عمل نحتي للفنان التونسي الهادي السالمي
 
نور الدين بنعمر
تنصيبة بعنوان "البين بين"؛ تونس 2014.
عادل مقديش
Spirales dorées - 110X80cm - Acrylique sur toile –
نجا المهداوي
SÉRIGRAPHIE SILKSCREEN PRINT, ED. 16/40
58X38 CM, 1990
الحبيب بيدة: 2005
سامي بن عامر
Technique mixte sur toile. Inerligne 1.10m x 1.60.
Abdelaziz Gorgi "La Monnaie" Tissage à poils ras
عمل خزفي: طلال قسومي
كل واحد وثنيتو. تونس 2014
تلاقي 75/50صم. حبر صيني على ورق شكري عزيز، 2013
عمل خزفي لابتسام بالكيلاني
فوضى الحواس: فيفري 2014
 
 
 
  • يطرح هذا النص قضية شائكة في مجال الفنون التشكيلية ببلادنا. وهي مسألة تداخل الفن  بين الثقافي والاقتصادي. ومن خلال هذا التداخل المذكور نتطرق للتساؤل عن الدور المناط بعهدة المؤسسات بتفرعاتها   المختلفة   بين المدني والحكومي للترويج للعمل الفني في البلاد التونسية.

هو سؤال عميق ومشروع وبخاصة إن عدنا لتاريخ الممارسة في بلادنا، فهي ليست ممارسة فتية بل أصبحت تناهز القرن ونيف، هذا من جانب من جانب آخر فإنه من المشروع والمباح الحديث عن تداخل الثقافي بالمجال الاقتصادي ولسنا في ذلك أصحاب بدعة بل إننا في طرحنا هذا نساير النظم والأطر العالمية التي أخضعت منذ عهد، المنتوجات العلمية والفكرية والإبداعية لمنطق سوق العرض والطلب حد وصل فيه التنافس أشده في هذا المجال بين الدول الغربية على غرار الولايات المتحدة الأمريكية والصين وبريطانيا وغيرها من الدول التي اقّتنعت وأقنعتّ بكون العمل الفني قابل للترويج وتحقيق موارد مالية هامة، دون التغاضي عن بعده التثقيفي والترويجي للقناعات الفكرية.

كما أنه لنا في محيطنا العربي بعض النماذج التي راهنت على البعد الاقتصادي للعمل الفني على غرار إمارتي دبي وقطر، وفي رهانها هذا حققت هذه الدول الخليجية جملة من المكاسب، والتي توزعت بين كثافة الاستقطاب السياحي وأيضا المدخول المادي للعملة الصعبة التي تساهم بدورها في تنشيط الدورة الاقتصادية.

وبالتالي فإنّ مسألة التداخل بين المنتوج الثقافي والبعد الاقتصادي مسألة مفروغ منها وفي هذا نستحضر قول الد: سامي بن عامر، حيث يقول في ذات الشأن " إن كان العمل الفني إنتاج ثقافي، هو أيضا منتوج مادي ومحسوس، قابل للمبادلة في السوق، سوق الفن"[1].

  ولسنا في تناولنا لمسألة تسويق العمل الفني سبّاقين ولا مبتكرين، بل نحن في ذلك نبحث عن إمكانية التموقع داخل هذه السوق من خلال البحث عن منطلقات مادية وعلمية تأهلنا لبناء سوق فنيّة داخل بلادنا.

