صور فوتوغرافية تعبّر عن رمي وتكديس الجثث فوق بعضها البعض بعد حرقها
صور فوتوغرافية تعبّر عن رمي وتكديس الجثث فوق بعضها البعض بعد حرقها
صورة تعبّر عن حرق الأجساد في الأفران
صورة فوتوغرافية تعبر عن ترصيف الجثث بعد حرقها
 كريستيان بولتانسكي، النصب، 1987.
كريستيان بولتانسكي، المعهد المغتال، 1988.
كريستيان بولتانسكي، الأرشيف،1988 .
أسلاك ضوئية، 30صور فوتوغرافية بالأبيض والأسود.
270 x 693 x 35,5 صم
كريستيان بولتانسكي، صندوق الذخائر،1988 .
صناديق معدنية، مصابيح ضوئية، صور فوتوغرافية.
218,4 x 134,6 x 66 صم
كريستيان بولتانسكي، المعهد المغتال،1987.
أربعة صور فوتوغرافية بالأبيض والأسود، أسلاك ومصابيح كهربائية
223 x 238 صم
كريستيان بولتانسكي، صندوق الذخائر، 1990.
تنصيبة: صناديق ومصابيح كهربائية، 16صورة بالأبيض والأسود
220x160 صم
كريستيان بولتانسكي، صندوق الذخائر، 1989 -1990.
16صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود، مصابيح كهربائية
كريستيان بولتانسكي، أطفال ديجون، 1988 .
تنصيبة:صور فوتوغرافية، أسلاك معدنية، مصابيح كهربائية
كريستيان بولتانسكي،الأرشيف،1987.
تنصيبة:صور فوتوغرافية، أسلاك معدنية، مصابيح كهربائية
 كريستيان بولتانسكي، بلوغ، 1989.
تنصيبة: 9 صور بالأبيض والأسود ، ملابس ومصابيح كهربائية
صم277x160x17.5
كريستيان بولتانسكي، هيئات، 1996.
صور فوتوغرافية، صور ضوئية
75 x100 صم
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
  •  

  •  

  • مقدمة
    يعتبر كريستيان بولتانسكي وهو من مواليد 1944 من أهم الفنانين الفوتوغرافيين التشكيلين العالميين في فن البورتراي، وقد كانت تجربته خلاصة اختصاصات وتجارب متعددة خاضها باعتباره رسام ونحات ومخرج فرنسي وفنان فوتوغرافي تشكيلي معروف بتنصيباته الفوتوغرافية الضخمة.
    منذ عام 1967 كان قد جرّب مع وسائل تعبير مختلفة مثل كتابة الرسائل وإنشاء ملفات وجمع نسخ مصورة ووثائق وصور فوتوغرافية أصلية من بعض الألبومات العائلية. فهو يقحم عناصر متأتية من محيطه الشخصي حتى أصبحت سيرته الذاتية واحدة من المواضيع الرئيسية التي تشكّل أعماله التّنصيبية.
    ولد كريستيان بولتانسكي في نهاية الحرب العالمية الثانية في عائلة يهودية والتى ضلّت مميزة بذكرى المحرقة l' Holocauste التي تعتبر من أكبر وأشنع المجازر الانسانية التي عرفها العالم والتي تمثلت في الإبادة الجماعية التي عرفها اليهود الفرنسيين على يد هتلر، حتى أن آثار هذه المحرقة لم تمحى من ذاكرتهم إلى اليوم.
    في أولى أعماله بدأ الفنان بولتانسكي في سرد بعض ملامح من حياته الخاصة، ومن ثم انتقل في مرحلة ثانية إلى ذكر الموتى كما ضحايا الجرائم، فمعظم الصور التي كان يرسمها مثلت شخصيات في وضعيات بشعة. وتبقى طريقتة في القصّ والسرد ذات خصوصية مبصومة بذاتية ومن دون كلمات.
    في 1967 اقترب من عالم الفوتوغرافيا، كما كان شديد التأثر بعوالم أخرى من مجالات الفن؛ كالفيديو والسينما والمسرح ليفرض نفسه كفنان عالمي وشامل un artiste universelle، فكان يقرّ بأنه بالأساس رسام، وفيما بعد اعتقد بالمرئيات التي أصبحت تهمه كثيرا مثل الصور الفوتوغرافية والفيديو، واليوم يحدد نفسه في المقام الأول كــ"فنان" بما تحمله الكلمة من مفهوم عالمي.

في الواقع أن السيرة الذاتية التي اهتم بها كريستيان بولتانسكي في مشروعه الفوتوغرافي لم يقصد بها تأريخ الأحداث لأنه ليس بمؤرخ حتى لو كان في بعض الأحيان يفترض خصائص هؤلاء الرجال في كلماتهم، إنما هو فنان يصف نفسه بــ "رسام- فوتوغراف"un peintre/photographe .
إن أعماله تتّخذ شكل اللوحة الجدارية الكبيرة التي تشير دائما إلى فن ارتبط بالقرون الوسطى، والتي نجد فيها استذكارا لذكريات الطفولة والموتى كما الذكريات الشّخصية، ويعتبر هذا الفنان أن المعنى الحقيقي للحقيقة يكمن في الصورة باعتبارها أقرب إلى الحقيقة، هذا ما عبّر عنه وما يتجلى حقيقة من لغز المعاناة الذي تمثل من خلال إشارته إلى أعمال العنف التي ارتكبها النازيون خلال الحرب العالمية الثانية.


1- الكسر مع قواعد تصوير البورتراي الكلاسيكي.
لقد واكب بولتانسكي فترة بعد تحرير باريس أي منذ الحرب العالمية الثانية حيث علم بفقدان العديد من أصدقاء وأحباء العائلة، كما نجد في أعماله الفوتوغرافية عودة إلى مذبحة السكان المسيحيين وإلى ذكرى المحرقة. فمحتوى تنصيباته عبّر عن أفكار تشكّلت من البعد الذاتي الذي أراد أن ينحت من خلاله خصوصيته وأصالته كفنان معاصر. وهذه البعض من الصور التي تعود بنا الى الماضى والتي تعبر عن الجريمة الشنعاء التي حصلت لليهود الفرنسيين وهي جريمة لم تمحى من ذاكرة فناننا بولتانسكي.
على غرار هذه المذبحة والمأساة التي سجلت في الذاكرة، قدّم بولتانسكي سلسلة من الأعمال الفوتوغرافية التنصيبية التي كان قد ابتدعها من خلال أرشيف من الصور احتفظ به منذ الصغر أكانت صورا جماعية للعائلة أو صورا جمعت العديد من الأطفال والجنود والأشخاص المفقودين، فقد كان من اهتماماته تكوين أرشيف ضخم من صور ضحايا الحرب والمحرقة.
إن البحث عن المختلف وعن الجديد يبقى من رهانات بولتانسكي لتقديم صورة تحمل العديد من الاستقراءات الفلسفية والدلالية، وهو يعتبر في هذا الصدد أن المشكل ليس في خلق عمل فني ولكن معرفة كيفية اشتغاله، كما ليس من خلال صنع أعمال جميلة ولكن أعمال في بعض الأوقات تفهم أشياء للأفراد.
رغم أن هنالك من النقاد من يعتبره فنانا يمارس الفن على حساب الألم الإنساني، لكننا نجد أن بولتانسكي يرفض هذه الفكرة معتبرا أن صوره بلا استثناء ليست بموضوع فني فحسب بل إنها صور تكشف عن قضايا اجتماعية وعالمية.
ولكن السؤال الأول الذي يطرح في هذا الصدد، هل تمكن فناننا من معالجة هذه المذبحة الفظيعة التي تعرض لها الفرنسيون من قبل النازيين تشكيليا؟ وما هي الآليات والتقنيات التي جعلت من هذا المشروع الأضخم والأثقل ممّا قدم في العالم؟
من عام 1976 إلى عام 1985 ابتكر بولتانسكي العديد من الأعمال الضخمة الملونة المعلقة على الحائط وكانت مرجعيته في ذلك فن التصوير القديم وأصوله، وعلى غرار ذلك بحث عن إيديولوجية جديدة للعرض.

