نادية الجلاصي : خامات مختلفة : القياسات غير منصوصة.
 
نادية الجلاصي "الكرسي" " تجميع ".
 
 
 
 
  •  

  •  

  • عبر التاريخ الإنساني الممتد مارس الإنسان نشطات متعددة ومختلفة حاول فيها التعبير عن واقعه المتغير وربما المضطرب وناقلا بذلك حيثياته وتقاليده وممارساته الحياتية والمهنية ولعّل التأليف بين العناصر المختلفة في المصدر من أكثر الأنشطة الفنّية مسايرة لطبيعة تحوّلاته هذه.
    وإذا كانت ممارسة الفنّان الكلاسيكي موجه لغاية تحويل المشاهد والصور إلى صور مثالية من خلال الاشتغال عليها و محاولة إخراجها مطابقة للأصل، فإنّه إذ يفعل ذلك إنمّا يفصح عن قدرته وبراعته في فعل المحاكاة وانسياقه وراء النزعة الكلاسيكية التي تبحث في المثالي والإخراج المطابق للأصل ، غير أنّ هذه النزعة وتدرجيا تقهقرت بوجه التطور التكنولوجي الحديث وعوضت الآلة الفوتوغرافية هذا الفعل( فعل المحاكاة).


وبالتطور التشكيلي وظهور عصر جديد من الممارسة التشكيلية الحديثة أصبح ينظر إلى المدرسة الكلاسيكية وتجاربها كتقليد وجب تجاوزه وشرّع الفنّ الحديث لممارسات فعل التجريب والبحث في الجديد .فكان لابد من البحث عن لغة تشكيلية جديدة تتماشي مع طبيعة هذه التحولات والمتغيرات ، الأمر الذي أدى إلى البحث عن لغة جديدة ومفاهيم حديثة تتماشى مع طبيعة هذه التباينات الأمر الذي أدى بدوره إلى ضرورة مراجعة قيم الإنسان الفنّية والفلسفية وهو ما أدى بالضرورة إلى انبثاق اتجاه جديد معاصر يستفيد من الموجودات الماديّة المتحولة والوقائع المختلفة السياسية والاجتماعية ويألف بيّنها في فضاء خاص هو فضاء الفنّان. وهذا ما وجدنا صداه في أعمال الفنّانة التشكيليّة التونسيّة"نادية الجلاصي "التي سأتطرق إلى تجربتها بالدراسة والتحليل.


ولا يخفى علينا أنّ أغلبية المجتمعات شهدت محناً وتغيرات تمثّلت بالأزمات السياسية ، وتجوال شبح المعاناة والتهميش الاقتصادي والاجتماعي و ترمي بظلالها – بشكل أو بآخر - على المجتمعات والأفراد على حد سواء فتفقدهم الأمان وتسهم بعدم توافر الاتزان الاجتماعي ممّا يسهم في إحداث حالة من التوتر والارتباك وكذلك حركة الفنّان بأشكاله وأساليبه المختلفة بوصفه عنصرا من عناصر هذه التراجيديا بفعل قدرته على الإثارة وتنمية الوعي السياسيّ والفكريّ لدى المتلقيّن .
ولمّا كانت إرادة الصدّ والمقاومة تقوم في أساسها على جوانب معرفيّة ونفسيّة واجتماعيّة لذا فإن الخصم غالباً ما يحاول وبوسائل متنوعة أن يوهن من درجة التزام وتقيّد الأفراد بالمبادئ والقيم الاجتماعية والروحيّة التي يؤمنون بها "وفي اتجاه مخالف يأخذ الفنّان التشكيلي دوراً حاسماً في التحصين النفسي والفكري والعقائدي في مجالات الحياة كافة ، وعلى المستويات الاجتماعية المختلفة لبناء وتعزيز الإرادة النفسية للمواجهة"1.