وبخاصة إن سلمنا بكون المنطلقات والممهدات الإبداعية قائمة الذات في تونس، بالنظر لما تحويه من تنوع في مستوى الممارسة منذ بداية ملامسة اللوحة المسندية في العشرية الأخيرة من القرن التاسع عشر مع "أحمد عصمان " مرورا بإحداث أول صالون للعرض الفني سنة 1894 والتي احتضنته الجمعية العالمية المالطية والتي كان الفنان التونسي "عبد الوهاب الجيلاني" أول تونسي يعرض فيها أعماله سنة 1912[2].  بالإضافة إلى تنوع الممارسة التشكيلية منذ إحداث مدرسة تونس في أواخر الفترة الاستعمارية، وأيضا النصف الثاني من القرن الماضي الذي افرز تنوعا هام في مستوى الممارسة وطرح لغات وخطابات مختلفة في التناول والطرح وصولا إلى يومنا هذا الذي يشهد انفتاح الممارسة التشكيلية التونسية على مصطلحات ومفاهيم الفن المعاصر، بالإضافة إلى ما يشهده من انخراط لخريجي أكاديميات الفنون في النشاط والعروض.

ومثل هذا التنوع والامتداد في ممارسة الفنون التشكيلية بتونس من شأنه أن يمهد السبل لبناء أو التأسيس لسوق فنية.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المستوى هل أن وجود وتنوع الأنامل الممارسة للإبداع التشكيلي كفيلة ببناء سوق فنية ببلادنا؟  

وإن توفر الشرط الأول من إحداث هذه السوق،  فالحلقة الثانية مازالت بنظرنا غير مكتملة، فبالرغم من حضور العرض بصفة كثيفة إلا أن عنصر  الطلب يعاني نقصا كبيرا، حيث أنه مازال مناطا بعهدة الدولة المتمثل في لجنة الشراءات التابعة لوزارة الثقافة، هذه التي يقول عنها  الفنان التشكيلي " سامي بن عامر"، " لجنة شراءات الدولة التي بعثت أساسا لاقتناء أفضل الأعمال الفنية بهدف تكوين مخزون المتحف الوطني للفن الحي، قد زاغت عن سيرها منذ فترة طويلة، إذ أصبحت بمرور الوقت وفي ظل غياب هذا المتحف، لجنة تعمل على إرضاء الجميع من محترفين وهواة باقتناء الغث والسمين"[3]  

فأين هذا المتحف الوطني للفن الحي؟ وأي مصير لتلك الأعمال التي تم اقتناءها من طرف لجنة الشراءات؟

 كما أن مسألة مركزية العرض المنحصر في العاصمة تعد هي الأخرى من  بين الإشكاليات التي يمكن أن تكون عائقا لإحداث تنوع في الممارسة وفتح المجال لانخراط بعض الفنانين من باقي تراب الجمهورية  في عرض أفكارهم وتصوراتهم، وعدم فتح فضاء تلقي العمل الفني ( مع بعض الاستثناءات التي أوجدها نشطاء المجتمع المدني). فحتى اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين تشمله صفة المركزية وليس له فروع جهوية  منتشرة في كامل تراب الجمهورية ( باستثناء صفاقس وسوسة والمنستير).

  ولعل ذلك عائد لنقص الموارد المالية التي من شأنها أن تعيق قيام مثل هذه المؤسسة بتوسيع نشاطاتها على كامل المناطق التونسية، فالمنخرطين في  هذا المكسب المهم حين يودون المشاركة في ملتقياته وعروضه يجب عليهم نقل أعمالهم إلى العاصمة بصفة فردية وهو ما من شأنه أن يعيق تكثيف المشاركات وانحصارها في الولايات القريبة من العاصمة، والسؤال المطروح اليوم ألم يحن الوقت لتوسيع رقعة نشاط اتحاد الفنانين وولوجه إلى داخل البلاد عبر إيجاد هياكل جهوية تساهم في تنشيط الحركة التشكيلية وتقريب العمل من المتلقي ونشر الوعي بأهمية هذه الممارسة ودروها الثقافي؟

