•  

  •  

  •  تجسد منحوتات الفنان السعودي فهد الأزوري – على الخشب، و الحجر – رؤى الذات حول وجودها الفريد في العالم، وما يتجاوزه من تناغم يتشكل في هيئة الاستدارة، والعمق الجمالي الداخلي في آن.
    يعيد الوعي المبدع – إذا – تشكيل العلامات، والأشياء، والشخوص في صورة نغمات داخلية مكثفة، ومتداخلة، ومجردة، وصاخبة الحركة؛ ومن ثم فهو يحتفي بالحياة في نظامها البنائي، و حركاتها البهيجة، و تطلعها للسمو الروحي، أو بحثها عن وجود آخر يتجاوز ندوب الألم، والصدمات، أو اندماج الحياة الداخلية بوهج عملية التشكيل نفسها للعمل الفني في المنحوتة؛ وكأن الإبداع هو قراءة أخرى للذات، و للعالم الداخلي للفنان، لا يمكن القبض عليها في حالة اكتمال؛ فالتشكيل مستمر في الزمن، ويومئ بالثراء، و الاختلاف.


وبصدد علاقة التجريد في الفن بالقوى الداخلية يرى (كاندنسكي) أن القوى الداخلية لا تفقد تأثيرها، وقوتها بسهولة؛ فالكلمة غير المباشرة تتحدث إلى الروح، وموسيقى فاجنر تمنح الشخصيات مناخا روحيا، ويميل ديبوسي إلى التجريد الروحي مع القلق، بينما يجسد أرنولد شونبرج التجربة الموسيقية التي تتجاوز الأذن، و تصل إلى آفاق الروح .
(Read / Wassily Kandinsky / Concerning The Spiritual in Art / Translated by Michael T.H. Sadler / presented by semantikon.com).
هكذا يميل فهد الأزوري إلى تكثيف الانفعالات، و الحالات النسبية في لغة الحركة، والإيماءة الموحية على الخامات النحتية؛ ففي منحوتة خشبية نعاين تكوينا يجمع بين الإنسان، والطائر يشكل عملا غير مكتمل الأجنحة كأنه يستعد للطيران الخيالي.
إنها نغمة الصعود التي تمتزج بالدقة، والتشكيل الإبداعي المستمر للذات في عمل يشبه مرآة داخلية، أو أن الذات تبني هويتها الشعرية من خلال عملية التشكيل الفني نفسها، وما يصاحبها من إيحاءات الطيران، والصعود، وإبداع منظومة روحية جديدة تتميز بالاختلاف، والاستثنائية.
وربما يشير العمل إلى الأخيلة المكثفة التعبيرية عن حالات النفس في معزوفة موسيقية تستعيد لحظة البدء باستمرار.

ونرى في منحوتة أخرى تشكيلا جسديا راقصا، ومجردا يتحرك في اتجاهات عديدة تلتف حول مركز متعرج من الخشب.
العمل نغمة تتجاوز البعد الواحد، وتجسد ثراء لحظة الحضور، وتنوع مساراتها في سياقات جمالية متنوعة.
إن الفنان يحتفي بالحياة، وشكولها النسبية المتنوعة في الداخل، والخارج؛ و كأن الرقصة المجردة هي رغبة في تأكيد نشوة الحضور، وتشكيل لحظة متناقضة بين البهجة، والصخب، وتبديل الحالات الداخلية في مسار روحي يطمح دائما إلى التناغم، و السلام.
ولا يمكن الفصل هنا بين رقصة الجسد، والطاقة الداخلية التي تجسد مبدأ الاختلاف الجمالي، والاتحاد بالاتساع الروحي للحياة خارج أي شكل ظاهر، أو تكوين محدد الملامح.

ونعاين في إحدى المنحوتات تكوينا يشبه الشجرة، أو اليد المنفتحة كالأفرع بعيدا عن مركزها.
إن الذات تتجه نحو عوالم اللاوعي الفسيحة، و الإحساس الفطري بالخلود في كون آخر واسع يتصل بالجذور الروحية؛ فالضمير الشخصي ينفتح هنا – في هيئة مستديرة متعالية – على العوالم الجمالية غير المحددة في الجزء الأعلى من التكوين، دون أن يتخلى عن أصوله الفطرية، أو التاريخية المحددة في المسار الأسفل.

ونرى في عمل آخر شكلا منبعجا، كأن إنسانا يتهيأ للصعود من داخله، و تحتضنه يد كبيرة، أو تكوين يشبه اليد.
إنها ولادة جديدة ، ومتجددة للذات، أو للعمل الفني المميز؛ فدائما ما يتهيأ الإنسان لحضور فني آخر يندمج فيه الوعي بالجمال الفني، أو الكوني.
وترمز اليد الكبيرة إلى العمل الدؤوب، أو التغيير الداخلي، والخارجي، أو الرغبة في الامتلاك، والإشارة إلى قوة الحضور الفني في اللحظة الإبداعية.