بدأ بسلسلة من النّصب la série des Monuments تحمل تكوينات هندسية للصّور الفوتوغرافية والتي قام بوضعها في صناديق حديدية، وقد قام بإضاءة الآثار التنصيبية عن طريق مصابيح كبيرة وصغيرة وضعها أمام الصور الفوتوغرافية.
بالنظر إلى أعماله التنصيبية إلى نلحظ أهمية الأشياء المستعملة: هي أشياء تتحدث عن نفسها وعليه، مستعينا بالحد الأدنى من الموارد ( الأسلاك، الورق المموج، رزم من علب البسكويت الصدئة، الإضاءة، قصاصات الصحف، الصناديق، القصدير، الصور الفوتوغرافية).
إن التخلي عن كل الموروث التصويري من مادية اللون واللوحة والاكتفاء بتسليط الضوء على الصورة أعطى للأثر الفني جدة ورؤية فيها تنام مع العصر، فمثّل حضور الصورة عبارة عن وسيط تشكيلي باعتماد التأطير كشكل من أشكال التملك المميزة لمسيرة هذا الفنان. وهنا تمكّن من أن يتحول بنا من واقع الصّورة الفوتوغرافية، ليقدم لنا تجربته الذاتية في شكل سيرة ذاتية تعبر عن موقفه الخاص عن واقع الفن وليكشف عن حلول تشكيلية تمكننا من التعبير عن مواقفنا تجاه العالم والوجود.

ثم عاد في عام 1986 إلى الصّور بالأبيض والأسود حيث أنشأ تنصيبات مظلمةLes Ténèbres وجعلها تأخذ أبعاد المنشآت الأثرية، فاستخدم صورا طبقية ورتّبها بشكل معزول وغير متناسب للكشف عن ما هو غير محسوس بالعين المجردة؛ أي حاول البحث في فكرة الموت التي تمثّلت من خلال وجوه من دون هوية حيث أصبحت ملامح الوجوه مطموسة بفعل الإنارة القوية المسلطة عليهم. وقد اهتم الفنان في هذا الصدد بصور المزارعين والعمال اللّذين يقاومون من أجل حياتهم، وصور الأطفال ألا هم ضحايا الحروب، وصولا إلى صور اللاجئين والجماعات النازحة، أي هي صور تلخّص معاناة الإنسان الذي يقاوم من أجل كرامته والذي يحاول أن يعيش عيشة أفضل. ففي تشكيل قائمة من الصور المتكررة والمتتالية والمتراصفة فيها استحضار لأعمال العنف وتظهر للعيان حجم المذابح l’ampleur de l’hécatombe التي عرفها اليهود.

في سلسلة أخرى من الانجازات قدّم هذا الفنان أعمالا تحت عنوان "الأرشيف"Archives وهي التجربة التي أخذت حيزا هاما من مشواره الفني مستخدما في ذلك مجموعة متنوعة من المواد، فكانت الصورة الفوتوغرافية مادة أساسية في أعماله خلافا إلى حضور العديد من المؤثثات التشكيلية؛ مثل الصناديق والورق المضلّع Le carton ondulé والإضاءة La lumières والشموع Les bougie.
إن سلسلة أعمال "الأرشيف" فيها خلط بين العديد من الصور التي تجمع صور الجلادين Les bourreaux وضحاياهم بشكل لا يمكن الفصل بينهما وتمييزهما. لقد حاول بولتانسكي التوفيق بين الذكريات السعيدة للجنود النازيين والذكريات الأليمة للضحايا، تلك هي الثنائية من حيث الجمع بين الازدواجية الأصلية للطبيعة البشرية، النصف ملاك mi-ange، والنصف شيطان mi-démon، أي بين الشعور بالبراءة وبين الشعور بالذنب.

كما حاول بولتانسكي أن يترجم المأساة من خلال صور الأطفال اللّذين هم أيضا من ضحايا الحرب وذلك من خلال سلسلة من الأعمال الجديدة التي أطلق عليها اسم "صندوق الذخائر" Reliquaire والتي مثلت موضوعا من موضوعات بحثه الفني والتي تنعكس فيها المعاناة التي نجد فيها حضورا لوجوه أقرب إلى صورة الأيقونات، ليضعنا أمام وجوه مائلة إلى ما وراء الحياة والموت، تلك هي القيمة الميتافيزيقية التي تتخلّص من القيد الفيزيقي بالبحث عن واقعية جديدة. وقد ترجم ذلك من خلال الإيقاع كأسلوب تشكيلي لتنظيم البورتريهات ليحقق بذلك عملا متوازنا وموحدا لينتقل فيما بعد إلى أفعال التحوير بتسليط الإضاءة على البورتريهات الفوتوغرافية والتركيز عليها بشكل يختلف من صورة لأخرى.
إن هذا الالتزام بعرض الآلام هو بمثابة العلاج une thérapie، من خلال العودة إلى آثار الماضي وصدماته وكذلك إلى التاريخ الشخصي للفنان للجمع بين عدة وقائع مختلفة من الطفولة والأسرة والذاكرة، ولكن يبقى محور الموت من أهم المحاور التي ركز عليها في أغلب العروض التنصيبية. إنها أعمال بمثابة سكون في الذاكرة أين ندرك آثار الماضي والتاريخ من خلال عمليات "الجمع" و"التّخزين" و"جرد الصّور" و"تجميد الوقت"، هكذا حاول بولتانسكي استعادة ذكريات الماضي من خلال جمع الصور القديمة وأشياء من الحياة اليومية أين نبعت من ذلك نزعة التشويه والاحتجاج على قسوة العالم وظلمه الاجتماعي.
إن واحدة من الخصائص التي يتميز بها هذا الفنان هو قدرته على إنشاء لحظات حية مع أشياء لا تنتمي لبعضها البعض، بمعنى أن بإمكانه تخيّل حياة وتملّكها من خلال الاستعانة بعدة أشياء أكانت ملفات أو كتب أو أرشيف من الصور التي يعتبرها مستودعات للذكريات Dépositaires de souvenirs لأنها تعكس" ذاكرة صغيرة " أو كما ينعتها باسم "الذاكرة المؤثرة " La mémoire affective.
إنه فنان ينعت فنه بـــ"فن العواطف"art de sentiment L’، فحياته الشخصية أثّرت في صيرورة أعماله الفنية التي كانت بشكل مدمج، بمعنى أن عمله الفني كان نتاج بنات أفكاره وسيرة ذاتية قدمها كما هي ضمن صيغة تشكيلية بحتة.
لقد عبّر بولتانسكي عن "أسطورة فردية" Une mythologie individuel حيث حكى وسرد حياة كاملة في صيغة قصة خيالية. فهو يترك المجال للمتفرج ليتعرّف وليعيد التفكير في المعنى الذي قد تأخذه جميع أشكال الحياة إذا ما كشفنا عنها بشكل استعراضي للماضي، ففنّاننا لا يعتبر أن الحياة التي يعرضها هي حياته لوحده بل أنها حياة وتاريخ لكل متفرج.
2- بولتانسكي ومساءلة الحدود بين الغياب والحضور.
في مرحلة لاحقة حاول بولتانسكي مساءلة الحدود بين مفهومي الغياب l’absence والحضور la présence أين يحتفظ في هذا الصدد ببعض من أشرطته الخاصة التي تكشف عن المعاناة التي كابدها اليهود والتي تعبّر عن أهوال الحرب، وهنا قدّم سلسلة أعماله التي جاءت تحت عنوان " المعهد المغتال" le lycée chasse و"مذبحة المطرودين"chassé autel.