ويعدّ الفنّ التشكيليّ أحد أهم مرتكزات الفنّ بصفة عامة من حيث هو سلوك اجتماعي لا يقل أهمية عن أساليب المقاومة الأخرى في إحداث التوازن النفسي والفكّري والاجتماعي " وعلم النفس يدرس السلوك أو النشاط الإنساني والفنّ هو أحد الأنشطة الإنسانية ، وعليه فإنّ هذا النشاط يكون موضوعاً لأحد فروع علم النفس ، ويستهدف دراسة الأسباب والعوامل الكامنة وراء العمل الفنّي ودور العوامل العقلية والنفسية والاجتماعية وتفاعلها من أجل الوصول إلى إنتاج أو تكوين عمل ، وما يتركه هذا العمل من آثار نفسية في توجيه المتلقين"2" .
للفنّ قيمة حياتية رمزيّة لكوّنه من اكتشاف الإنسان وهو وسيلة تأثير فاعلة في تغيير مسار الأحداث فضلا عن كونه رمزاً توثيقيّا لحيثيات الأحداث ، وبذلك يكون العطاء الفنّي حدثاً وشاهداً في مسار التاريخ.


من هنا تبرز أهميّة ما أنجزته الفنّانة التشكيليّة التونسيّة "نادية الجلاصي " في سلسلة أعمالها "الكراسي " التي جعلتهم في أشكال مختلفة في ما يشبه اللعبة وهي إذ فعلت ذلك حققت التأثير النفسيّ في المتلقي بوصفه "رسالة يسعى من خلالها الفنّان إلى نقد الواقع بأشكاله المختلفة والتعبير على رغباته الحسيّة وابتكار ما يمكن أن يثير رغباته "3.
إنّ متابعة سياق العلاقات الدينامكية بين مختلف علاقات التراكيب التشكيلية لدى الفنّانة في سلسلة أعمالها الكراسي تكشف أبعاد العلاقة بين الفنّ والسياسة "لأنّ الفنّ يعدّ عنصراً أساسياً في معادلة التفاعل الاجتماعي من خلال التأثر والتأثير المتبادلين التي تقوم على عملية الاتصال بعناصرها المختلفة :" المصدر – الرسالة – المستقبل ، أي الفنّان – الوضع المعيشي – المتلقي ." 4


وهذا المنهج المتبع من طرف الفنّانة يشير إلى إستراتيجية بلاغية قائمة على تبليغ رسالة مفادها زجر من السلطة وأجهزتها النفّاذة في المجتمع أحظرت الفنّانة السلطة بأسلوب رمزي استغلت فيه بعض الدلالات السميائية لبعض الألوان في ارتباطها بأحداث سياسية واقعية . من ذلك جنوح الفنّانة إلى تلوين الكراسي باللون " البنفسجي" والذي جعلت من حضوه رمزيّا في سلسلة أعمالها لتكمّلها بدرجات افتح للون المائل للزهري أي درجات اللون الواحد وبما تقصد من رمزيّة الاشتقاقات الأساسية للون وفروعه وربّما دلت به على للعائلة الحاكمة وأتباعها والمقربين منهم وتستعمل لذلك كلّ وسائل الاتصال من كلمة وصورة ورمز في تبليغ الرسالة للمتلقي.
إنّ الفنّ بوصفه إيصالاً والعمل الفنّي بوصفه جزءاً من الفنّ يملك الكثير ممّا يسري على أنظمة الإيصال الأخرى لكوّنه صوراً حيّة ، واقعية ، ورموز تخرج في علاقات تركيبيّة لإنتاج نظائر للتجربة الإنسانيّة، فهناك أشياء تفرضها الاستجابات الذاتيّة لفنّان ما في سياق انتمائه واغترابه عن واقع الأحداث.


أمّا الفنّانة نادية الجلاصي و من خلال أعمالها رسمت لنفسها خطة حملت بها خطاباً سياسياً و ايدولوجيا و وجعلت من أعمالها وسيلة توصل أفكار الفنّان القسّرية أحياناً مع إعطاء فرصة للتأويل العقلي أو الحسّي للمتلقي ضمن قراءته وفهمه للعمل الفنّي واعتمدت الفنّانة العديد من الوسائط لتبليغ سائلها وأهدافها التشكيليّة من ذلك:


1. الخط :
يعتبر "الخط من العناصر الأساسية التي يلجأ إليها في عملية التنظيم والتركيب الشكلي لما له من أهمية كبيرة وفاعلة لترابطه وتشعبه مع بقية العناصر الأخرى ، لكوّنه أساس تحديد الهيكل البنائي في المتكون التصميمي5 . إضافة لما يضفيه من دلالات وأبعاد تعبيريّة وجماليّة وشكلية لتنوع شكله وسمكه ولونه في تحديد الهياكل الخارجية للأشكال . كما يساهم الخط في الإحساس بالعمق لما يتصف به من مرونة وتأثير وأحضرت الفنّانة الخط في أعمالها من خلال استعمالها للخيوط المتنوعة في الحجم واللون .


