•  

  •  

  • على مدار التاريخ الإنساني ظلت كثير من الحرف، الأرض الخصبة لتناسل الفنون، على أيدي مَن ظلّوا غالبا مجهولين، لا نعرف عنهم شيئا سوى أنّهم مميّزون وأصحاب رؤية خاصة ، تنبع من إحساس جمالي رفيع ، كسروا قالب الحرفة الروتيني النمطي، وقدّموا أعمالا فنية رائعة خُلّدت وحُفِرت عميقا في الذاكرة البشرية. هكذا حصل عند ناحتي تماثيل المعابد الإغريقية، ورسّامي الأواني الخزفية والزجاجية، وكذلك عند ناقشي الجداريات الفرعونية وحضارات ما بين النهرين، وخشبيات القبائل الأفريقية، وراسمي الأيقونات البيزنطينية، ومزخرفي القصور الأموية والخزفيات الإسلامية، وكذلك مزوّقي النصوص الفارسية والهندية والعربية، وما أنتجوه من منمنمات، وعند حرفيي الأعمال المعدنية في طول العالم وعرضه، والحفر على الخشب واستخدامه في طباعة النصوص والصور على القماش والورق في الصين واليابان، الذي تطوّر لفن قائم بذاته، الرّسم على الخشب وطباعته على الورق، والذي قدّم أعمالا حقيقية ذات قيمة فنية وجمالية عالية، يكفي أن نذكر ما كتبه "بيسارو" في رسالة لولده، يقول فيها بأنّه وصديقه "مونيه"، يُحبان "هيروشيجي" وأعماله الانطباعية (فنان اليوكِيو- ي / Ukiyo-e الياباني من القرن الثامن و التاسع عشر) مشيرا بذلك لعظيم الأثر الذي تركه هذا الفن المولود من الحرفة، على مسيرة الفن الأوروبي الحديث، بالذات ميلاد الانطباعية ، خاصة عند "مونيه" و"قوقين" و"بيسارو".