إن مفهوم الغياب الذي اشتغل عليه بولتانسكي هو موضوع متكرر في أعماله، أين يمثل حضور الصور الفوتوغرافية ذاكرة تعيد إحياء الغائبين Une mémoire qui revivre les absents.
هذا الشكل الفني ليس بالغريب على مثل هذا الفنان باعتباره عضو من أعضاء الفن السردي والقصصي l’Art Narrative كحركة تدعو إلى استخدام التصوير الفوتوغرافي فضلا عن النص. إن الفكر القصصي والسردي في هذه الأعمال يتأسس بشكل منفصل عن النص، بمعنى أن الصور تتحدث عن نفسها في غياب النص والكلمة، وهنا يأتي دور المشاهد وحده ليقوم بالوصل وليكون كاتبا للنص ولسيناريو الأحداث وليبحث في العلاقات العقلية والزمنية والمكانية ليربط بين الصور والوجوه المشوهة والمحورة التي لا تمت بصلة لبعضها البعض، هذا ما يتطلب الكثير من الخيال والتخيل لكشف عن حيثيات العمل.
كثيرا ما ارتبطت أعمال الفنان كريستيان بولتانسكي بالروايات المحزنة التي تحفّز وتغذي أعماله الفنية، وتسرد وقائع جمعت بين اثنين؛ بين القصة والأسطورة. هكذا يتشكّل المعنى الحقيقي للصورة ليجعل من البورتراي ذاكرة تفتح على الماضي والحاضر،أي ذاكرة نابضة بالحياة.
يواصل فنّاننا عملية الاستذكار من خلال ذخيرة من الصور لمساءلة الحدود بين الغياب والحضور ضمن صور الذكريات، وليقدمها من جديد ضمن لعبة بصرية مؤثثة بالضوء والعلب والملابس التي تحيلناإلى فكرة الموت، في هذا الصدد يعتبر بولتانسكي أن الملابس والفوتوغرافيا مع بعضهما في وقت واحد حضور وغياب، فهما في الوقت نفسه شيء وذكريات تماما مثل الجثة هي شيء وذكرى موضوع.
إرتكزت أغلب أعمال هذا الفنان على نوع من الجرد لطفولته الخاصة ولطفولة آخرين وهو الشيء الذي مكّنه من إعادة بناء تنصيباته ضمن أشكال مختلفة. فأعماله مثّلت مرجعية لكل ما هو متعلق بالمأساوي حيث جمعت الصور الفوتوغرافية والذكريات التي أعاد بنائها من خلال وجوه مشوهة انزاحت عن طبيعتها وبنيتها الإنسانية الفطرية، ليبين ذلك السخف والتمرد الواضح ضد الساعة والزمن التي يحدّدها من خلال البورتريهات الدرامية التي تمثل حياة متواصلة في أي مرحلة وفي أي زمن.
تكتنف إبداعات هذا الفنان العديد من المخاوف الكبيرة، إنها المخاوف التي تجعلنا أمام مظهر الموت La mort والمطلق L’absolu والحقيقة La vérité والتي قد تمثل الأسس التي يود من خلالها ترجمة فكره النابع من معنى الذاكرة La mémoire والفن L’art. نجده فنانا يتوقف عند حدود قواعد الصحافة الإشهارية من حيث لفت انتباه المتلقي، ليقدم لوحات حية ضمن فانتازية تمثيل جديدة مثيرة تحمل تخطيا للأنظمة القديمة بشكل أنها تفتح كثيرا على المخيلة وعلى الكثير من الإبداع والأصالة وتعرض نوعا مختلفا عن مفهوم السيرة الذاتية L’autobiographie القائمة على العقيدة والاعتراف La confession. فهو يجعلنا نقف أمام صورة مفعمة بالمعنى والحقيقة المخفية والغير مرئية ضمن صور الموتى والغائبين، هكذا تتمظهر جدلية الإخفاء للاظهار والإظهار للإخفاء. فتنصيباته تجعلنا في لقاء مباشر أمام فكرة الموت، فعلى المتفرج أن يكتشف هذا السر المختفي وراء هذه الصور باعتباره أصبح شريكا في العمل كما عليه التنقل والتساؤل والربط للغوص في ملامح هذه البورتريهات للكشف والبحث في سر الحقيقة، هكذا خلق الفنان بذلك مكانا للتيّه كما للإحتفاء بالذكرى ضمن إيقاعات ضوئية وحركة وبصرية.
يحمل الفعل التشكيلي لفنّاننا الكثير من القصدية في الفعل، بمعنى أنه يسجّل بوفاء لحظات قصيرة في عمر العالم الذي يعيش فيه، معتبرا أن التصوير هو طريقة حياته، وأن صوره هي الـمحدّد الذي يربط الأحداث مع بعضها فهي التي تعطي فرصة الرؤية والسفر لمن لا يستطيع السفر إلى الماضي.
إن تجربة بولتانسكي تمثّل محاولة للخروج عن المألوف أين يظل البورتراي هو المفردة المميزة في تنصيباته التي برع في تحويرها بدراسة تضاريسها والتنقيب عن العلامات الفارقة فيها والمبالغة في طمسها بواسطة الإضاءة وذلك بالتركيز على تقنية الضبابية La technique de flou، ولكن بالحفاظ على الإطار الأنتروبولوجي بمعنى المحافظة على الخصوصية التي تحملها الصورة من أبعاد فيزيقية واجتماعية وتاريخية.

2- البورتراي الفوتوغرافي وعلاقته بفنون العرض والتأثر بالأشكال التعبيرية القديمة والحديثة.
حين نقف أمام لوحات كريستيان بولتانسكي وتحديدا أمام لوحته "صندوق الذخائر"، يتولد لدى المشاهد أحاسيس من الحدادية التي تتأتى من أجواء الأضواء والظلال المصطنعة Artificiel التي جاءت متدرجة ضمن أنساق مختلفة، ذلك ما يؤكد أنه فنان يسعى نحو تخطي ما يمثله الواقع من محاكاة للعالم المرئي، ليبني لنا عالما مرئيا خاصا به متنحّيا في ذلك عن النسب الطبيعية للبورتراي ضمن صورة مكبّرة ومضخمة حتى يزيد في تفعيل فكرة التخاطب وخلق حوار مباشر مع المتلقي. فكأنه بهذا الأسلوب يعود بنا إلى فكر المفكر جاك أومون Jaques AUMONT عندما تحدث في كتابه الصورة l’IMAGE عن أهمية حجم الصّورة، معتبرا أن لهذا الأخير دور في تحقيق القرابة بين الأثر الفني والمتلقي والمكان. فمن جهة استند إلى الصورة المضخمة كأسلوب تقني ليتوخى فكرة المماثلة والتشخيص التي تعود بنا إلى المبدأ الذي قامت عليه فنون الكلاسيكيين والرومانسيين كما البعض من النماذج الفرعونية والمسيحية والإسلامية منذ القديم أين نجد صدى للأشكال الأيقونية القديمة، هذه هي أشكال التأثر بميزات الفنون القديمة التي تميزه ليجعل الزائرين منجذبين وتائهين ضمن فضاء البورتريهات. ومن جهة أخرى نجده قد أقام نصبه التذكارية على فكرة التوثيق والتسجيل، التي تعود بنا أيضا إلى العديد من الأعمال التي تندرج ضمن الواقعية التسجيلية كما الواقعية الفوتوغرافية التوثيقية الكلاسيكية التي كانت تسجل الحياة اليومية والاجتماعية والسياسية. وإذا تعمقنا قليلا سنجد أن مصطلحي التوثيق والتسجيل يعود تاريخهما إلى حقبات أقدم بكثير من الفترة الفوتوغرافية الكلاسيكية أي ربما منذ نشوء الإنسانية، ففكرة التوثيق هي المبدأ الذي قامت عليه أقدم الحضارات الإنسانية ألا وهي الحضارة البدائية أين كان توثيق اليومي والحياتي لدى الإنسان البدائي متمثّلا في رسم جوانب تتعلق بحيثياته اليومية على جدران الكهوف.
إن ما يقدمه بولتانسكي من خلال تنصيباته التذكارية يعكس قيمة فكرة الاستذكار ضمن مقاربة تتأسس على جدلية "الحياة و"الموت"، فهو يؤكد على أن إعادة تمثيل صور وبورتريهات لأشخاص قد ماتوا ليست عملية استذكار فحسب بل هي إعادة إحياء لهم فهم أشخاص خالدون. فكأننا بهذا الفكر نعود إلى أقدم الحضارات الإنسانية ألا وهي الحضارة الفرعونية الممجّدة لفكرة الخلود والحياة ما بعد الموت.
كما نجد على مستوى تناول التركيبة الأفقية المصاحبة بشكل عام لجميع تنصيبات بولتانسكي صدى وتأثرا أيضا بالمشهدية الفرعونية التي تنبني على الشكل الأفقي والحكائي والقصصي. فما مثلته الصور القديمة في فنون الحضارات الكبرى كانت بمثابة أمثلة وضّحت بامتياز هذا البعد القصصي من خلال تمثيل الخصوصيات الدينية والحياتية أي أنشطة الحياة المختلفة من زراعة وصناعة وحياة العقاب ما بعد الموت.
عندما نتحدث عن البعد القصصي فهنالك رصد بطريقة غير مباشرة "للهيكلة الزمنية"، من هنا يتأسس البعد والتسلسل الزمني القابع في أعمال بولتانسكي من عملية تقطيع المشاهد المتضمنة لهيئات مختلفة وفق المنظومة الأفقية، بمعنى أن في اختيار التركيبة الشريطية الأفقية المتواترة فوق بعضها البعض نتبين إرادة الفنان في تسجيل شريط فوتوغرافي متسلسل لتقديم صورة نموذجية خلق من خلالها نظاما أشبه "بالقصة" أو"بالمسرحية الصامتة". هي المسرحية التي يمكّننا من خلالها رصد حركة المتلقي في تتبع تفاصيل العمل وفي تخيّل الروابط التي قد تجمع بين مختلف البورتريهات في هذه المسرحية الصامتة. فالبحث في مجموعة العلاقات والروابط هي عملية في الحقيقة تأطّرها "ملكة الخيال" لدى المتلقي، إذا تلك هي منظومة الخيال والتخيل التي تتأكد مع قولة بودلير بما معناه؛ أن الخيال هو من أكثر الأنظمة علمية، لأنه وحده الذي يحمل تمثيلا شموليا.
عند التثبّت في الهيكلة التنصيبية للصور الفوتوغرافية نجد هنالك تأكيد على فكرة الوحدة وفكرة تسلسل البورتريهات ضمن فضائية موحدة وضمن خط زمني متواصل، هكذا عمد بولتانسكي إلى تقديم تركيبات ضخمة وفق تراكمات الأشرطة التي تتركز في الأعلى والوسط والأسفل حتى يحقق بذلك فكرة "الزماكانية"، أي جمع هيئات مختلفة في نفس "الزمان" وفي نفس "المكان" رغم أنهم في الأصل شخوص لم يلتقوا البتّة. هكذا نستطيع تكشف زمنين اثنين في العمل؛ الزمن الأول هو التاريخ الماضي والأحداث التي جمعت بين جميع الهيئات، أما الزمن الثاني هو زمن التقصّي، فالمشاهد مدعو إلى ربط علاقة بين القصة والبورتراي والسيناريو المطروح ضمن إطار زمني يحكمه العرض والديكور والتركيب وتأطير الصور والأضواء المصطنعة التي هي من الوسائط التشكيلية الخاصة بالفنان، انفرد بها ليخلق مسرحية أبطالها ضحايا الحرب ذوي الهيئات المشوهة. وبالتالي مثلت الإضاءة أسلوبا تقنيا وتشكيليا ساعد في إبراز معاناة إنسانية كاملة من خلال أفعال التشويه والتحوير والحذف التي أوصلتنا إلى أقصى الإحساسات بالحدادية وبمعاناة شخوص غائبين ماديا، تلك هي الفلسفة العميقة القائمة على جدلية الغياب المؤسسة للحضور.