2. اللون :
يعتبر "اللون عنصر من العناصر أو الصفات الإدراكية المختلفة المرتبطة بتلازم فاعل مع بقية العناصر الأخرى في تركيب الهيئة المرئية في عملية التشّكيل إذ لا يمكننا إدراك الشكل إلا على صورة لون، فهو صفة ظاهرية للشكل الذي يثيرنا بالإحساس و من استخدامات :الغرض الرمزي والغرض الانفعالي أو العاطفي6 ، ففي تجليات البعد الرمزي يجري توظيف الدلالات التعبيريّة للون في سياق الفنّون المرئية بغاية المساهمة في إيصال الفكرة ولدعم التفاعل النفسيّ في المتلقيّ "ولذلك أخذ عن اللون الأسود ارتباطه بالحزن والموت والأبيض للتعبير عن الطهارة والعفة والنقاء والأحمر عن الحرب والدم والخطر والثورة والأصفر عن المرض والغيرة والأخضر عن الخير والعطاء والأزرق عن الهدوء والراحة والاستقرار ، والبنفسجي عن الأبهة والكبرياء7
ولعل الفنّانة استغلت دلالة الألوان الرمزيّة في تمرير رسالتها التشكيليّة للمتلقي لتجعلنا أمام جدل الألوان وما ترتبط به من أبعاد ودلالات سميائية.


3.الفضاء :
يعتبر الفضاء الشكل الحاوي للأشكال المرئية وميدانا حركيا لها ،إذ يساهم في احدث طاقة مؤثرة من خلال بساطته أو تعقيده " يحمل ذات التأثير للأشكال في تمازجها حينها نفهم أنّ الفضاء الذي يقع خلف الأشكال أو بينها هو الذي يحدد الشكل عن طريق التباين و التشاف معه "8 ، كما أنّه يساهم في خلق جدالا بصرياً مباشراً باعتبار أنّ المشاهد قد أصبح مستعداً للبحث في ملكوت اللغة البصريّة للرؤيا الإبداعيّة " وعلى أساس هذه اللغة يبنى التأويل بوصفه مناقشة بصرية من خلالها يمكن للمتفاعل أن يتمثل ويكتشف حيثيات الأسرار الإبداعية للفضاء "9 بالإضافة أنّه ، يكشف تأثيره النفسي من خلال الإيحاء بالحركة والعمق الفضائي أو ألمجالي الذي يسمح بتمرير شعوراً بالانغلاق أو الانفراج أو الاحتباس والحركة .
حاولت الفنّانة من خلال سلسلة أعمالها الكراسي و بأسلوب فنّي معاصر التطرّق إلى موضوع صعب الولوج إليه خاصة في تلك الفترة لضغوطات السياسية ولكنّها تبنت أسلوبا مميزا وحاولت به التعبير عن الواقع متحررة من كلّ قيد خارجي مستعينة في ذلك بخطابها الرمزي (رمزية الألوان ورمزية فعل التجميع) .


استعملت الخيط وقامت بتشبيكه وتقيد الكراسي كتعبيره مخصوصة حاولت في ارتباطه باللون الأزرق أن ترمز إلى تقيد المجتمع ووضعت هذه الكراسي المقيّدة إلى حد العجز على رقعة شطرنج ليتحوّل الكرسي من وضعيته العادية إلى "دمى للعب" ولعّل الخيط المصاحب يرمز إلى العين التي تراقب وحاولت الفنّانة من خلال أعمالها الفنّية الكشف عن حقيقة السلطة عن طريق تغير العلاقات ما بين الأشكال والألوان والفضاء.
وما يميّز أسلوب الفنّانة عن غيرها في التعامل مع هذا الموضوع هي تلك التحريفات في بنّية أشكالها وفي بنّية عملها الفنّي ككّل، إذ تلاعبت بالكراسي وجعلتهم في علاقة بدراجات اللون البنفسجي وصحب هذا التحريف تحريف بمكونات العمل الفنّي: تحريف للون وللزمان وللمكان ومن ذلك التكرار المستقيم للخطوط ووزعّت مكونات العمل الفنّي توزيعا تناثر يّا للتعبير عن الوضع المرتبك الغير مقيد بسياسة محدّدة .
فالفنّانة تستمد مواضيعها من المحيط السياسي التونسي وتستلهم إحساسها الفنّي الخاص من الصور الاسترجاعيّة لأهم المحطات التي عاشتها وقد تبلورت لديّها خلاصه شاملة من متابعة الأساليب والاتجاهات الفنّية التقليدية والحديثة السائدة والمعاصرة المتمرّدة الغير متقيدة بمرجع.