لا شكّ أن الطباعة على القماش هو حرفة أيضا، كباقي الحرف التي ذكرناها ، بدأت منذ القدم واستمرت حتى يومنا هذا، بدأت يديويا وأصبحت آلية ثم تقنية مُحَوْسبة، ظلّت تستهوي بعض العاملين فيها، مأخوذين بخصوصيات اللّون و أثاره المختلفة، ليخرجوا من قوالب الحرفة الجاهزة، و يقدموا أعمالا ذات قيمة فنية رفيعة على الحرير الطبيعي أو القماش القطني الخالص أو المُحضّر من الأرز، لا تَقِلُّ عن ما قدمه الفنانون الخارجون على رتابة الحرفة في المجالات الأخرى.
الطباعة على القماش ذات تقنيات متعددة، إحداها المعروفة باسم "الباتيك". الحقيقة أن "الباتيك" ليس طباعة بالمعنى الحرفي للكلمة، بل يستخدم تنقيط الصبغات اللّونية الباردة على القماش مباشرة بعد عزل أجزاء منه بالشمع الساخن. هذه التقنية مُضنية ، تستهلك الكثير من الوقت والجهد، تزداد صعوبتها كلّما زاد عدد الألوان المستخدمة، حيث أنّها تعتمد على تكرار العزل بالشمع وتكرار تنقيط الصبغات وتكرار التنظيف، حتى أصبح "الباتيك" نوعا من الأشغال الشاقة، ربما يكون هذا هو السبب الأهم في قلة و ندرة الفنانين الممارسين لهذه التقنية. لو بحثنا اليوم عن فناني "الباتيك" في العالم لو جدناهم من الندرة حيث لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، فغالبا ما نجد أعدادا كبيرة منهم جرّبوا التقنية ، لكنّهم انقلبوا عنها مُسرعين نحو تقنيات أخرى، تاركين بعض الأعمال المتواضعة.
في عالمنا العربي، لا تختلف الصورة عنها في باقي العالم ، ربما لم يتغلب على صعوبة هذه التقنية غير قلة قليلة من الفنانين، فلا يحضرني ثالثٌ صمد وثابر وأعطى كما الأستاذ علي الدسوقي والسيدة نازك حمدي في مصر.
على هذه الخلفية تظهر في المملكة العربية السعودية كحالة فردية لا نظير لها ، الفنانة عواطف آل صفوان، التي تمارس بصبر مدهش تقنية "الباتيك" في مجال الفن لا الحرفة، منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن ، تحمّلت فيها مشقّة هذه التقنية الصعبة ، و تغلّبت عليها فجذبت الأنظار لما قدمته من ابداعات مدهشة، تستحق الوقوف عندها، ومنحها نصيبها الذي تستحق من جهد النقاد الفنيين ومن المساحة الاعلامية.
بنظرة شمولية لجميع ما قدمته الفنانة في معارضها المختلفة ، نستطيع بسهولة ملاحظة و تسجيل بعض النقاط المهمة أساسا :
1. الاعمال نُفّذت جميعها يدويا ، حيث لا مجال لاستخدام "الكليشيهات" المُعدة مسبقا، ولا لأي شكل من أشكال الطباعة الآلية على القماش بأي من الأدوات القديمة أو الحديثة.
2. لا وجود في الأعمال لأنماط زخرفية أو تزويقية، ولا "موتيفات" أو أشكال نمطية مكرّرة كتلك التي نراها في الطباعة على القماش و تزويقه مثلا.
3. كل عمل من الأعمال هو عمل ابداعي فريد قائم بذاته ، متكامل و مكتمل من الناحية الفنية، كموضوع و عناصر تشكيلية و خطوط و أشكال و ألوان ، تماما كأي لوحة فنية أخرى.
وهكذا نقول بكلّ ثقة أن السيدة عواطف آل صفوان فنانة تشكيلية بكل ما لهذه التسمية من عمق وأبعاد ، تستخدم القماش و الصبغات الباردة و الشمع الساخن كوسائط ، وتتخذ من "الباتيك" تقنية يديوية لتنفيذ ابداعاتها الفنية، "الباتيك" المستخدم عند الحرفيين منذ القدم لصبغ القماش وتزويقه، وهنا بالذات لا فرق بينها وبين الفناننين الذي استخدموا على مدار التاريخ نفس أدوات الحرفيين ليبدعوا روائع فنية خالدة. ربما لا تحتاج الفنانة آل صفوان منّي لهذه الإشارة بعد ممارسة الفن لما يزيد عن العشرين عاما، إلا أن الّلبس الذي يُحدثه تعريب مصطلح "الباتيك" على أنه "طباعة على القماش" يفرض هذا التوضيح المهم أساسا ، لنبيّن أن السيدة عواطف آل صفوان فنانة تشكيلية و ليست حرفية تشتغل بالطباعة على القماش!
بالنظر المطوّل والتدقيق في أعمال الفنانة آل صفوان ، نكتشف أسلوبا خاصا بها، يُميّز أعمالها، ويكوّن لها بصمة فريدة، بها يتم التّعرف على ابداعاتها دون الخلط بينها وبين ابداعات فنانين آخرين، هذا الأسلوب الخاص والمميز بقوة، تبلور و تكوّن بسبب مجموعة من العناصر:
1. يُستخدم في تقنية "الباتيك" عدد قليل من الألوان، في الغالب أقل من 4-5 ألوان، بيّنتُ فيما سبق أن ذلك يعود لصعوبة التنفيذ وما يحتاجه من وقت طويل، الفنانة عواطف تستخدم من 4-5 ألوان، و أحيانا أكثر أو أقل، لكنها تلجأ لتدرجات اللّون ودرجات تركيزه المتعدّدة والمتقنة إلى حدّ تَمْثُل درجات اللّون في العمل الفني و كأنّ كل درجة لونٍ لونٌ جديد إضافي . كما أن دقّتها المتناهية في تنقيط اللّون في المساحات الضيقة جدا، وتلك المحصورة بين لونين مختلفين، دون فاصل بينهما بالخط الأسود العريض الواضوح، تجعل العين تلتقطُ اللونَ المجاور للونٍ أخر بطريقة مختلفة، وكأنه لون إضافي. هذه الطريقة استخدمها فنانوا الانطباعية الأوائل، حيث لاحظوا أن العين تلتقط اللّونَ عندما يجاور لونا آخر حدّ الملامسة بشكل يختلف عن التقاطه لو كان وحيدا مجرّدا أو محدّد المساحة إلى درجة أنهم قدّموا الظل ملوّنا. مما لا شكّ فيه أن هذا العمل في تقنية "الباتيك" يحتاج لمهارة عالية ودقة متناهية، امتلكتهما الفنانة بجدارة، فجاءت أعمالها مميّزة بتنوعها و غناها اللّوني، وهكذا نجحت بتخطّي محدودية الألوان في تقنية "الباتيك" ، فتفرّدت.
2. يزدحم سطح العمل الفني عند آل صفوان بالأشكال من مختلف الأحجام، حتى تلك متناهية الصّغر التي يتجنبها ممارسوا تقنية "الباتيك" ما استطاعوا لذلك سبيلا، فيظهر العمل الفني للوهلة الأولى كسطح مليء ببقع لونية مجردة متداخلة، دون أن تتيه العين في المساحات السلبية التي لا وجود لها تقريبا عند الفنانة. فرغم صعوبة التقنية بحدّ ذاتها، اختارت الفنانة العناصر والمفردات التشكيلية الأصعب انجازا، لكنها الأكثر إبهارا للعين و الأشدّ إدهاشا، ولربما الأكثر تمثيلا لما تريد الفنانة قوله من خلال هذا الازدحام الخانق الذي لا يشبه شيئا أكثر من ازدحام حياتنا المعاصرة، أو ازدحام صدورنا وأرواحنا بالأحلام والذكريات التي تتناقض و تتجاذب فينا .
3. نلاحظ أن الأشكال المتزاحمة على سطع العمل تسود فيها الأشكال الآدمية، أو أجزاء من أشكال آدمية، من كلّ الأجناس و الأعمار وفي جميع الأوضاع التي يمارسها البشر في حياتهم اليومية، من الوقوف والجلوس والإقبال والإدبار والمشي والجري والاستلقاء والنوم والتفكير والصراخ والهدوء والتلويح والتألم ...الخ تختلط بأشكال أخرى لأجسام من المحيط، بعضها يمكن التّعرف عليه، وبعضها تجريديا، تتميّز الأشكال بأنها 1. تتناسخ من بعضها البعض 2. تحتوي بعضها بعضا فتتلاحم وتترابط فيما بينها 3. تُكوّن أجساما آدمية كاملة أو أجزاء من أجسام أدمية 4. تغيب تفاصيل وملامح الوجه تماما أو تُختزل لآثار بسيطة 5. جميعها حاضرة و تؤدي دورها من خلال حركة الجسد الايحائية لا تفاصيل الوجه التعبيرية. سأحاول شرح ذلك باختصار: عندما تلتقط العين الخطوط الخارجية والألوان المكوّنة لجسم ما، بالتدقيق تجد أن بعض هذه الخطوط تشترك مع خطوط وألوان أخرى لتشكّل جسما آخر، وبالتدقيق المستمر تكتشف أيضا أن أجزاءا من كلا الجسمين تشترك معا في تكوين حركة ايحائية لجسم ثالث، وفي الوقت نفسه تشكّل أجزاء من جسم رابع، ومن خلال حركة هذه الأجسام تتشكل أجسام آدمية أخرى صغيرة متناثرة بعضها قريب والآخر بعيد، وجميع هذه الأجسام في حركات ايحائية مستقلة، وكلّها داخل جسم واحد كبير يحتويها جميعها ويحتل مساحة كبيرة من اللوحة، وهذا ما قصدته بالتناسخ والاحتواء والترابط و التّلاحم. بين هذه الأكوام من الأجساد الآدمية تكتشف جزءا من يد أو أصابع قدم تبرز، لا كأشلاء وإنما كأجزاء لأجسام تختفي خلف الكتل اللونية و تُكمّل ديناميكية الللوحة.
كأنّك أمام مشهد من رقصة باليه صامتة ، ترصد فيها حركة الأجسام الراقصة فقط ، أو مشهد من مسرح يؤدي الممثلين فيه دورهم بحركة الجسد الايمائية (Mime or Pantomime Theater) فتتشكّل علاقة جدلية رائعة بين اللّون و الحركة، اللون يشارك في رسم الحركة وابرازها والحركة تُسخّن اللّون فتدبّ به الحياة والحياة تزيد بروز الحركة و هكذا. كلّ ذلك في غياب الوجه و تفاصيله إلا ما ندر.
اللوحة عند آل صفوان مركبة و معقدة دون أن تعبه للصعوبات التي تفرضها تقنية "الباتيك"، تشبه تماما مقطعا حيّا لما يجول فينا من مشاعر وصور في كل جزء من ثانية . ففي هذا الجزء من الثانية، تزدحم فينا المشاعر تتناقض وتنسجم و تختلط بالصور، حيث لا سلطة للمكان ولا للزمان، إذ تتحطّم أسوارهما، فالصور والمشاعر خبرناها ذات يوم في أماكن مختلفة متباعدة، وفي أزمنة منفصلة تماما، متناثرة ما بين الماضي البعيد في طفولتنا ، تجمعت وتراكمت فينا، في اللحظة الحالية التي نحن فيها. فالشعور لا يعترف بمنطق المكان والزمان وقوانينهما، ولا سلطة لهما عليه. الصور هي الأجساد،  المشاعر هي الحركة، واللون هو نكهة الحلاوة أو المرارة فيها.

 

د. حكيم عباس










 

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

03/01/2014

تشكيل الحياة