خلافا إلى التأثرات بأشكال التعبير القديمة، نستنتج أيضا أن هنالك تأثرات بتاريخ الفن وبأشكال التعبير الحديثة، بمعنى إذا عدنا إلى تاريخ الفن سنجد تأثرا ملموسا بالفن الحديث. فكأننا أمام لوحة بولتانسكي نجد صدى للرسوم التشويهية للفنان فرنسيس باكون ذلك الرسام الغريب الأطوار الذي قضّى حياته الفنية في تشويه وجوه من يرسمهم محوّلا لوحته إلى حالات من العنف الفني، أين يتمثل الصراع الأبدي بين الشر والخير.
مثلما أربكنا باكون بوجوهه المحطمة، نجد أن بولتانسكي جعلنا أمام طريقة غريبة تخرق طرائق فن الرسم التقليدي والتشويه بالمادة واللون موظفا الإضاءة العاتمة حتى يشوّه ملامح البورتريهات ليجردها من آدميتها نحو التلاشي والعدم. فهو يعرض وجوها مجردة من ملامحها، أي وكأنها تتجرد من كل ما يشكل خصوصيتها وهويتها وتميزها الظاهري، هكذا حوّل صور براءة الأطفال المغتصبة والضائعة إلى صور جديدة أشبه بأطفال قد أصابتهم الشيخوخة المبكرة. إذا يبقى التحريف والتشويه جزءا لا يتجزأ من حياة هذا الفنان، فهو يرفض التنسيق والاعتدال ولعلها صدمة نفسية منذ زمن الحرب جعلته يرى حلاوة الدنيا كلها في أن تكون مشوهة ومحرفة، لذلك لم تفلت هيئة من هيئاته من القبح المادي أوالمعنوي الذي أصبغه عليها.
إن بحثه في صور الأطفال الأحادية الألوان من شأنه أن يزيد في تفعيل فكرة العنف والاستذكار والموت، فقد رأى الفنان عالمه في لونين اثنين الأبيض والأسود معبّرا بذلك عن ثنائية النور والعتمة. إنها معالجة تحمل شكلا تعبيريا خالصا، النور من جهة والعتمة من جهة أخرى ليبحث عن الضياع بكل تدرجاته والغياب بكل لوعته، هكذا خلق من هذا التضاد شيئا من الغربة والعاطفية في نفس الوقت.
يغيب اللون ويحضر الضوء ليخلق بذلك حساسية لونية موحدة، والدلالة في ذلك هو الفصل بين الشكل الطبيعي ودلالته اللونية ليولد بذلك فانتازيات تزيد في تعميق الشعور بالعزلة والحدادية وليشكل أداة اتصال جديدة مع التاريخ تتصل بزماننا والأزمنة الغابرة الماضية. فقد حاول الفنان إعادة صياغة عنف الواقع نفسه وعنف الواقع ليس هو العنف المباشر بمعناه البسيط المفهوم والمدرك ولكن ذلك العنف الذي تنطوي عليه إيحاءات الصورة نفسها، التي لا يمكن نقلها إلا من خلال الإضاءة والعتمة.
على المستوى التركيبي نجده مرة أخرى لا يتخلى عن النظام البنائي الأفقي والعمودي للصور التي رتبها صاعدا من الأسفل إلى الأعلى ليجعلنا نستشعر قدرته البحثية عن حقائق أزلية في علاقة الأرضي بالسماوي، حيث تبدو لوحاته بابا منفتحا على عصور الحرب والكراهية، حيث تحولت تنصيباته إلى عرض لمشقّات الحياة وإلى زمن للاستعراض التقني. فما حملته صوره من معالجة معاصرة تمثل شهادة على التاريخ حتى وإن كانت بعيدة عن المطابقة والمشابهة للبنية الواقعية والتي تمثل في الحقيقة خيارات الفنان في امتلاك الواقع ونقده من خلال عمليات المسخ والطمس والحذف والتعديل بالشكل الذي يتصوره. هذه هي البنية الجمالية التي تجعل المتلقي يتواصل مع أعماله والتي كثيرا ما تدعو للتساؤل والتأمل في مشاهدها التي لا تقف عند حدود التحوير والرمز أو تداخل الأساليب، بل في عمق الحقيقة والثقافة والصدمة التي افتقدناها كثيرا في الصورة. تلك هي الصورة التي أصبحت تمتلك سلطة تشكّل قوة اجتماعية وثقافية وسياسية قادرة على التأثير في العقلية الاجتماعية، وفي تغيير الكثير من الموضوعات الإنسانية التي أثير حولها الكثير من الجدل، وهذا ما يتأكد من الدور الذي لعبته في استعراض أحداث الموت والعنف والاضطهاد.
كل شيء في عمل بولتانسكي ينأى عن ايدولوجيا ترسم الحدود الصارمة بين المعنى واللامعنى وبين الأعلى والأدنى وبين الحرية والسلطة، هكذا رصد أسلوبا يتكئ عليه للجمع بين جملة من العلاقات التشكيلية والمفاهيمية والفكرية ليشكّل بذلك لغة اتصال جديدة مع التاريخ والزمن الحالي كما الزمن الماضي.
نجده فنّانا يبحث في التشويه بطريقة مباشرة، فكأنه يريد أن ينتقم من نفسه لإحساسه بأنه مسئول عن الشذوذ الإنساني أمام نفسه أولاً قبل أن يكون أمام المجتمع. ولعل هذا الانتقام الذي لا يظهر إلا في صوره إنما هو وسيلة يتطهّر بها من أدرانه الكامنة داخله، أو ربما هي صرخة احتجاج عالية في وجه الحياة الظالمة التي جعلته هكذا باعتباره قد واكب الحرب وتبعاتها التي أثرت في فيه منذ الصغر. هكذا قرّر أن يشوه الوجوه البشرية بتراجيديا الحياة المعاصرة، ذلك ما يجعل من شكل العنف واضحا بجميع تجلياته في صوره التي تعود بنا إلى ذكريات ارتبطت بحياته وبعلاقة بينه وبين عنف الحروب والتي كثيرا ما عانى منها.
نجح فنّاننا في الإلمام بكل حيثيات القصة من دراسة للفضاء ولبنيته ولتفاصيله وذلك من توزيع وترصيف للصور الفوتوغرافية ضمن مسرحية تشمل هيئات أيقونية محورة ومشوهة وفق بنية بانورامية مرتبة داخل أجواء الأضواء والظلال التي نجح في معالجها وانتقائها بحرفية لتعميق الإحساس بالحدادية والموت.

