الزمن المهيمن، لوحة للفنان سيسليه (Alfred Sisley)
لوحة سوريالية للفنان: ماغريت (René Magritte)
لوحة زمنيتها صيفية. الفنان محمد كريش
صورة زمنيتها شتائية. الفنان مونيه((Monet
لوحة قلعة البيرينه للفنان: ماغريت (René Magritte)
لوحة العذراء والأرنب للفنان تيتيان (titien)
لوحة زنبق الماء للفنان مونيه (monet)
 
 
 
 
 
 
 

تحديد مصطلحي:

في البداية، لابد لنا من تحديد الزمن اصطلاحا في مقالتنا هذه، لتحييد كل لبس قد يعتريه لدى القارئ، لذا نورد تعريفا بهذا الشأن :  

- [... إن الزمن بعد فيزيائي رابع للمكان حسب نظرية النسبية الخاصة، لكنه لا يعدو كونه وسيلة لتحديد ترتيب الأحداث بالنسبة لمعظم الناس.

ربما يكون مصطلح الزمن الأعصى على التعريف، فالزمن أمر نحس به أو نقيسه أو نقوم بتخمينه، وهو يختلف باختلاف وجهة النظر التي ننظر بها بحيث يمكننا الحديث عن زمن نفسي أو زمن فيزيائي أو زمن تخيلي.

لكن يمكننا حصر الزمن مبدئيا بالإحساس الجماعي للناس كافة بـتَوَالي الأحداث بشكل لا رجوع فيه، هذا التوالي، الذي يتجلى أكثر ما يتجلى بتوالي الليل النهار وتعاقب الأيام، فرض على الناس تخيل الزمن بشكل نهر جار باتجاه محدد لا عودة فيه ... [ [[1][.

- تعريف كلمة العَصْر: [... من بين ما جاء بخصوص تعريف الكلمة في قاموس المعاني ما يلي :  والعَصْرُ الزَّمَنُ ينسب إِلى مَلِكٍ أَو دولة ، أَو إِلى تطوُّرات طبيعية أَو اجتماعية؛ يقال : عصرُ الدولة العباسية ، وعصرُ هارون الرشيدِ ، والعصر الحجرِيّ، وعصر البخار والكهرباء، وعصر الذَّرَّةِ . ويقال في التاريخ ) : العصر القديم، والعصر المتوسط، والعصر الحديث...) [ [[2]] 


 

 

[1]- (http://ar.wikipedia.org) موضوع البحث : "الزمن"

[2]- (http://www.almaany.com) موضوع البحث : "العصر"

 

هدفية الورقة: 

في مبحثنا هذا، سنحاول تعقب متوالية الأحداث المرحلية التي تتشكل ضمنها اللوحة كصورة وكمضمون، تتمظهر فيها مختلف العناصر الأيقونية حسب تجانس وتوليف معين ومضمر، أسسه وانتهجه الفنان لتفضي في النهاية إلى مشهدية تجسد للحظة ما، في زمان ومكان/فضاء معينين، بطابع يستنسخ/ينقل الواقع، أو مجرد تصوير افتراضي يتعدى الواقعية منبثق عن فعل التخيل أو الخيال. إذاً سنحاول الإحاطة -ما أمكن- بصيرورة تبلور اللوحة/المشهدية تلك، متقصين مراحل تطورها المتنوعة من بدئيتها حتى اكتمالها النهائي...

 كما نود الإشارة إلى أننا قد ارتأينا أخد بعض اللوحات الفنية العالمية بعينها، وهي تنتمي إلى الاتجاه التشخيصي/الواقعي/التصويري، (هذه التوصيفات بالنسبة لنا ترمي لنفس المسمى رغم مفارقة بعضها بعضا مفاهيميا حسب الحقول المعرفية التي تُتناول ضمنها ) كعينات نموذجية تشكل أرضية تتساوق ومقصدية هذا المبحث؛ وعليه، فإن هذا الاختيار لا يعني بحال من الأحوال أن تلك النماذج تشكل لوحدها دون غيرها مشهديات بصرية فنية تتميز بعنصر الزمن حصرا.