لأنه يعوزنا بصفة جلية، متذوقين للعمل الفني. فالمسافة بين الفنان والجمهور شاسعة جدا بل هي تمثل هوة كبيرة بالنظر لكون الفنانين يتقاسمون الأدوار فيم بينهم مرة يكون أحدهم الباث والأخر متلقي، وفي بعض الأحيان الأخرى تؤثث قاعة العرض ببعض الوجوه الأخرى التي تتفاوت نسب حضورها من معرض لأخر، ولهذا فإن إشكالية ضيق رقعة جمهور الممارسة التشكيلية تطرح كعائق مهم أمام إمكانية تأسيس سوق فنية محلية، ولعل تدخل المجتمع المدني عبر الجمعيات المهتمة بالفنون التشكيلية من شأنه أن يزيد من فرص التعريف بالممارسة وتقريبها من الجمهور بمختلف مشاربهم ويزيد من فرص تجذير الممارسة التشكيلية في الوعي الجمعي وترسيخ قيمها الثقافية والإبداعية في الأذهان.

ثم أليس من الممكن أن يكون للإتحاد نشاطات أخرى تتجاوز تلك التظاهرات الموسمية؟  أليس حليا بالدولة  أن تزيد من قيمة الدعم المالي لهذه المؤسسة  وغيرها من المؤسسات ذات الشأن على غرار رابطة الفنون التشكيلية والجمعيات لتتمكن من توسيع مجالات نشاطاتها وتطوريها بغية الرقي بالممارسة التشكيلية التونسية وتوسيع قاعدتها الجماهرية؟ على غرار التجربة الأخيرة لبنالي الفن المعاصر والتي نعتبر النواة الأولى لتأسيس لتظاهرات عربية وعالمية تساهم في التعريف بالفن التشكيلي والبصري التونسي، ويجب الاستفادة منها وتطويرها لتصبح من التظاهرات العالمية ذات الشأن، وهي التجربة التي كتب عنها الناقد "محمد مهدي حميدة" يقول: " أمكن لبينالي تونس للفن العربـي المعاصـر، من خلال دورته الأولـى التي انطلقت فـي الحادي عشر من شهر ديسمبـر 2013، أن يخطو خطوة حقيقية نحو خلق مساحة عربيـة جديدة تعبر بالفن في جهة مغايرة للواقع المحبط، عبر تقديم حالة فنية عربية لم تقع في مجملها تحت طائلة المفهوم، بقدر ما ذهبت نحو فكرة الالتقاء، وهو ما يجعل هذه الدورة فاتحة لمشروع ثقافـي جامـع يمكن له أن يتنامى ويتطور، وفقاً لما يمتاز به المشروع التشكيلي العربي من تنوع وتعدد يمتد بامتداد جغرافيا الواقع، وزمانية الوجود"[4].

 مثل هذه الخطوات التي أحدثها بينالي تونس الأول من شأنها أن تساهم في تطور المشهد البصري التشكيلي بتونس وبالعلم العربي عموما كما قال الناقد "محمد مهدي"، وهي في ذاتها الحين تكون فاتحة لبناء تظاهرات مشتركة بين العواصم والبلدان العربية لفتح فضاء أرحب لسوق الفن والتعريف بالمنتوج التشكيلي لدى جل أصقاع العالم. وهو ما من شأنه أن يدفعنني للتساؤل عن دور المنظمات الوطنية المختصة في المجال التشكيلي والثقافي في  العمل على مثل هذه التصورات وفتح فضاء النشاط التشكيلي التونسي.

 ثم لماذا لا تفعّل هذه الهياكل نشاطاتها من خلال عمليات التوأمة مع المنظمات والمؤسسات العالمية الغربية والعربية لتنشأ بذلك جملة من التظاهرات الداخلية والخارجية  التي من شأنها أن تساهم في إدماج الممارسة التشكيلية التونسية في سوق الفن العالمي؟ ولماذا لا تعمل الدولة على دعم الفنانين التونسيين للمشاركة في الملتقيات العالمية والمعارض الدولية؟  ثم أين ذاك الدور الذي يجب أن تقوم به سفاراتنا بالخارج في التعريف بالحراك الثقافي بتونس؟ 

فمسألة التعريف بالمنتوج التشكيلي التونسي مسألة ذات شأن، وهي قيمة مهمة في منطق السوق الحديثة والتي تفتقدها ممارستنا التشكيلية على النطاقين المحلي والخارجي، فمن الضروري أن تنخرط كل الأطراف المتداخلة في الممارسة التشكيلية لمعالجة إشكالية الترويج والتعريف بالمنتوج الجمالي والإبداعي التونسي، كما أن وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة مطالبة كذلك بأن تساهم في ذلك.