3-الّلوحة المسرح والتأثر بأشكال التعبير الحديثة والمعاصرة.
خلافا إلى النّزوع الديني الذي تبنّاه بولتانسكي إلا أن ذلك لم يمنعه من التأثر بأشكال التعبير الحديثة والمعاصرة التي إنبنت وفق إيديولوجيا تضمنت رؤى متجددة اكتسبت أبعادا ومفاهيم جديدة كانت قد استوحت من ميادين عدة كالمسرح والسينما والفيديو.
لقد حوّل هذا الفنان فضاءاته إلى عوالم مسرحية تجتمع فيها الأضواء بالضلال وبالصور، فأنتج في هذا الصدد عمله "أطفال ديجون"، وهي التنصيبة التي جمع فيها بين الفكر التشكيلي والمسرحي، ذلك ما يستدعي نظرنا وفكرنا وتأملنا إلى تكشف فضاءات مثيرة ومستحدثة تحمل العديد من الخلفيات الفكرية والفنية والفلسفية .
اهتم بولتانسكي بالمشهد الجزء، بمعنى أنه استعان في طريقة العرض بتقنية الإطار والتأطير ليتملك واقع البورتراي وليحوّل وجهته إلى نظام الشكل المؤطر والمعلق بغية جلب عين المشاهد نحو تكشف فضاءات جديدة للبورتراي، فقد أعطى لعملية الرؤيا نسقا مؤطرا ومتحكما في عين المشاهد تلك التي تجعله يتحول من مشهدية إلى أخرى حسب النسق التراتبي للصور، فتنتقل العين من جزئية إلى أخرى لتستوقفها صورة أولى ثم صورة ثانية، لتنتقل من جديد ضمن رحلة من التّجوال البصري. من هنا تتأتى قيمة منظومة الرؤيا التي جعلها مبنية وممنهجة، إنها الرؤيا التى كانت ومازالت منذ التصورات الإغريقية متأسسة على المعرفة الحسية من خلال التلاحم الفيزيقي بين الشيء وجسد الناظر. فالمشهدية التي ابتدعها بولتانسكي وفق تكرار وتواتر صور البورتريهات خلقت شكلا فرجويا لدى المشاهد، هكذا قدم تشكيلات ومشهديات أساسها "الفرجة" وهو المصطلح المستوحى من الفنون المسرحية والسينمائية، كما أن استعمال الكم الهائل من الإضاءة ومن المصابيح وسط الظلمة العاتمة زاد في تعزيز فكرة الفرجة داخل فضاء تشكيلي شاسع أشبه بفضاء مسرحي أبطاله أطفال ديجون المفقودين. فالإضاءة تمثل عنصرا متميزا ضمن طريقة العرض وهي اللّغة المعبّرة التي جاءت منبعثة داخل الصور الفوتوغرافية والتي ساهمت في إحداث الوصل مع المتلقي من حيث إثراء شاعرية الأجواء والظلال، كما خلق خطابات سيميائية ذات سمة فرجوية ودلالية وجمالية.
إن هذه الطريقة في العرض والتّنصيب من شأنها أن تصل بالمشاهد إلى أقصى حالات التأثر وذلك باختيار المؤثرات الضوئية التي تؤمنها شمولية الضوء الواحد المسيطر على الفضاء، كما الاعتماد على العديد من التقنيات الجمالية المستوحاة من تقنية العرض المسرحي.
إن ما نلحظه أن هذا الفنان قد طور أسلوبه في تقسيم الفضاء وفي طريقة العرض ليستدرج عين المتلقي إلى نسق جديد في طرق العرض، فتنصيباته أضحت تتطور شيئا فشيئا حتى تكون الصورة بمقاييسها الموحدة شاهدة على الحدث وعلى التطور المكاني والزماني، أين تواتر الصور في كامل أرجاء الفضاء ضمن أجواء الحدادية، فكأنه بصدد تقديم بنية سينوغرافية لفضاء مسرحي نلحظ من خلاله براعة كبرى في تركيب الصور وفي تنظيمها وهو ما ينم عن قوة في المعالجة وفي تناول أهم التفاصيل الدقيقة التي تدخل في طريقة العرض والتنصيب.
بحث فناننا عن فضاء تشكيلي يجري فيه الحوار والتخاطب أي عبارة عن مساحة مسرحية مهيأة بجملة من المفارقات كمثل الإضاءة والعتمة والتي تصل بنا إلى حد إنشاء لحظات مفعمة بالظلمة وسط فضاء شاسع بمثابة خشبة مسرح يخصصه الفنان للمتلقي للتجوال والتفرج والتخاطب مع صور صامتة ولكنها مفعمة بالكلام وبالهمسات وبالصراخ وبالألم الضمني لينشأ مساحة تجسد العديد من الانفعالات المضطربة، فهو يجمع جميع هذه الانفعالات ضمن آنية واحدة وزمنية واحدة ولقطة واحدة.
سعى بولتانسكي بكل جهد إلى تحقيق تنصيبات ضخمة بشتّى الوسائل والتي هي أشبه بالمقاولة الفوتوغرافية، فقدم أكثر من350 صورة بالأبيض والأسود معلقة على الحائط، حيث نجد في ذلك أيضا استعادة إلى طرق تصميم الجدران لتزيين وتزويق الكنائس والكاتدراليات بالطرق التي عرفناها في ما مضى وتحديدا في العصور الوسطى والتي تعرف "بالرسوم الجدارية". نجده يقحم الفعل الإجرائي من حيث انتاجية الصور الفوتوغرافية لصناعة أعماله التنصيبية، وفي هذا السياق نستطيع الإشارة إلى ظاهرة الإنتاجية La reproductibilité التي أضحت لازمة لفن الفوتوغرافيا التشكيلية المعاصرة. نجده فنانا استند أيضا إلى مفهوم الاستعادةLa récupération فهو يسترد صورا قديمة ويعيد تقديمها من جديد ضمن تصميمات متطورة ومعاصرة. إنه فنان لا يرسكل أعماله بقدر ما يثبت عودته إلى جذوره الأسلوبية، فالفرق بين أعماله السابقة والجديدة هو الزيادة في تعميق المعاني التراجيدية والمأساوية في تنصيباته المسرحية الصامتة.
لقد استطاع فنّاننا استيعاب المكان بجميع الوسائل، فخلافا إلى التوازن والتناسق المميزين لنصبه نجد لديه شغف الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة والدقيقة، فهو لا يستغني لا عن الأسلاك ولاعن الإضاءة محاولا أن يخلق من خلال هذه ألبنا الفوتوغرافية تناسقا يعطي إحساسا بالسكون الناتج عن الأضواء والظلال والانعكاسات الضوئية وهي الطريقة النموذجية التي حولت الفضاء والصور إلى مكان للتأويل وللقراءات المتعددة. خلافا إلى كل ذلك فقد بحث عن جوهر البورتراي ببراعة تقنية كبرى تعكس خبرته الفنّية كرائد في فن الفوتوغرافيا التشكيلية، وقد استطاع أن يثير وجدان ومشاعر وتفكير المتلقي بتحفيزه على معرفة ماهية الشخصيات وطبيعة الأشياء الماثلة في الصور. هكذا حاول التّخلص من محدودية ومباشرة الشخوص ليجعلها متمحورة ضمن دائرة المطلق واللاّمحدود والشمولي داخل فضاءات أضحت شبيهة بالمقاولة الفوتوغرافية.
لقد بيّنت هذه التجربة قدرة بولتانسكي على التّجاوز والتّحديث والتّجديد في مجال الفوتوغرافيا التّشكيلية التي أضحت بمثابة مسرح يمثّل مكانا خصبا للتّجارب الفنية المعاصرة والتي مكّنته من البحث والتجريب للإتيان بالجديد والمفاجئ.