حيث نرى أنّ الفنّانة قسمت العمل إلى جزأين: الجزء الأوّل خطوط أفقية (المسامير في الوضعية الأفقية) والجزء الثاني الفضاء ومسرح الحدث في العمل(الأرض) والذي تسبح فيه وحدات العمل الفّني من تفصيلات وأجزاء.
وكما هو معروف كّل احتدام يخلّف ورائه ركاماً، فلقد جاءت الأعمال نتيجة تسلط السلطة الحاكمة وتعنتها تجاه الفرد والفنّان فنشاهد الهياكل العظمية وبقايا من ركام وحطام الأفراد مختزلة في قبضة مسامير منتشرة في اتجاهات عدّة، ويحتوي هذا العمل على مزج من الإنشاء الأفقي والعمودي حيث يظهر في أسفل اليسار بكرة خيط باللون الزهري.
فيخرج العمل النهائي في شكل مجموعة من المسامير قد افترشت الأرض .. وأحضرت السلطة من خلال الكرسي الملوّن باللون البنفسجي .


وكأنّ الفّنانة أرادت أن تصوّر في هذا العمل الجانب الرمّزي في العلاقة بين الحاكم والمحكوم بين الحرب والسلام كما عبّرت عن الجانب التعيس في الحياة من خلال إحضار الكرسي الذي يرمز به للحاكم وفي مثل هذه الأعمال هناك تأويلات لا تنتهي ورموز مفتوحة متنوعة ونفذت الفنّانة عملها بتقنيه عاليه من خلال إحضارها لمواد متعددة والتأليف بينهم في فضاء يؤلف بين الثنائي والثلاثي الأبعاد و التي أخذت دوراً مهماً في إبراز الانفعالات على وحدات السطح التصويري للوحه فظهرت معبّرة عن الحدث عن الواقع المرير الممزوج بلعنة الكرسي .
أمّا من حيث الرمز والدلالات فإنّ الأعمال النهائية التي جاءت في شكل سلسلة من الكراسي المختلفة في اللون والحجم ظهرت معبّرة عن نفسها تعبيراً صادقاً اختزل الواقع السياسي المعاش خلال الفترة "البنفسجية" كذلك نلاحظ إيقاعا منسجماً في هذا العمل مبنياً في حركة الكراسي والمفردات الهجينة في العمل وتوازن تام بين حركه العناصر الموزّعة في الفضاء . وإحضار الكرسي المقيّد في تجربتها له دلالات ومعاني كثيرة فهو يعني الانتظار، الحيرة، الضياع و اللاجدوى والقيد .
استندت أعمال الفنّانة إلى فترة واقعية عاشها التونسي بطرق متعددة وعلى مراحل مختلفة ، ولعل نجاح الفنّانة في التطرق لهذا الموضوع في كوّنها قد أحضرت فترة مهمة عاشها المجتمع بطريقة تعبيريّة رمزيّة... ويستمر الفعل

المراجع:
1. راير دولف، بين العلم والفن، ترجمه سليمان الو اسطي، دار المأمون للترجمه والنشر، بغداد، 1996ص34.
2. الربيعي، شوكت، لوحات وأفكار، وزارة الإعلام، بغداد، 1976ص123.
3. ريد، هربرت، معنى الفنّ، ترجمه سامي خشيه، دار الشؤون الثقافية العامة ص43.
4. عبد الحميد، شاكر، العملية الإبداعية في الفنّ التصوير، الكويت، 1997ص 56.
5. قاسم، سيزا ونصر حامد أبو زيد، مدخل إلى السيموطيقا، دار اليأس العصرية، القاهرة، 1986ص191.
6. المصدر السابق .
7. المصدر السابق .
8. كارل، يونغ، الإنسان ورموزه، ترجمه سمير على، دار الشؤون الثقافية العامةص22.
9. نفس المرجع السابق.

  •  

  •  

  • لعبة الكراسي في اعمال الفنانة التشكيلية التونسية.. "نادية الجلاصي".
    الباحثة والتشكيلية التونسية: يامنة الجراي

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

08/02/2014

تشكيل الحياة