ويجب أن تقتنع كل الأطراف بكون العمل الفني يعكس تفكير المجتمعات، واحترام المجتمع لمبدعيه واحتضانه لهم من شأنه أن يترجم رقيه الحضاري لدى بقية الشعوب،  لكن وللأسف المبدعين في بلادنا العربية ( مع بعض الاستثناءات) لا يكرّمون ولا يحظون بالتقدير إلا بعد موتهم وهو ما يؤكده الشاعر التونسي "آدم فتحي" في معرض حديثه عن وفاة الشاعر والكاتب السوداني ( محمد حسنين بهنس)  وعن هذا الأخير يقول آدم فتحي " مارس الشعر وكتب الرواية وأبدع في التشكيل، وظل يبحث عن جرعة كافية من الحرية والحبّ والاعتراف إلا أن بلاده لم تمنحه ما يريد (...) تلك مرارة واقع عدد كبير من مبدعينا، بالأمس واليوم، ولن يتغير هذا الواقع ما لم تتغير الذهنيات وما لم يتغير الأشخاص الذين يترجمون هذه الذهنيات إلى سياسات" [5]        

ولكن لنأمل خيرا بعد ما سمي بالربيع العربي ونتمنى أن يتغير حال المبدع في بلادنا وفي جل أصقاع البلاد العربية وتزهر حياة المبدع بالاحترام والتقدير معنويا وماديا، و نرجو أن لا ينسي القائمون في هذا المجال أن الفنان حين يعرض أعماله للبيع فهو يعرض شيئا من روحه لذلك يجب أن يحترم ويقدر كل عمل إبداعي حق قدره.

 ونرجو أن لا تعود مقولة الدوعاجي في تشخيصه لوضع المبدع للمثول في أذهان مبدعينا والتي فيها يقول:

                        " عاش يتمنى في عنبة

                         مات علقوا عنقود

                      ما يسعد فنان الغلبة

                      الا منّ تحت اللحود."


 

[1]  الد: سامي بن عامر: مقال بعنوان: " سوق الفن في تونس... الرّهان" نشر بجريدة المغرب التونسية بتاريخ 19 ماي 2012 في الصفحة 21.

[2]  للإطلاع على هذه الممارسات يمكن العودة لكتاب "على اللواتي": ( الفن التشكيلي في تونس) منشورات منظمة الالسكو.

[3]  الد: سامي بن عامر: مقال بعنوان: " سوق الفن في تونس... الرّهان" نشر بجريدة المغرب التونسية بتاريخ 19 ماي 2012 في الصفحة 21.

[4]   محمد مهدي حميدة: " بينالي تونس للفن المعاصر مساحات عربية... ولقاء أجيال" نشر بمجلة الرافد الالكترونية الصادرة عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة. http://www.arrafid.ae/p28.html 

[5]  آدم فتحي: مقال عن وفاة الشاعر السوداني " محمد حسين بهنس" بعنوان "فنان غلبة أخر، فهل يكون الأخير". نشر بالركن الثقافي من جريدة الشروق التونسية الص 19 بتاريخ 24-12-2013.

 

  •  

  • الممارسة التشكيلية التونسية سؤال الترويج :من الموجود إلى المنشود
    إعداد الباحث: طلال قسومي

     

 

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         
14/03/2014

الفن وما حوله