إن الفكر الاستعاري لمفهوم المأساة يتواصل مع سلسلة من الأعمال التنصيبية التي جاءت تحت عنوان "أرشيف"، إنه اسم ينعت حقيقة على الطريقة الأسلوبية في التشكيل والتنصيب. في هذه المرة أراد الفنان أن يلتزم بمفهوم التوثيق L’archivage بطريقة مباشرة وهو ما يتمظهر لنا من خلال اعتماده لأسلوب السّجلات الذي هو شبيه بعملية ترصيف الدفاتر في الأرشيفات.
إن طريقة العرض التي توخاها الفنان في هذا العمل تذكرنا بعملية تخزين الأعمال الفنية في رفوف المتاحف Des espaces muséographiques de stockage، فالتجوال ضمن أرجاء هذا الكم الهائل من الصور المعلقة ذات الأحجام الضخمة Des macrophotographies وضمن فضائية المكان المعتمة بعث على عدة إحساسات من الضيقة والاعتلال، خاصة عند البحث في طبيعة حياة الشخوص كما في طبيعة الحياة فيما بينهم التي ما تزال شيئا مجهولا بالنسبة لنا، فهم بجانب بعضهم البعض وهم الذين ليس لديهم سبب للقاء والانتظار. فكأننا نجد أنفسنا أمام دفاتر خاصة بالمبعدين والمنفيين عن الوطن، تتضمن صورا لمئات من الأفراد المجهولين الحاملين لملامح مشوبة بالحزن والقلق والغموض مرتبة بشكل فيه استحضار لإحساسات اكتئابية وسوداويةDes évocations mélancoliques تشكلها جملة من شبكات الأسلاك المعدنية والتي هي أشبه بالأسلاك الشائكة أو بخلايا السجن Les cellules de prison، ذلك ما يؤكد إصرار الفنان على تقديم أعمال مرطبة بالمحرقة التي تعرّض لها الفرنسيون المسيحيون وما خلّفته من معاناة ومأساة.
عندما نتجول ضمن ثنايا هذا الأرشيف نجد أن بولتانسكي يستعمل صورا ليافعين مسيحيين قدّمهم على أساس أنهم ضحايا الحرب، فهو لم يعلن بشكل مباشر إذا ما كان هؤلاء أبطالا أوضحايا، ولكن يبقى رهانه هو استذكار المأساة. من الأشياء التي تجلب النظر في متاحفه كونها تبعث كثيرا على الحزن والحدادية من حيث طريقة جمع وعرض الصور الفوتوغرافية، ويؤكد على هذه الفكرة معتبرا أنه لا يمكننا الزيادة في تعميق الأحاسيس المأساوية إلا من خلال الزيادة في تضبيب البورتريهات وطمس الكثير من ملامحها، ونجد في هذا الأسلوب استيحاء من تقنية السفوماتوSfumato، التي تعود بنا إلى الطريقة التي توخاها ديفنشي في إحداث الضبابية على خلفيات أعماله. لكننا نجد أن تقنية "السفوماتو" قد عوّضت بفعل الضبابية التي تجسّمت من خلال التحكّم بالإضاءة بتدرجاتها الخافتة لخلق أفعال التضبيب فوق بنية البورتراي، ذلك هو التأثر الذي يعبّر عن تواصل الأفكار عبر الحقبات الفنية ولكن بآليات شاهدة على هذا العصر.
خلق الفنان أقصى حدّ من التوافق والانسجام بين الصور كما ساعدت على ذلك الإنشطارات الضوئية من حيث التباينات المتأرجحة مابين الفاتح والداكن لتحطم شكل البورتراي ولتخلق بذلك نسقا تتأسس عبره ديناميكية الإبصار والتجوال. فبتحويل النّظر من جزئية إلى أخرى تتراءى لنا صور مرصّفة الواحدة تلو الأخرى متضمنة لأحاسيس متصادمة ومتأرجحة بين نبرات الصراخ والصّمت والضحك والتشاؤم والحزن، فتمكن الفنّان من تقديم إحساسات مختلفة متأرجحة ومتذبذبة بين الهدوء والحركة وبين الوجع والفرح لتتداخل كامل لغات الوجه المختلفة. ولعل في اختيار التقسيمات الأفقية أيضا دور في تعميق تلك الإحساسات، فقد خضعت التركيبة إلى توليفات مميّزة تظهر من خلال الاهتمام بدراسة طريقة وضع الصور بالاستناد إلى تقنية التكبير والتأطير. ذلك ما يعكس براعة في التركيب وفي الصّياغة التشكيلية لتقديم تشكيلات متحركة للبورتراي استنادا إلى مبدأ التكرار وتجاور ألبنا الفوتوغرافية، مما أكسب فضائية العمل بعدا زمنيا ومنحنا فرصة ملاحظة لحظات عابرة في الكشف عن تمظهرات وحركات مختلفة عبر الزمن.

