ليندا بنقليز: الورقة : 1969
Lynda Benglis. Blatt, 1969.
800*627 ;197

Lynda Benglis : Peinture Latex Colorés 1969
Lynda Benglis : Peinture Latex Colorés 1969
Lynda Benglis : Peinture Latex Colorés 1969

This spread, Benglis
Making Adhesive Products
at the Walker

“Trio” at Van Abbemuseum
Lynda Benglis

Linda Benglis Fallen Painting 1968 Pigmented latex rubber
سقط الطلاء

 
 
  • إن إنشائية العمل الفنيّ وزمنية العرض في تجربة "ليندا بنقليز" Lynda Benglis لطالما كان لها أثر وإشكال مقارنة بالعديد من التجارب الفنية المعاصرة التي كانت قد طرحت العديد من الإشكاليات تمثلت في علاقة الفنّ بالفنان وبالجمهور وبقاعة العرض، كذلك المادة، المحمل والممارسة الفنية، ومدى استجابة وصراع الفنان وسيطرته على المواد وتقديمها داخل قاعة العرض في شكل عمل فني، ولعلّ الإشكال الذي يطرح هنا أو يلفت الانتباه.  ما هو العمل الفني مقارنة  بالمتحول والمتغير والمندثر وفي أيّ مرحلة يتموقع؟ وأين ملامسات الفنّان وأثره وتأثيره ؟ هل يتأثر بالمواد الزائلة والمتغيرة أم هي من تؤثر فيه؟

إنّ الفنانة "ليندا بنقليز" التي توجّه أعمالها لتنصهر وترتجل داخل قاعة العرض، لتبعث معنى العمل الفنّي حياة مستمدّة من زوال المادة ويتشكل العمل الفنّي لديها في قاعة العرض ويولد ويندثر في قاعة العرض، فالعمل الفنّي هنا يحيى حياة واحدة فقط، حياة زمن عرضه لنطرح التساؤل التالي :  

هل أصبح العمل الفنيّ المعاصر وتحديدا الفنّ الزائل لا يتجاوز عرضه المرّة الواحدة؟   أم أنّ فعل التشكيل (acte de création) هنا أصبح أكثر أهمية من نتيجة العمل الفنيّ ذاته ؟ و إن كان كذلك ألا تتداخل الفواعل المؤثرة في إنشائية العمل الفنّي، هل هي فعل الفنّان و أثره، أم أثر المادة وطبيعتها العضوية الزائلة، أم أنّ أثر الزمن فاعل كذلك في هذه الإنشائية؟ ليدفعنا ذلك للتساؤل عن العملية الإبداعية، وأين تكمن هل في الاختيار، الفعل، أم العمل الفنّي؟ كذلك أين تكمن علاقة الفنان بالمادة هل أنّ المادة فاعلة في الفنّان أم هو فاعل فيها ؟  وهل أن فنّ الأداء يقوم على حركات الفنّان مع المادة والمحمل أم أنّ المادة استغنت عن الفنّان لتؤدي هي دورها الأدائي ؟ ممّا يجعلنا ننشد مرحلة التأسيس عند الفنان هل أصبح أهم بكثير من نتيجة العمل الفنيّ في حدّ ذاته.

وهل أن إبداعية الفنان في علاقتها بفضاء العرض توحي بالتداخل بين الفن وعرضه أم أن تهجير العمل الفني خارج فضاءاته التقليدية يوحي بالتصادم والرضوخ. وان كان كذلك الا تعتبر هذه الجدلية القائمة على التوحد في آن والتصادم في آن آخر إلى نظرة مخترقة لعلاقة العمل الفني بالجمهور  والفضاء أيضا؟

وكيف يمكن لإنشائية العمل الفني أن تشهد  توافقا مع زمنية العرض، وهل  ان التداخل بين الإنشاء وزمنية العرض محكوم إلى رؤية فنية أم إلى طبيعة التجربة التشكيلية الفنية المعاصرة؟

ليتراءى لنا في إطار تجربة الفنانة عن إنشائية العمل الفني وزمنية العرض، رؤية لمواد الطبيعة المنصهرة والمتحولة والتى أدركنا خلالها كيف يمكن ان يكون العمل الفني في الطبيعة منحوتا داخلها أو مرسوما على أرضها وفضائها الشاسع الممتد، كيف نشارك الطبيعة أن تكون محملا للعمل الفني وكيف تكون المواد الزائلة والمنصهرة هي مادة العمل الفني ؟ كيف يمكن ان يكون التلاشي أو الاندثار هو العمل والصيرورة داخل العمل الفني ؟ فالفنان والطبيعة يتعانقان مرة أخرى في رؤية جديدة انخرط داخلها وركب المتحول فيها، وهي احتوته وأبدت برأيها فيما يفكر فيه وما يرمي إليه فنان ما بعد الحداثة.

فقوّة اللحظة توهمنا بتحوّلها رغم ثباتها، فالمادة هنا أو الأثر الفنّي قد ولد في لحظة خاطفة كأنّه يقصّ علينا لحظة وجوده الأوّل، فتشكّل المادة الزائلة التي تفلت من التأمل الدقيق     والتمعّن العميق على هيئات مثبتة وكأنّها أوقفت الزمن  الفاعل في هذه المادة في لحظة انتظار فهذا المتحوّل يتواجد في دائرة إفلات وصيرورة ليكون بذلك على عتبة الرؤية المعاصرة.

      إن المتأمل في التجربة الفنية للفنانة "ليندا بنقليز" يجدها ترتكز على المادة بجميع أسسها وعضويتها وخاصة جانبها الفيزيائي من صلبة  ومنصهرة   ومتجمدة.