زمنية الصورة في صيرورة تبلورها:

 تتبلور صياغة اللوحة التشكيلية التصويرية عبر مراحل تعاقبية بنائية تطورية، يكون الفنان /المنتج المحدد لكينونتها بامتياز، شكلا ومضمونا وإنتاجا. تعاقبية المراحل هذه، تمثل كذلك تعاقبية زمنية تستهلكها اللوحة كما الفنان في نفس الآن، لكن لكلٍ زمنه، ويتحدد من خلال خصوصيات وحيثيات لكل منهما.

كما أن هناك أزمنة أخرى تعقب الإنشاء أو الإنجاز للوحة، وتمتد لتشمل حدث التلقي أو "الإفصاح"، إضافة إلى زمن المتلقي نفسه. واللوحة/المشهدية التصويرية وعاء لأزمنة ضمنية، تشكلها عناصر فاعلة تدخل في صلب بنيوية المشهد أو الصورة الموضوع، وهكذا تكون اللوحة في حقيقتها تمتلك زمن لحظيا عاما ضمنه أزمنة تتعدد بتعدد محمولاتها الصورية والرمزية...

زمنية ما قبل الإنشاء / زمنية الصورة الفكرة:

 في حالة اللوحة المستوحاة من محض الذاكرة كمستودع للرؤى الصورية المختزلة  والمخيال للفنان، تبقى معالم هذه المرحلة(مرحلة النشوء) وهي في حقيقتها بمثابة بداية/انطلاقة النشوء النطفي والجنيني، ومجال تبلور مظاهرها  وكينونتها الصورية /المشهدية، لا تتعدى عتبة الذهن، وتتسم طبيعتها بالخيال أو المبتكر، كما تكون تماما كالفكرة للموضوع، وهكذا؛ فإن زمنية هذه "اللوحة/الصورة الفكرية الذهنية" زمنية ذهنية افتراضية ، تتعرض لتغير دائم ومتجدد حاسم وجدري في بعض الأحيان، تتغير بتغير وجدان واستغراق الفنان في عملية تحديد وتوليف هيكلية شكلها ومظهرها، كما في هذه المرحلة يدخل عامل ذو أهمية قصوى وحاسمة وفاعلة، تتمثل في ذكاء الفنان  وقوة الإبداع والابتكار/الخلق لديه، كما مدى قوته على إدراك واختزال الأشياء وتمظهراتها على مسرح الحياة والطبيعة، وعلى مدى قوة وحِدَّة ذاكرته على احتواء وتخزين هذه الأحداث والصور... كما أن الهيئة التصورية لهذه اللوحة/الفكرة لدى الفنان قد تتطابق أو تختلف عن متخيل أو مبتكر الفنان حين  إنجازه وتجسيده ماديا. وتجدر بنا الإشارة هنا إلى أن هناك  إمكانية قول رأي يفيد: أنه ليس للفكرة زمن يخصها لذاتها أصلا لعدم وجودها، إنما الزمن متعلق بصاحبها  وهو الفنان؛ لكن الزمنية التي نحن بصددها هي زمنية افتراضية بحتة، تستمد قوة مشروعيتها بارتباطها بتحققها البعدي أي بعد إنشائها...

زمنية الإنشاء وزمنية النشوء:

 إن زمنية اللوحة المستوحاة من مخزون الذاكرة تتميز عن غيرها لكون مرحلة إنشائها تشهد زمانين متزامنين، زمن الفنان وزمن تبلور اللوحة أي الصورة. كما أن هناك زمن ثالث في طور التشكل هو زمنية اللوحة الذاتي أو الزمنية المهيمنة أو زمنية اللحظة المشهدية للصورة المتجسدة، والتي بدورها قد تحوي في تشكلها أزمنة أخرى تتعدد وتختلف بتعدد وباختلاف رموزها الأيقونية  ومعالمها التصويرية المتعلقة بها، ( كما أن هناك كذلك زمنا رابعا يتشكل مطردا  ومتناميا ضمن عملية توغل اللوحة في التاريخ، وتقادمها عبر الزمن، لتتحول في النهاية إلى مؤشر زمني لحقبة "كرونولوجية" في سجل التاريخ وصيرورته). فزمن الفنان/المنتج زمن يتسم بالمحدودية في إطار الانسياب الزمني المطلق، وتتحدد محدوديته تلك، من بداية فعل "التشييئ الصوري" أو التنشيء للوحة/الصورة إلى حد الاكتمال النهائي لها، كما أن زمن الفنان هذا تتخلله أزمن متتالية في شكل فترات متمايزة في أوقاتها، تتوزع ضمن النهار وضمن الليل، أو قد تنحصر في وقت بعينه يتوافق ومزاج الفنان، وقد تستدعيه في أحيان أخرى ضرورة ما، قد ترتبط بحيثيات وبمستلزمات يقتضيها العمل نفسه (قد تكون ذو صبغة تقنية وموضوعية بحتة)، أو ضرورة سيكولوجية أو فيزيولوجية ترتبط بشخصية الفنان، أو مقتضيات أخرى تتنوع وتختلف بتنوع واختلاف الفنانين حسب انتماءهم المدرسي(الاتجاه الفني) والإثني والجغرافي والسوسيوثقافي ... إلى غير ذلك من المحددات، وهذا الزمن قد يكون(ضمن النزعة الفنية التعبيرية البحتة) زمنا يتميز عن غيره باتسام الفنان فيه بالحركية التفاعلية  ومكنونه بالفيض الوجداني، كما أحيانا، بالفيض والاستغراق الروحي العميق والمفرط، كما الاستفراغ العاطفي الكلي واستنزاف الذات خلال العملية الإبداعية تلك. وقد يكون كذلك(ضمن النزعة الفنية الأكاديمية) زمنا يتميز بالتفكير والتخمين المنطقي والتقدير الحسابي الدقيق لكل الأفعال الإبداعية ولكل مراحلها حتى لا يُترك فيه مجالا للخطأ بل يُتوخى الانضباط بالفكرة المشروع...

 تمثل الفترات الوقتية التي يتشكل منها زمن "التنشيء"، فترات زمنية متوازية لكلي القطبين: الفنان واللوحة/الصورة، كل فترة بعينها يستغرقها الفنان في الحياكة أي الصياغة الصورية على سطح القماش أو المحمل، هي كذلك فترة زمنية مستقلة بالنسبة للوحة/الصورة، وهي في نفس الآن موازية لنفس الفترة الزمنية لدى الفنان، وتوالي تلك الفترات التراكمية يفضي في الأخير إلى اكتمال ونضج اللوحة، وبالتالي يكتمل زمن موضوع اللوحة/الصورة أو زمن لحظة المشهد أو زمن الرؤية المصوَّرة .

الزمنية المهيمنة للوحة/للصورة أو زمنية الفضاء العام:

 إن للوحة/الصورة أزمنتها الخاصة، وقد تتسم بالتزامن أحيانا وتتفاوت أو تختلف فيما بينها أحيانا أخرى، كما أنها تتعلق وجوديا بحيثيات مكونات فضاء الصورة (المكان الصوري)، فتتشكل ضمن نوعية وطبيعة الأشياء والمعالم التصويرية/الرمزية المؤثثة لهذا الفضاء، كما تختلف باختلافها، إلا أن هذه الأزمنة لا تنفك عن كونها جزءا عضويا من الزمن المهيمن الذي يميز وينطبع به الفضاء الكلي للوحة/الصورة أو المشهد. ولتوضيح ذلك : مثلا؛ أن تجسد الصورة منظرا صحراويا لغروب الشمس على رمال ملتهبة، فهذا زمن مهيمن عام، لكن قد يتضمن هذا الغروب كذلك شجرة صنوبر مغمورة بالثلج (في وضعية صورة سريالية ) حيث ستمثل الشجرة منفردة زمنا منفردا كذلك، لكن ضمن زمن الغروب الذي يمثل الزمن العام/المهيمن...

