصادر القديمة لا تمدنا بكثير من تفاصيلها، ولكنها في إطارها العام قصة ثابتة لا شك فيها بدلالة شعر عنترة الذي يفيض بأحاديث حبه وحرمانه.

نشأ عنترة العبسي من أب عربي هو عمرو بن شداد، وكان سيدا من سادات قبيلته، وأم أجنبية هي زبيبة الأمة السوداء الحبشية، وكان أبوه قد سباها في بعض غزواته. و سرى السواد إلى عنترة من أمه، ورفض أبوه الاعتراف به، فاتخذ مكانه بين طبقة العبيد في القبيلة، خضوعا لتقاليد المجتمع الجاهلي التي تقضي بإقصاء أولاد الإماء عن سلسلة النسب الذهبية التي كان العرب يحرصون على أن يظل لها نقاؤها، وعلى أن يكون جميع أفرادها ممن يجمعون الشرف من كلا طرفيه : الآباء والأمهات، إلا إذا أبدى أحد هؤلاء الهجناء امتيازا أو نجابة فإن المجتمع الجاهلي لم يكن يرى في هذه الحالة ما يمنع من إلحاقه بأبيه.

و حانت الفرصة لعنترة في إحدى الغارات على عبس، فأبدى شجاعة فائقة في رد المغيرين، وانتزع بهذا اعتراف أبيه به، واتخذ مكانه فارساً من فرسان عبس الذين يشار إليهم بالبنان.

و وقف طفل الحب الخالد يلقى سهامه النافذة ليجمع بين قلب عنترة وقلب ابنة عمه عبلة بنت مالك. و تقدم عنترة إلى عمه يخطب إليه ابنته، ولكن اللون والنسب وقفا مرة أخرى في طريقه، فقد رفض مالك أن يزوج ابنته من رجل يجري في عروقه دم غير عربي، وأبت كبرياؤه أن يرضى بعبد أسود مهما تكن شجاعته وفروسيته زوجاً لابنته العربية الحرة النقية الدم الخالصة النسب.

ويقال إنه طلب منه تعجيزاً له وسدا للسبل في وجهه ألف ناقة من نوق الملك النعمان المعروفة بالعصافير مهراً لابنته، ويقال إن عنترة خرج في طلب عصافير النعمان حتى يظفر بعبلة، وأنه لقي في سبيلها أهوالا جساما، ووقع في الأسر، وأبدى في سبيل الخلاص منه بطولات خارقة، ثم تحقق له في النهاية حلمه، وعاد إلى قبيلته ومعه مهر عبلة ألفاً من عصافير الملك النعمان.

و لكن عمه عاد يماطله ويكلفه من أمره شططا، ثم فكر في أن يتخلص منه، فعرض ابنته على فرسان القبائل على أن يكون المهر رأس عنترة.

ثم تكون النهاية التي أغفلتها المصادر القديمة وتركت الباحثين عنها يختلفون حولها، فمنهم من يرى أن عنترة فاز بعبلة وتزوجها، ومنهم من يرى أنه لم يتزوجها، وإنما ظفر بها فارس آخر من فرسان العرب. وألقى الرماد على الجمرة المتقدة بين جوانحه، وهو رماد كانت ذكريات الماضي تلح عليه من حين إلى حين، فتكشف عن الجمرة التي لم تنطفئ جذوتها من تحته، حتى ودع الحياة.

 

 كرد علي، محمد، خطط الشام، ج6، مطبعة المفيد 1928، دمشق، ص 286.[2]

 عن جريدة الشرق الأوسط الإلكترونية، عنتر و عبلة و الزير سالم في دمشق، 28 ديسمبر2007 ، العدد 10731.[3]

[4] http://s0s0.com/vb/showthread.php?t=33978

 

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         
21/05/2014

الفن وما حوله