Modigliani
 
Hans_Hofmann's_painting_'The_Gate',_1959–60
Franz_Marc-The_fate_of_the_animals-1913
 
 
 
 

يعد الفن إنتاجا وتواصلا بين ذوات إنسانية تحكمها علاقات تفاعلية بين المرسل والمتقبل أي فيما يمكن التعبير عنه بجدلية التفاعل والقراءة ضمن صيرورة الإنشاء والعرض. ففي هذا الإطار وفي التعبير عن الفن كإنتاج إنما هو إحالة بالضرورة إلى خصوصية هذا الأخير واليات قيامه كفن له مقوماته وأغراضه واتجاهاته ومضامينه والتي تؤسس في الغالب لعملية فكرية ولمضمون إبداعي بكل ما يحويه المصطلح من معنى، لذلك فانه من الضروري بيان الخصوصية الإنتاجية  للعمل الفني وما يمكن أن يطرحه من إشكاليات تموضع نفسها في السياق أو المجال الفني عموما وكذلك في تبويبها ضمن قراءة شخصية تشكيلية تتحدد أطرها وقيمها عبر عدة مقومات تنوعت هي في حد ذاتها واختلفت اتجاهاتها.

ففي تعبيري عن الفن إنما هو إحالة عن ماهيته وموقعه بالإضافة إلى  خصائصه وما يمكن أن يطرحه من إشكالات متفرعة بحسب التوجهات الفنية التي أفرزت في حد ذاتها تنوع في التجارب والممارسات التشكيلية، هذا الزخم في تنوع المواضيع والطروحات والتي تراوحت بين الملامسة السطحية والتجربة الخصوصية المعمقة، بين التجريب المادي المحض وبين الإسقاط المفهومي والاستنساخ الشكلي للمضمون الفكري، بين انسلاخ الذات من القواعد والقوالب الفنية الجاهزة وبين التهجين في إطاره التمثيلي والتجريدي، بين البحث عن موقع للذات في زمن متسارع تتداخل فيه عديد التجارب لتنتفي فيها الحدود وبين فاعلية الذات في هذه الصيرورة وآثارها، بين تزييف التموقع وولادة مصطلح "صناعة وتصنيع" الذات والأثر و"بروبقندا" الوسائط الدعائية سواء في مجال الكتابات النقدية أو الميولات المشخصنة، بين البحث الحثيث والمسترسل عن التجديد سواء من الناحية المفهومية والفكرية والإنشائية يمكن لها من أن تعمق وجود الذات وفاعليتها في نسقية التحول الفني في حد ذاته وبين ممارسة الفن للفن أو ممارسة الفن لغير الفن.

فالفن ضرورة ولكن وجب تحديد أبعاده وأطره وترسيخ أرضية صلبة يمكن من خلالها أن تبنى  سياقات تفاعلية حقيقية بين الأثر الفني في حد ذاته والمتقبل، بين الأثر الفني ومحيطه كما من محدثه، لذلك وجب التعبير هنا عن خصوصية المرحلة الإنشائية وما يتخللها من طرح فكري لدى الفنان ومن إحساس عميق أي فيما يمكن التعبير عنه بالطابع الروحاني والحسي الذي يتخلل أي تجربة فنية، هذا المخاض والصراع  الداخلي، هذا التواجد الحسي المفعم والمشبع بدلالات الماضي والحاضر والمستقبل، هذا التلمس والتبصر في الباطن بلغة المخاطبة الحسية وبفلسفة وجودية تضمن صور الخارج ومادية الأشياء ضمن خطاب حسي وروحي يتجاوز حدود الشكل وسديميته حتى يصير مسارا خطابيا متبادلا ومسترسلا إلى ما بعد التجربة والمرحلة الإنشائية، فتصبح لغة تخاطب بين الداخل والخارج، وكما يرى أرسطو في هذا الإطار "بأن الفن الجميل لا يكون ترديدا حرفيا للمجرى المألوف للتجربة"[1]، وكما جاء في قوله أيضا: "إن من شأن الفن أن يصنع ما عجزت الطبيعة عن تحقيقه فعمل الفنان لا ينحصر في إمدادنا بصورة مكررة لما يحدث في الطبيعة وإنما العمل على التغيير من طبيعة الطبيعة"[2].