وبخصوص اللوحة الواقعية التي تحاكي/تستنسخ حدثا مرئيا واقعيا كشأن الصورة الانطباعية (نمودجا)، حيث انتهج رواد هذا الاتجاه وعلى رأس قائمتهم الفنان كلود مونيه Claude monet، المحاكاة/النقل الآني لمرئياتهم/موضوعاتهم في عين المكان، حتي يتسنى لهم التمكن من اللحظة الزمنية/الوقتية والتعبير عنها تصويريا وتشكيليا (تقنيا) من خلال اللون، تأسيسا على بعض الإكتشافات في فيزياء البصريات للعالمين الفيزيائين الأول: إسحاق نيوتنnewton، ومبدأه المتعلق بتجزيء الضوء الأبيض إلى الألوان الطيفية عبر موشور/منشور زجاجي، والثاني: أوجين شوفروي Eugène Chevreul، ومبدأيه المتعلقان بقانون التضاد اللوني المتزامن وبقانون الألوان المتكاملة la loi du contraste simultané des couleurs، وانطلاقا كذلك من الحقيقة التي توصل إليها هذا العالم، ومفادها: جنوح العين للمزج بصريا لونين ( أو أكثر ) متجاورين/متحاذيين ليتراءيا لها في شكل خليط تام، أي تراهما عبارة عن لون واحد...

 فإن هذا النوع من التسجيل الواقعي ( بمختلف أجناسه ومبدئيا غير محصور فقط في المدرسة الانطباعية ) يتسم بزمنية واحدة غير مركبة، وهي الزمنية المهيمنة أو زمنية الفضاء المشهدي. إلا أنه قد يدخل كذلك في هذا السياق، الصورة المنبثقة عن محض الخيال إلا أن زمنها غير مركب، إنما زمنا مهيمنا.

 كما أن زمن الفنان قد يتزامن مع زمن اللوحة/الصورة المهيمن، وقد يختلف عنه جذريا كأن يرسم الفنان مثلا: شروق الشمس ليلا. بخلاف لوحة انطباعية حيث يتزامن زمنا اللوحة والرسام، أي يحدثان في نفس اللحظة.

أما الزمنية المركبة والتي تتميز بها اللوحة/الصورة الخيالية (اللوحة النموذج للفنان روني ماغريت René Magritte)، تتبلور من خلال المكونات "الأيقونية" والمعالم الصورية الرمزية التي تتسم بقوة الإيحاء كما الإحالة البصرية. فلكل شكل تصويري/تشخيصي رمزية إيحائية بصرية يتميز بها عن غيره، فنجد مثلا: معلمة جدارية فرعونية تحمل رسوما  وحروفا هيروغليفية ستوحي حتما بعصر  وزمن الفراعنة، والحال كذلك بالنسبة لمعلمة مسجد قرطبة، الذي سيستدعينا لاستحضار عصر/زمن المسلمين في الأندلس. والأمثلة في هذا المضمار لا حصر لها وتتنوع بتنوع تاريخيتها. 

 كما أن لكل هذه الرمزيات الصورية والإشارية أبعادا عدة دلالية، تُستجلى سيميائيا وأنتروبولوجيا، على وجه الخصوص.

 ونضيف في هذا السياق حقيقة علمية تفيد: أن تحقق حدث الإيحائية لا يقع إلا بشرط توافر مستودع الذاكرة الصورية الذهنية على عنصر المدلول أو المشار إليه، لأن الدال يصير غير دال ويفقد مدلوليته ودلالته في حال جهل المتلقي /القارئ بصورة هذا المدلول المختزنة ذهنيا، كمثل الإنسان البدائي المستوطن للغابات الاستوائية، حيث لم يحدث أن خرج عن بيئته تلك؛ لا يمكن بحال من الأحوال أن تعني أو أن تؤشر له بشيء صورة مسبار هابل الفضائي مثلا، وحتى برج إيفل يفقد عنده إيحائيته ولا يتعدى حالة المجهول لديه، لأن ذاكرته البصرية الذهنية مرجعيات مخزونها تنحصر في جغرافية وثقافة بيئته أي الغابة، معنى ذلك؛ أن كل صورة أو رمز يخرج عن إطار مرجعية الغابة ينعدم وجوده الدلالي لديه، ( دون وجوده الأنطولوجي). وهنا نواجه وضعية  سيميائية بحتة تحتاج لمقاربة منفردة وموضعية.