تحوّل بولتانسكي منذ سنة التسعينات إلى إضافة عنصر ومعجم تشكيلي جديد في أعماله الفوتوغرافية التنصيبية، فحاول من جديد البحث في مواضيع الاستذكار من خلال أشكال تنصيبية جديدة بإقحام عنصر جديد ألا وهو " الملابس" وهو مانتكشفه من خلال عمله "بلوغ".
يجعلنا هذه المرة في مواجهة مع صور البورتريهات والملابس، قد تكون صورة مجازية تمثل حضور "الصورة" و"الشيء الجاهز" ليشكل في الأخير شكلا تنصيبيا مختلفا يدخل في عملية تهيئة صالة العرض ضمن بنية تخطيطية جديدة muséographique Une، ولكن هل من أبعاد أعمق جعلته يبحث في الملابس الواهية والمستهلكة؟
إن إدخال عنصر الثياب في هذا العمل يفتح على العديد من الرمزيات التي من أهمها على حسب فكر الفنان أنها تبعث على الموت باعتبار أن الميت لا يبقى له من تذكار سوى الصور والملابس، معتبرا أنّ الثياب والفوتوغرافيا لهما إلتقاء في آن واحد بالحضور والغياب فهما من جهة أشياء وذكريات كمثل الجثة في الوقت نفسه هي شيء وذكريات لموضوع.
يبحث هذا الفنان عن رصد العديد من المفاهيم الفكرية والفلسفية وتحديدا ثنائية الغياب المؤسسة للحضور، فهو يضع الثياب بشكل مرتب ضمن ألوان ساطعة ومتنوعة خلقت تناغما بصريا منسقا، فالمشاهد يجد نفسه مرغما على تتبع ترتيب الثياب المكتسحة للأرضية كما المشي بجانبها ليخلق بذلك إحساسات بالحركة، وبالتالي تلك هي الحبكة الفنية التي اتبعها الفنان ليجعل من المتلقي مشاركا من دون علم في تعميق ذلك الإحساس بالغائب الحاضر.
إن العوالم البولتانسكية تجعل من المتلقي نفسه مشاركا في العمل من خلال فعل الحركة والمشي العفوي الذي فيه إيحاء بحضور الميت. فاستدعاء الميت هو من المفاهيم التي حاول الفنان رصدها من خلال حضور "الملابس المرمية" و"المرصفة" وأيضا "المطوية" كمصطلحات متّصلة رمزيا بالموت والأموات.
نجد في هذا العمل قصة تروي بالصور الأشياء اليومية المستهلكة، ونحن نعلم أن الاستعانة بكل ما هو متروك ومستهلك هو من أكثر المفاهيم التي ارتبطت بـــ"الفن الفقير" الذي اهتم بنقد الجوانب السياسية والروحية من خلال استخدام مواد وأشياء متروكة من اليومي. كما نعلم أنّ معالم حضور الشيء أخذت حيزا هامّا من تجربة مارسال ديشان أين اتّخذ الشيء قيمة جمالية وثقافية وفلسفية جديدة من نوعها.
هكذا استفاد بولتانسكي من هذه النقلة الفنية ليستدرج الشيءL’objet ضمن أعماله الفوتوغرافية من خلال جمع الصورة مع عدة أشياء من اليومي، أين اختلفت من حيث حضورها ومن حيث دلالاتها عن بقية الممارسات الفنية. فحاول ربط حضور الشيء الجاهز جنبا إلى صورة البورتراي المحور والمشوه، ليخرج الأشياء الإعتيادية من وظيفتها اليومية حتى تتّخذ بعدا تشكيليا وفكريا، مستدرجا بذلك المشاهد إلى علاقة جديدة مع الأشياء والمكان والذّاكرة. تلك هي المراوحة في التعبير عن حضور الشخص في حين غيابه لخلق الكثير من الإثارة ضمن عالم من الإيحاءات والدّلالات الرّمزية. فقد تبدو الأشياء المستعارة في هذه الأعمال من المكونات الحياتية المتروكة، كما من المكمّلات الزّائدة التي أصبحت لا قيمة لها في حياتنا اليومية، ولكن نرى أن هذه الأشياء قد تحوّلت إلى أهمّ مكوّنات العرض المصاحبة للبورتريهات نظرا لأهميتها الدّلالية في تشكيل الفرجة لدى المشاهد. هكذا عبّر بولتانسكي عن واقعه الاجتماعي والسياسي بلغة خاصة به، فما نتكشّفه أن هنالك محاولة للارتباط بالواقع بجميع الأشكال من حيث اختيار الموضوع ومن حيث البحث في طرق عرض مستجدة. فما جاء في هذه التجربة المعاصرة فيه الكثير من الاستيحاء من تاريخ الفن ولكن في نفس الوقت هنالك انفصال عن هذا التاريخ، فمن المهمّ البحث عن أوضاع تنصيبية متجددة في تناول صورة الواقع بخلق قواعد وأساليب تشكيلية جديدة لتحوير البورتراي وللإتيان بالمغاير والمخالف والجديد.
إن ما نلحظه عبر طرح جملة من النماذج التنصيبية الفوتوغرافية للفنان بولتانسكي أن هنالك تعدّدا وتنوعا في طرق العرض وفي دراسة الفضاء التشكيلي الذي إنبنى على تواتر وتراتب الصور الفوتوغرافية المؤثثة بالإضاءة وبأفعال التحوير المختلفة لبنية البورتراي، كما نلحظ أيضا تأثّرا بمفاهيم قديمة وحديثة باتباع أساليب تقنية جديدة ومعاصرة في معالجة الصورة الفوتوغرافية.
تجربة هذا الفنان تعكس انشغالا بعرض فكرة البورتراي المشوّه الذي استطاع أن يحوّله إلى جملة من الكتل الرّامزة والدالة لينقلها إلى مستوى الرؤية الحيّة من خلال بورتراي لا يحمل لا ملامح ولا هوية محدّدة ولكنه يوحي بمعالم المعاناة والعذاب، فغايته هو نقل بعض التمثّلات المباشرة والمعبّرة عن معاناة الإنسان وصراعه مع الزّمن والحياة.
إن مجموعة التنصيبات التي أنتجها فنّاننا مثّلت أعمالا ضخمة وثورية تنظمّ إلى فنون الفوتوغرافيا التشكيلية كما كانت شهادة على تاريخ كامل من خلال تصميمات جدّ معاصرة تلك التي تطرح وتتشبّث بآلام الإنسانية في جميع تمظهراتها الحياتية.


4- تقنية الإسقاط الضّوئي آلية تحوير معاصرة مؤسسة لتجربة بولتانسكي.
في مرحلة لاحقة توجه بولتانسكي نحو إنتاج سلسلة جديدة من الأعمال الفوتوغرافية بالاستعانة إلى تقنية الورق الشفاف Papier vélin translucide ومستعينا بالفيديو الإسقاطي الضوئي في تحوير أعماله من حيث الجمع بين صورة فوتوغرافية مكبّرة وصورة ضوئية مسقطة على الأولى لينتج عن هذا الإختلاط صورة بورتراي متعددة الأوجه، وحتى يقدم وجوها محورة بشكل مختلف ليعبر عن فكر جديد وهو "الموت المفاجئ" Le mort brutal. في هذا الصدد يقدم عملا بعنوان "هيئات"، فجاء هذا العمل كمقاربة اختزل فيها الفنان تجربته وعلاقته بفن التصوير الفوتوغرافي متأثرا بتكنولوجيات الصّورة، وأراد أن يتموضع في تاريخ الفن خالقا بذلك شكلا جديدا لما يعرف عنه بالصور الجدارية Les photos murales والتي تعود بنا إلى فكرة "الرسوم الجدارية"La peinture murale ، لكنه بحث في هذا التصور من خلال لعبة توزيع الأضواء والأشكال التي من شأنها أن تمكن المتفرج من الشعور بإحساسات مختلفة وجديدة.
لقد خلق الفنان من عملية تكرار البورتريهات عدة مشهديات متشابهة مبنية على حشد من الهيئات المتواترة والمتراكمة فوق بعضها البعض أين تنتصب في المستوى الأول الهيئة المركزية التي تمتزج مع بقية البورتريهات الضوئية لتخلق كتلة واحدة متلاحمة مع بعضها البعض، فمنها هيئات مصغرة في حجم Les miniatures وأخرى مكبرة ومضخمة أدخلت عليها أفعال التضبيب والشفافيةLes effets de floues et de transparence . فتبدو هذه الهيئات الفرضية المتداخلة ضمن قياسات ونسب مختلفة معالجة بطريقة جعلها الفنان تلتف وتلوح في فضاء الهيئة الرئيسية ضمن فضائية لانهائية كما الأشباح النورانية التي تعبّر عن الفناء وعن المأساة، مقدما بذلك محيطا أيقونيا مرتكزا على مادة ميثولوجية وفلسفية جد ثرية.
يضعنا بولتانسكي من خلال هذا المونتاج الذهني الفرضي إزاء جملة من العلاقات التي تكشف عن لعبة الإيهام المتولدة بين جميع مكونات العمل، حيث قسّم العمل إلى مستويات مختلفة فظهر المونتاج على هيئة توليفية وتركيبية للصور بشكل فريد من نوعه، هذا ما يكشف عن فكرة التزامن التي حولت اللوحة إلى شاشة تتواتر فيها المشاهد.
إن المتأمل في هذا العمل يجد نفسه أمام تركيب غير مألوف، هي هيكلة بمثابة نافذة جديدة مفتوحة على عوالم الخيال أراد من خلالها الفنان أن يعبّر عن وضعية إنسانية تجسمت من المنظورية الضوئية المصطنعة أين نستطيع أن نتكشّف في هذا الصدد العديد من التأثرات بالمناهج والمدارس الفنية على غرار منهج "فنون خداع البصر". فاسترجاع أطروحة الصورة الضوئية ليس سوى بحث عن نسخة جديدة للواقع تبعث على التفكير وتعكس نموذجا منفردا، ذلك ما يبين قدرة الفنان على التوليف ليحقق مناخا من الإيهامات البصرية وفق بنائية التكرار، هكذا جعلنا تائهين ضمن عالم الأضواء والظلال أين تتولدت على غرار ذلك جملة من الخدع البصرية المتأتية من تداخلات الإضاءة والألوان الفرضية.
إن فعل استنساخ الهوية شكل ميّز عمله حيث حاول الفنان أن يقدم إجابة عن أسئلة لطالما طرحتها الساحة الفنية، ليبين الحدود ما بين التجريد والتشخيص مستعينا في ذلك بتقنية التواتر المشهدي في التركيب التي تحيل على الفنون البصرية ضمن لعبة تشكيلية مستحدثة قوامها الفوتومنتاج. هذه هي التكنولوجيا الحديثة التي استطاع من خلالها أن يتحكم في منطق تداخلات الصورة بحثا عن إيهامات بصرية ولونية مثيرة من نوعها.
إن وراء أسلوب بولتانسكي بحث في عملية ذهنية من خلال الجمع بين عالمين اثنين، الأول هو "عالم الخيال" والثاني "العالم الواقعي"، بمعنى أنه استنسخ من صور الواقع صورا خيالية خلق منها سلسلة مختلفة من البورتريهات المتداخلة، فنجح في رسم حالة خادعة تكتنز مفهوم "اللوحة داخل اللوحة"Le tableau dans le tableau ربما ذلك هو الفكر المتأثر بالمنهج السريالي الذي عالج سابقا هذه الأطروحة التي تعتبر نموذجا من حيث طرح صورة تبعث على الكثير من التفكير والتأمل. كما أن المونتاج وتباين المشهديات في نفس اللّوحة يعبّر عن صياغة غير معقولة تقود أيضا إلى ملامح سريالية، فالفنان بصدد البحث عن مضمون فكري محتجب وراء فضاء غرائبي وضمن أفكار مختزنة داخل اللاّوعي، لتتخذ بذلك الصورة الإنسانية مظهرا حركيا مموّها. فقد سعى إلى تحرير المخيلة من روابط العقل، فهو بصدد التعبير عن أفكاره وهواجسه النفسية وتجليات عقله الباطني، فأراد أن يجسّر الهوية بين منطقين اثنين أولهما الوجود الواقعي والوجود الغير ممكن، ربما تلك هي الجدلية التي تعود بنا إلى فكرة الحياة والموت أو محاولة إحياء الغائب الميت.
إن هذا العمل يبدو وكأنه باب يفتح على تكنولوجيا الصورة، فاستدرجنا بولتانسكي هذه المرة نحو إضافة بصرية تشكيلية مختلفة عن ما سبق من الأعمال، حيث أخذت الإضاءة منحى جديدا مختلفا عن ما سبق من الأعمال، فلم يستعن الفنان بالإضاءة ليبحث من خلالها على التظليل والتحوير بل بحث عن "الصورة الضوئية" وبالتالي عن"الهوية الضوئية الفرضية" ليحقق بذلك مونتاج بين الصورة الواقعية والصورة الفرضية وليستدعي المشاهد إلى نظام تشكيلي جديد في معالجة الصورة الفوتوغرافية للهيئة المشوهة والمحورة.