 فالملاحظ في الأعمال التي قدمتها ليندا بنقليز داخل قاعة العرض أنها تتفرع إلى العديد من الإشكاليات التي تتمحور جلها حول الممارسة الفنية عند هذه الأخيرة،  فهي تكاد تكون تجربة معقدة بعض الشيء . إذ كيف يمكن أن نجمع بين الأداء والعرض والمواد والممارسة، فالمواد تتحرك على مجال محدد لها ولكنها تشكله كما يحلو للمادة وليس كما يريد الفنان. إنه عراك مع المواد والخامات وهو حياة تشكيلية غير محددة سلفا. أفلم يستنتج هنري فوسيون (H. focillon ) في " حياة الأشكال " (vie des formes) أن أي خامة تستدعي من خلال طبيعتها ما يروق لها من الأشكال والمواضيع حتى يعلن في منتصف القرن العشرين أن " المادة تفرض شكلها على الشكل " فليندا بنقليز تعلن صيرورة العمل فقط والمادة هي التي تتشكل من تلقاء نفسها لتظل الفنانة تنتظر مع المتفرج على العمل وما ستكون عليه المادة بعد انصهارها فهي تأخذ العديد من الاتجاهات والمنحنيات التي تقتضب نوعا ما وتظهر رغبة أساسها عضوية المادة لا أكثر . كما يظهره عملها " الورقة " " blatt "

     فهنا يقوم عملها على عدة اختيارات تساهم في استمرارية التشكل، فهذا السيلان لمادة الدهن بمختلف الوانه يقوم على استغلال اولا لفعل الامتداد للمادة السائلة إضافة إلى اختيار الفنانة لركن قاعة العرض يتميز بالانحدار مما ساهم في إتباع المادة لمسار غير متوقع ولا حدود له . حيث تقول ليندا بنقليز "اعتقد انني اشكل لوحة بالسوائل".

       هذا الترامي للمادة إلى ألاتحدد وهذا الشكل، أو العكس الصحيح يصبح طرفا في تكوينية الفضاء، كيف تولد الأشكال من بعضها لتستحيل إلى حركة تأملية تخادع العين ما بين الثبات و التحول ؟  أهي تداعيات لعبية لمادة حرة، أم هي بهلوانيات الأشكال التي تتحرك،  تتآلف ، تتجاسد،  تتصارع،  تتصاهر و تتماهي في المتاهة وتسير على غير منهج في ركن من قاعة العرض.

      لنتساءل هنا هل أن المادة فاعلة في الفنان أم هو فاعل فيها ؟ كذلك هل أن فن الأداء يقوم على حركات الفنان مع المادة والمحمل أم أن المادة استغنت عن الفنان لتؤدي هي دورها الأدائي ؟ حتى يمكن القول هنا أيضا " أن ما بعد الحداثة يتجه الفنان نحو اللهو    والانفتاح والوظيفة الاتنفيذية والانفصال والأشكال غير المحددة أو التي في غير مكانها  والأجزاء المتناثرة من الجدل والإيدولوجية المشروخة أو الإرادة التي تسعى لهدم ما هو موجود واستحضار الصمت - فهو يسعى لكل هذا ولكنه يوحي مع ذلك بعكسه أو بالحقائق المضادة له ".

إن الفنانة ليندا بنقليز هنا تقدم نوعا من التداخل الضمني لمفهوم الممارسة والتي ينبغي أن توصد العديد من المفاهيم، فالعرض مرتبط ومتداخل بالآداء فهو من شانه أن يقلل من قيمة الفرجة، كذلك المادة تتحول من حالة إلى حالة أو "مادة تفعل ذاتها بذاتها" كما صرح باتريس دورامي .patrice doramy 

 أي أن العمل الفني  يكمن في تحول المادة وليس في تداخل المواد، والتحول هنا هو مشحون بمفهوم الركح، فالمادة لا تعرف كيف تتشكل وإنما تقدم ارتجالا لحظة تشكلها      والارتجال هو"ذلك العملية أللإبداعية لحظة إبانها و لا تتم خلال إدراكنا نحن لها" فتعدد احتمالات التشكيل يكون هو الفيصل الصغير والقاسم المشترك بين مراحل تشكل المادة     وتحولها إلى عمل فني ليجعلنا ننشد اللحظة التي يليها.

إنه مسار تقطعه المادة ولا يتكرر لنخلص إلى ذلك المفهوم القائم وهو "تجربة المادة وإنشائية المسار" تجربة تكاد تكون غامضة لكن لا تلمح عنها إلا المادة وما تفرزه من إمكانيات تشكيلية تكاد تكون غائبة تماما عن كل شيء من حولها وإنها تتعدى ماهو مفهومي وماهو تشكيلي وما يمكن أن نسميه بإنشائية العمل الفني.

                إنّ الطبيعة بموادها يمكن أن تأثر في الباحث التشكيلي، الإنسان المفكّر الذي يسعى دائما إلى اكتشاف كوامن الطبيعة مجرّبا موادها ويصنع أشكالا مختلفة وممارسات مغايرة يدخل بها عالم المغامرة، مغامرة لا معنى لها إلا فيما تخبئه وما تحمله من أشكال ونظرة جديدة ومن إمكانيات تقنية  وإبداعية تزيد إنشائية العمل الفنيّ المعاصر ضبابية تدفعنا للبحث في خباياها كلّما إدّعينا الإلمام بها.           

  •  

  •  

  • فوزي تليلي، باحث جامعي من تونس
     أثر المادة بين الزواوالتشكل                              
    من خلال تجربة ليندا بنقليز

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         
22/12/2014

الفن وما حوله