 في حالات أخرى، قد نواجه صورة نعجز عن تحديد زمنها المهيمن أو تمثله، فيبقى زمنها زمنا أنطولوجيا صرفا، بل حتى، لا زمنية له، فيكون زمنا منفلتا عن الإدراك الواقعي، أي زمنا أسطوريا مخترقا للزمان وللمكان، ليشكل زمنية خاصة به؛ فيتسم باللاَّإدراكية... إذ يظل قابعا ومتواريا في حيز المتخيل لا يتعداه...

 فالزمنية المركبة عند الصورة التي تتعدد وتختلف ضمنها الإشارات الرمزية "الأيقونية" تستدعي من الفنان براعة عالية، وذكاء حادا في التشفير الرمزي، وخبرة متمرسة في حبك الأنساق الدلالية وتركيبها ونسجها. والوضع نفسه ينطبق على المتلقي، حيث يلزمه لمقاربة واستقراء هذا الصنف من الصورة، مرجعية علمية ثقافية ذاتية، تتعلق بحقول معرفية شتى، في مقدمتها، الفنية والتشكيلية والسيميائية، على وجه الخصوص، كما يلزمه كذلك، خبرة ومعرفة في فك الشفرات الرمزية "الأيقونية"، حيث تعتمد هذه الصورة في أصلها، على التركيب الدلالي وعلى تحوير عارف لمضمونها الرمزي بهدف بلورة معنى معين.

 وقد تميزت بهذا النوع من الصورة مدرسة السريالية والرمزية الواقعية (نموذجا لا حصرا).

الأزمنة الضمنية:

ترتبط الأزمنة الضمنية ارتباطا وجوديا بمعالمها الدلالية الصورية والرمزية، فلكل دال بصري مدلول ذهني مكاني يوحي بزمنية هذا المكان، وتتعدد هذه الأزمنة الضمنية - كما سبق القول في ذلك - بتعدد المعالم والرموز والإشارات. وقد تتزامن هذه الأزمنة كما قد تختلف، وذلك ضمن "زمكانية" التاريخ وسيروريته.فإذا ما تأملنا لوحة الفنان روني ماغريت René Magritte: (قلعة بيريني، كنموذج للوقوف عند أزمنتها)، سنجد أن الصورة تمثل منظرا للبحر يتسم بزمنية ربيعية في يوم صاف، وهذا هو زمن الصورة المهيمن/العام، أما بالنسبة لزمنية القلعة، فإن الطابع المعماري لهذه البناية يشير إلى نمط هندسي أقرب ما يكون من نمط العصور الوسطى في أوروبا ...وهذا يمثل زمنا ضمنيا.

 وبما أن الزمن لازم للمكان ضمن حركية الأشياء فيه، فإن زمنية المكان -على مستوى حركية التاريخ وصيروريته- تختزل  وتفصح دوما عن ذاكرة هذا المكان ضمن أبعاده السوسيوثقافية والحضارية والأنثروبولوجية والاقتصادية والسياسية إلى غير ذلك... وبتعدد هذه الأزمنة المكانية، تتعدد مدلولاتها الحضارية  والسوسيوثقافية، لتصيغ/لتنسج نسقية دلالية سيميائية بامتياز، تفضي في نهاية المطاف إلى بلورة رؤية تستطلع ماهية الفنان/ المنتج، كما المجتمع، ومدى الارتدادات التفاعلية المختلفة بينهما. وهكذا تصبح "زمكانية" الصورة مادة غنية وكاشفة على مستوى العلوم الإنسانية بشكل عام؛ من خلالها، يمكن النفوذ إلى معرفة المجتمعات والتاريخ والجغرافية والحدثية الإنسانية، والوقوف عند طبيعة المجتمعات البشرية البائدة،  والحضارات المنتهية والموغلة في عمق التاريخ...