خاتـــــمة
إن المتأمل في أعمال بولتانسكي يلاحظ المدّ الصوري المشهدي المتكون من عناصر تشكيلية وتكنولوجية وفق أسلوب يحتكم إلى إمكانيات تعبير مختلفة. هكذا كانت الفوتوغرافيا أداة شاهدة على العصر، وهكذا مكنه أرشيفه الفوتوغرافي من القبض على الزمن الماضي واستحضاره في هذا الزمن، من هنا تمكّن من أن يكون شاهدا على زمنه بأدوات هذا العصر. فالصورة بالنسبة إليه هي الأهم وهي الوسيلة التي أسست اختياراته ومشاريعه العالمية التي ولّدت خطابات تشكيلية اكتنفت الكثير من الغرابة عبر إثارة العين واستدراجها إلى علاقات جديدة مع فضاء الصورة التشكيلية ومع المكان والزمان، فاستطاع أن يكشف خصوصيات هذا العصر ألا وهو عصر السينما والإضاءة ولكن في نفس الوقت حاول أن يقترب من معاناة الزمن الماضي. هكذا استطاع الفنان من خلال مشروعه التنصيبي العالمي أن يعبّر عن ولائه للفعل التصويري الفوتوغرافي وللتقنية التكنولوجية والسينيمائية والسينوغرافية، حيث تعددت الوسائط والتي جاءت كلها في قالب متماسك التقى جميعها في احتفال بالضوء والظلال المصطنعة، من هنا مثلت تنصيباته حدثا تاريخيا وإنسانيا ومصدرا لممارسة إنسانية وتشكيلية .
هكذا حاول بولتانسكي أن يطرح من خلال أعماله ذاكرة جماعية وذاكرة فردية للماضي وللمنقضي، هي أعمال ضخمة جمعت بين كمية الصور التي أضحت شهادة جمعت مصير العالم. هكذا جعلنا نطوف ضمن عوالم الصور والتي يمكن لكل واحد منا القبض على البعض من اللحظات أو على بعض الصور التي قد تتشابه مع شيء من حياتنا وذكرياتنا، ذلك ما يجعل من أعمال هذا الفنان شيئا غير منقضي وغير مختتم فهو يسأل المتلقي ويحثه على التذكّر، فأعماله بمثابة النصب للذاكرة الحية.
إن تنصيبات هذا الفنان مثّلت شهادة على الزّمن الماضي بأدوات هذا العصر، فالجمع بين المقترحات التاريخية والمقترحات التكنولوجية الحديثة خلق طرحا تشكيليا فريدا من نوعه جعل من هذه التجربة منفردة في اقترحاها وفي تصوّرها وهذا ليس بالشيء الغريب عن بولتانسكي، فإذا نظرنا إلى تجارب كبار المصورين في العالم نجدهم أناس لهم أهداف ومشاريع إنسانية كبيرة، هذا ما تجلّى حقيقة مع فنّاننا الذي ارتبط اسمه بتصوير البورتريهات وتحويرها في أشكال متعددة تلك التي تعبر عن المأساة والمجاعة والفقر والذكريات وآلام الحرب، فكل مراحل عمله مترابطة كفصول الحكاية الواحدة.
نستكشف أيضا تناولا جديدا للحدث التاريخي حيث تحولت اللوحة التشكيلية الفوتوغرافية إلى زخم من الهويات والإحساسات أين اندمج فيها الجزء بالكل ضمن وحدة كاملة. كما اكتنزت أعماله أيضا فكرا عبّر عن تصور تاريخي تكشفنا منه قيمة الإنسانية والكيفية التي تتحرك بها، كما القوى التي قد تعرقل مسار تطورها. هذا ما جعل من هذه التجربة نموذجية من حيث اختلافها واكتمالها ونضجها، حيث يمكن تبويبها ضمن التّجارب الفوتوغرافية التشكيلية المعاصرة التي استلهمت أشكالها من منهجيات فنية كلاسيكية واستعادت أبجديّاتها من تجارب فنية حديثة من دون الوقوع في الشكلانيّة المغلقة أو في التقليد العقيم.

  •  

  •  

  • البورتراي وجدلية الحياة والموت
    في تجربة الفنّان كريستيان بولتانسكي
    اعداد
    د.هندة بوحامد


د.هندة بوحامد
سيرة ذاتية
السّيدة: هندة بوحامد
تاريخ الولادة: 2-11-1983 بتونس
الرّتبة: أستاذة تعليم عالي
الماجيستير: فنون تشكيلية
الدكتوراه: علوم وتقنيات الفنون
مؤسسة العمل: المعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس –تونس-
البريد الالكتروني:bouhamed.henda@yahoo.fr
العنوان البريدي: طريق المهدية كلم4.5 صندوق بريد عدد 109 – صفاقس- الجمهورية
التونسية.
هندة بوحامد: فنانة تشكيلية من تونس متحصلة على شهادة الماجيستير اختصاص "فنون تشكيلية" من المعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس ومتحصلة على الدكتوراه اختصاص "علوم وتقنيات الفنون" من مدرسة الدكتوراه فنون وثقافة بتونس وحاليا أشغل خطة أستاذة تعليم عالي بالمعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس –الجمهورية التونسية-

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

30/04/2014

تشكيل الحياة