إن هذه الفروع في تحديد ماهية الفن أو في التحولات الجوهرية التي تملكته كنوع من النزوح الفكري وإسقاطاته، إنما هو الإطار الذي يمكن من خلاله بيان التفرعات الممكنة والتداخلات في الفن ذاته على اختلاف النوازع والأغراض والميولات كما من الهوامش المسقطة أو المركبة باسم الفن. فدائرة الفن التشكيلي وبربطها بمفهوم المعاصرة أضحت أكثر إتساعا وتنوعا وتمازجا واختلاطا ... وهو ما يحيل إلى خصوصية ونوعية العمل الفني بعد أن أضحى كل شيء يمكن أن يكون فنا.

فان ما نعاينه اليوم من انتاجات فنية باسم المعاصرة تعيد محور التساؤل عن ماهية الفن وتحديدات العمل الفني في حد ذاته،  خصوصا وأن الفن المعاصر هو مجال تتبدل فيه المفاهيم إلى جانب عدم استقراره على مسار معين يمكن من خلاله تحديد مفهومه، وهو المجال الذي تتداخل فيه عديد المعطيات سواء إرتبطت بتقييم العمل الفني أو بتذوقه أو حتى في فهمه أو قراءته بحسب خصوصية جمعه للمتناقضات، هذا التبدل الذي يطرح عديد الإشكالات والتي وجب تبويبها ومنهجتها كإزالة للشوائب العالقة من أجل بناء جسد فني صحي قائم على تمشي هيكلي تتوفر فيه أدنى شروط العملية الإبداعية لا الدعائية في جانبها السلبي أو "البروبقندات" الشكلية المفرغة من المضمون والمشبعة بالهواجس التمثيلية، هذا المجال المتداخل والمتفرع يبطن جملة من التساؤلات على غرار:

-         عن أي فن يمكن أن نعبر اليوم، عن فن يسائل القلق الوجودي للفنان أو أن القلق في حد ذاته هو من يسائل الفن؟

-         هل أن "ممارس الفن" اليوم بقلقه أو بتمرده وجموحه وإدعائية المعاصرة أسلوبا، يحيلنا إلى التساؤل عن معاني المعاصرة، هل هي بحسب الزمن أم بحسب المضمون؟

-         أي آليات وأي ذائقة يمكن من خلالها أن نقيم عملا فنيا، ومن يقرر بأن ذلك نتاج فني أم لا؟

-         هل هنالك شروط مميزة للعمل الفني يمكن من خلالها أن يتحدد كنتاج إبداعي تستوفى فيه هذه الشروط؟

-         ما هي أبعاد مفهوم المعاصرة في العملية الإبداعية وفي مسار التجربة الفنية؟

-         هل نتحدث اليوم عن تجارب فنية هجينة أو ممارسات مبعثرة يجمعها مفهوم المعاصرة، أم نبحث عن تجارب فنية تأسس للتنوع والإختلاف الخلاق؟