زمنية أثر حركية الفعل الصباغي على سطح القماش:

 على امتداد سيرورة التاريخ، عرف الفن تحولات تعاقبية مختلفة وحادة أحيانا، مفاهيميا وفنيا وتشكيليا، شكلا ومضمونا، حيث توالت المدارس والاتجاهات بشكل مطرد، وارتفع تسارعها ابتداء من عصر النهضة في أوروبا، ليصل إلى أوجه مع بداية القرن التاسع عشر، لكن مع ذلك، فمن المؤكد أن اشتداد واحتداد وثيرته أكثر فأكثر، وبشكل لم يشهده تاريخ الفن من قبل، قد تميز به القرن العشرين والواحد والعشرين، حيث واكبت الحركة الفنية عامة والتشكيلية خاصة، التطورات والاكتشافات المتعددة التي عرفتها العلوم الإنسانية بشتى فروعها، إذ تم وقتها تجاوز كثير من المنطلقات والمرتكزات النظرية والفكرية  والمبادئ العلمية، التي سادت في السابق، بما في ذلك فلسفة الفن وعلم الجمال (الاستيتيقا) وتقنيات التشكيل وأدبياته، وما إلى ذلك...

 لذا؛ فإن كل مرحلة فنية عرفها وسجلها التاريخ زمنيا، تتمايز عن غيرها بخصوصيات فنية وتشكيلية وتقنية متباينة تشكل سمة مظهرية وطابعا فنيا، يتمثل في نوعية اللونيات  ومقاماتها من جهة، والتقنية "الصباغية" المعتمدة في الإنجاز، والمتمثلة في حجم اللطخات وحركيتها وطريقة تصفيفها وصقلها، ونوعية سبك الطبقات اللونية وحياكتها، وأسلوب بسط المادة الصباغية وترصيصها على القماش، ومن جهة أخرى، وفي هذا الصدد فإن اللوحة/الصورة المنتجة في عصر النهضة (لوحة العذراء والأرنب للفنان تيتيان titien-نموذجا) تتمايز وتختلف تمام الاختلاف عن الصورة الانطباعية (لوحة زنبق الماء للفنان مونيه monet-نموذجا) إذ لا يمكن بحال من الأحوال الخلط بينهما..

وبالتالي يمكننا الخلوص إلى القول أن للطابع اللوني والتقني للوحة/للصورة زمنية خاصة به كذلك؛ زمنية تؤشر بوضوح للعصر الذي أنجزت ضمنه تلك الصورة، ويمكننا كذلك أن نضيف أنه لكل عصر فني خصوصيات تقنية -من حيث اللون والصياغة / الحياكة الصباغية- يتفرد بها عن غيره ويتميز بها.  

زمن التلقي يتحدد بوضعية القارئ أمام الصورة وجها لوجه، حيث هناك الزمن الخاص باللوحة، إضافة إلى أزمنتها الضمنية إن وجدت، ثم هناك كذلك زمن المتلقي نفسه، وهو نسبي في حقيقته، إذ كل متلقي له إدراك خاص به للزمن، وكيفية تخمينه لديه ذهنيا، فإدراك الزمن عند عالم الفيزياء يختلف عنه عند القروي الذي ينتقل على دابته، أو عند مستوطن الغابات الاستوائية، فذلك يرجع إلى اختلافنا في تمثلنا للسرعة والحركة انطلاقا من تباين وتنوع خصوصيات بيئتنا الجغرافية والسوسيوثقافية والإثنية والدينية والحضارية كما السيكولوجية إلخ...

زمنية المتلقي:

 كما سبق وأن اشرنا إلى أنه لكل فرد زمنه الخاص، ويتأسس وفق نوعية تمثله وإدراكه للزمن في مطلقه. فإدراك الزمن وتمثله لدى إنسان القرون الوسطى يتفاوتان بل يختلفان تمام الاختلاف عنهما عند الإنسان المعاصر- إنسان القرن الواحد والعشرين: عصر الصاروخ والمسبار الفضائي و"الجينوم" إلخ...- وينبثق هذا الاختلاف عن نوعية المنظومة الحضارية والسوسيوثقافية والعلمية والدينية إلخ... التي ينتميان إليها. وعليه، يمكن التسليم بأن البعد الزمني عند متلقي معاصرٍ للفنان -تيتيان titien- وكيفية تحسسه له حين مشاهدته وتأمله لوحة (العذراء والأرنب لهذا الفنان -نموذجا-) لا يشبه في أي شيء البعد الزمني لمتلقي من عصرنا هذا، أمام اللوحة نفسها. فضلا عن تفاوتهما الشديد ضمن وضعيتيهما الزمنيتين "كرونولوجيا". وبما في ذلك  من الاختلافات المفترضة -بل المتناقضة أحيانا- في مرجعيتهما الفكرية والمعرفية والجمالية المرتبطة بماهية الفن والصورة ودورهما عموما، ومدى قوة التفاعل لديهما إزاء اللوحة.