وقد يعبر الفنان فهد الأزوري عن الأثر العميق للحروف المقطعة في القرآن الكريم في النفس، وما تبعثه من أثر داخلي عميق؛ مثل (ألم) أو (حم).
فنعاين شكلا ل (حم) في صورة نصف دائرية، يغلب عليها قوة الحضور في المشهد.
إنه يسعى إلى الاطمئنان الداخلي، والاستقرار من خلال الاستدارة المعبرة عن اليقين الروحي، وما فيه من قداسة، و جمال.

و تشير منحوتات فهد الأزوري الحجرية إلى الزخارف، والشكول التعبيرية عن طبقات النفس، أو الوعي، أو الوجه بمعناه الروحي الداخلي.
وقد أبدع الفنان في تلقيه للوجه التعبيري عن الانفعالات الإنسانية في منحوتة بعنوان (حنين)؛ إذ استخدم الثنايا، والتعرجات الجمالية الموجودة في بنية الحجر، وشكل منها ما يشبه الوجه الذي تأثر بعوامل الزمن، والتجارب، دون أن يصرح بكونه وجها؛ فهو وجه داخلي، وليس خارجيا؛ إنه المدلول الروحي المكثف، والمجرد للوجه كتجربة، أو كحالة إنسانية، لا كتكوين ظاهر، ونعاين فيه آثار الصيرورة، وحركة الحياة التي تسعى لتجاوز نغمة الشيخوخة، أو قوة مواجهة الإنسان للتجربة، أو الفقدان لشيء، أو الحنين لما يتجاوز واقع التجربة الجسدية، وسطوتها، أو نحت مدلول الموت في الروح من داخل نسق الحياة الفنية.

ونرى في عمل آخر تكوينا مخروطيا تنسحب خطوطه إلى العمق الداخلي، و تتعدد باتجاه الذات.
يجسد ذلك العمق، وطبقاته العديدة مبدأي التشابه، والاختلاف داخل الأنا، أو الميل إلى العزلة، والرؤية الخيالية للعالم، أو الهروب الاستثنائي لعوالم الفن، أو محاولة اكتشاف الحقيقة الداخلية في منبعها الروحي الأصيل الدال على الكينونة، حتى يتجلى الصوت المتكلم ناصعا.

وتتجلى نغمات الاستدارة، ومعانقة الخلود في شكل به مجموعة من الزخارف في الجزء الأسفل، بينما يميل إلى الاستدارة في الجزء الأعلى، و في منتصفه كرة مطمئنة.
إنه النموذج الذاتي الواسع حين يعانق المعاني الروحية السامية، أو حين يطمئن الضمير إلى وجوده المنطقي المتجاوز للتهديد من خلال تلك الاستدارة الإبداعية الدالة على استشراف الخلود.

وفي منحوتة أخرى نعاين الشكل الدائري، والكرة المبنية على عمود داخلي يوحي بالقدرة على التحكم، و التسامي، وقوة الحضور.
إن الذات لتلتحف بذلك الغطاء السميك الذي يشبه درعا روحيا استعاريا، و كرويا فيما يحاكي تلك اللغة الخفية للكرة، وكأنها عين صقر نافذة لما يتسامى على كل تكوين محدود؛ فهي تتطلع لرؤية حقيقية، وقيمة إنسانية عليا للأنا في المشهد الإبداعي، وفي الحضور اليومي، وما يحمله من أبعاد داخلية شعرية، وذات حضور متعال، وليس حضورا آليا.

وفي منحوتة حجرية أخرى على الجرانيت نعاين تكوينا يميل إلى التحدب، و يحوي عينا مجردة كأنها تنظر إلى العمق الداخلي للتكوين؛ وكأن الفنان يشير إلى اتساع الرؤية الداخلية للروح، والصوت، أو إلى اتحاد العين بالمناطق والفضاءات الروحية، أو الإبداعية؛ فهي عين نافذة، وحقيقية، وتحاول الصعود والترقي في المجالات المتجاوزة للرؤية المباشرة للأشياء من داخل الرؤية المباشرة نفسها.

إن الفنان فهد الأزوري يحاول القبض على الجذور الأصيلة للفن في تجليات اللحظة الإبداعية، وما تحمله من نغمات شاعرية؛ مثل الأصالة الجمالية، واكتشاف الصوت، وتطوير نزعاته الداخلية، وتكثيف لحظة التجاوز في الحركة المتشعبة، أو في جماليات الدائرة.

  •  

  •  

  • الحياة كنغمات داخلية مكثفة في منحوتات الفنان السعودي فهد الأزوري
    د. محمد سمير عبد السلام – مصر
    msameerster@gmail.com

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

28/01/2014

تشكيل الحياة