-         هل يمكن أن تتأسس آفاق للفن في غياب الأطر النظرية والمادية الملائمة؟

-         وهل أن تحديد قيمة العمل الفني مناطة بالفنان أو بالمتلقي أو بالنقاد؟

وانه هنا في تعبيري عن العمل الفني إنما هو من أجل إستبيان القيمة الفكرية التي يمكن أن تطرح عبره كمضمون يشغل الذائقة الذهنية والبصرية، هذا دون أن نغفل عن أهمية المرحلة الإنشائية والتي تعد كمسار تتولد عبرها الفكرة ضمن مخاض وتجاذب بين الداخل والخارج، بين المحايثة الموضوعية للفكرة والبناء المسترسل والمتصاعد، بين القراءة داخل القراءة ومعاينة الامتلاءات الذاتية المشبعة بالدلالة. هذا الجانب المرتبط بالعملية الإبداعية التي تذوب فيها وعبرها الذات لتقيم دلائل وجودها وآثارها في زمنية داخل الزمن، هذا الصراع الباطني للذات والمحكوم حينا بلذة العذابات وحينا آخر بمتعة الإكتشاف والنشوة، انها لصيرورة يولد عبرها العمل الفني ويقام كدليل رمزي ومشفر للفكرة، وكما جاء في قول إسماعيل ملحم عن عملية الإتصال والإبداع حيث يقول:" إذا كانت الرسالة تشكل العنصر أو الركن الأساسي من العملية الإتصالية، فإن صوغها يشكل أهم شروط نجاحها .. والرسالة ليست نصا مجردا ولكنها أيضا موضوعا وبقدر ما تملك الرسالة من عناصر الجدة والأصالة بقدر ما تؤدي وظيفة ذات فعالية أفضل خلال العملية الإتصالية .. فبين الإبداع والإتصال تقوم علاقات لا يمكن إغفالها.."[3]

هذا المنحى في الإنتاج بالنسبة للعمل الفني إنما يفرض بالضرورة  توفر وتملك آليات  قراءته ووجود ثقافة تشكيلية تمكن المتقبل من ملامسة الأبعاد الموضوعية للعمل الفني سواء من الناحية البصرية أو في أبعاده الفكرية والفلسفية كمنحى للتثاقف الإجتماعي بحسب الخصوصية الإجتماعية في حد ذاتها مع إنفتاحها على ثقافات أخرى. فالمتقبل في عمومه وعبر هذه الاستحداثات المفهومية والإنشائية والجمالية المنضوية تحت مفهوم الفن المعاصر قد أضحى مغتربا ومتباعدا شيئا فشيئا عن سياق التفاعل مع الأثر الفني لتنحصر التفاعلات في نخبة متقبلة هي في حد ذاتها تبدو مغتربة ومضطربة في تعيينها أو حكمها على هذا الأخير.

ولعل مثل هذه الإشكالات والجدليات التي تطرحها الممارسة الفنية التشكيلية في مستوى نخبوية تقبل العمل الفني، هي التي أحالت بعض المؤسسات إلى إقامة جملة من التظاهرات الفنية بغاية الإقتراب من المتلقي وتوسيع مجالات وفضاءات تلقي التجارب الفنية، وهو ما من شأنه أن يحيلنا إلى التساؤل عن جملة من المعطيات:

-         هل أن بروز مصطلح "التظاهرات الإحتفالية" هو لغاية نفي صفة النخبوية عن العمل الفني ومحاولة لتوسيع دائرة تذوقه؟

وهل أن عبر هذه التظاهرات ميلاد لسجال ثقافي وتشكيلي بناء يمكن له من أن يؤسس دفعا للتجديد والإبداع؟

المراجع:

-         ريد، هربرت، معنى الفن، ت سامي خشبة، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1986.

-         شيخ الأرض، تسير، الواقع والأفكار، منشورات إتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1997.

-         إسماعيل الملحم، التجربة الإبداعية، دراسة في سيكولوجيا الإتصال والابداع، منشورات اتحاد العرب، دمشق، 2003.


 

[1] ريد، هربرت، معنى الفن، ت سامي خشبة، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1986، ص 107

[2] شيخ الأرض، تسير، الواقع والأفكار، منشورات إتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1997، ص 46

[3] اسماعيل الملحم، التجربة الإبداعية، دراسة في سيكولوجيا الإتصال والابداع، منشورات اتحاد العرب، دمشق، 2003، ص 11

  • العمل الفني بين المضمون الفكري والإنشائي ونخبوية التقبل.
    إعداد الباحث: شكري عزيز
    تونس

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

26/03/2014

تشكيل الحياة