  والتلقي/التأمل/الاستقراء في وضعية تكون اللوحة/الصورة الموضوع لا تنتمي إلى عصر المتلقي-وبالأحرى عصرنا الحاضر- أي ضاربة في عمق التاريخ- كلوحة (العذراء والأرنب للفنان تيتيان titien-نموذجا-)؛ في بعده الوظيفي(أي التلقي)، ليشكل معطى زمنيا إضافيا ذي حمولة دلالية وسيميائية وتاريخية كاشفة، فزمن المتلقي "الحاضر"، له فاعلية قوية في دينامية التلقي، وما سيتأتى على إثره من استجلاءات ومخرجات استقرائية من الناحية السيميائية والمعرفية والأنتروبولوجية والتاريخية والسوسيوثقافية إلى غير ذلك من الأبعاد... فأهمية الزمن "الحاضر" تتمثل بالخصوص، في إمداد المتلقي/التلقي بالعوامل والمؤهلات التقنية  والعلمية والفنية والتشكيلية إلخ... المعاصرة، فتمكنه من توسيع دائرة استنكاه واستجلاء مكنونات ومضمرات و"مستترات" الصورة الموضوع، وبالتالي النفاذ إلى حقيقتها .

خاتـمة:

ويبقى موضوع زمنية الصورة مفتوحا على مقاربات نوعية ومختلفة، وبالخصوص في ضوء الاكتشافات العلمية المرتبطة بزمكانية الكون،  حيث استجلت  فيزياء الجزئيات بعضا من  الحقائق المادية الخاصة بالفضاء والكون، من أهمها الطاقة المظلمة والمادة القاتمة و خاصة، انتفاء/نهاية الزمن الكوني في حيز ما من حدود الفضاء.  هذا، إضافة  إلى الاكتشافات العلمية المرتبطة بالفيزياء الكمية ونظرية ميكانيكا الكم  التي تقول بالتعددية اللاَّمتناهية  للزمن والمكان وتواجدهما في أوضاع فيزيائية متعددة  متاوزية ومتزامنة. وهذه الاكتشافات  تولد على إثرها تصور/تمثل جديد للزمن والمكان.  كما أن هناك، كذلك، معطيات أخرى تخص الأفكار والنظريات المستجدة والمستحدثة  الواردة في  علوم: الانثروبولوجيا، الابيستيمولوجيا، السيميائية، الدراسات الاجتماعية للمستحثات، الأركيولوجيا  الزمنية، الإثنوغرافية،  إلى غير ذلك من فروع العلوم المعاصرة حيث عرفت هذه الأخيرة، في زمننا هذا، تطورا غير مسبوق بتوظيفها الأجهزة والآليات المتطورة الرقمية، والتقنيات الدقيقة التي توفرها هذه الوسائل. ومن أهمها تيكنولوجيا  النانوميترية التى ستغير حياة الانسان وتمثله للأشياء وماهيتها -بما في ذلك الزمكان- بشكل جدري   ...

وهكذا؛  فإن مقاربة زمنية الصورة الفنية التشكيلية، ضمن هذه المعطيات الحديثة،  إنما من شأنها أن تسبر جوانب وأبعاد دفينة وخفية  في خبايا وثنايا الصورة، لم يكن بالإمكان النفاد إليها واستجلائها من قبل...

  • زمنية اللوحة/الصورة التشكيلية - اللوحة التشخيصية نموذجا -
    محمد كريش، فنان تشكيلي
    فاس، في:  12 مارس 2014

 

[1]- (http://ar.wikipedia.org) موضوع البحث : "الزمن"

[2]- (http://www.almaany.com) موضوع البحث : "العصر"

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         
04/05/2014

الفن وما حوله