• نستهل حديثنا بالبحث في مدى ارتباط علم الفينومينولوجيا بالأثر الفني المعاصر ليتحول هذا المفهوم في تجربة الفنانة التونسية "حبيبة الهرابي" علامة من العلامات الذاتية التي ارتبطت بالمكان حسب اختلافه وتميزه، كما نسج هذا المفهوم مسارا ملتصقا بالابعاد الخارجية لجسد الاثر الفني من حيث اعتباره غلافا ماديا ودلاليا. فمادة الطين ارتبطت بعناصر الطبيعة الاربعة " الماء، الهواء ، النار، التراب" هذه العناصر سايرت العمل الفني  في تشكله  وبالتالى فان جل مفاهيم التجاوز اجتمعت في رحاب التكوين والوحدة لتنطلق الفنانة في اتجاه فني معاصر يتطابق مع رحيل المادة الطبيعية الى مشارف الحياة، فتحمل رسالة إنسانية وجدانية ترفق بداخلها أساطير شعوب وتاريخ أمم لتبدع في معبد التشكيل وتعتكف في روح المادة الطينية. تشتغل بحرية مطلقة تتجاوز قوانين المعتاد لتبدع عبر التعامل مع هذه العناصر الطبيعية التي تحدث عنها "قستون بشلار" في كتباته الفلسفية. فالفنانة التشكيلية تجعل منها مركزا لماهية العمل سواء كانت طينا من تراب وماء، هذه العناصر التي تمثل مصدرا للوجود والحياة في هذا العالم لتصبح اتحادا بمضمون الكلمة وجوهر الأثر. فاستطاعت أن تطويعها لتكون قادرة على الحضور كمادة للتعبير الفني. فإذا كان على الفنانة البحث عن خلاصها وبناء تجربتها الذاتية فإن هذا الهاجس جعلها تبحث عن امتداد لمفهوم الفاردة والتجاوز الذي ألت إليه عبر توجهاتها الفنية، فهي تستبطن من ذاتها وبذاتها لتدرك حقيقة الوجود فعبر تجربتها الفنية تدخل في مراحيل الأخر وترحل له واليه تنحت كيان منفرد وخصوصي يحمل رؤى مستقبلية. لندرك مفهوم الزمان بمعناه العميق في كيفية توظيفه ضمن اطار ممارستها التشكيلية فهي تتوازى مع المقاربة البرغسونية لمفهوم الزمان في تحليل غستون بشلار في كتابه جدلية الزمان بقوله" لقد ابقت مكانا للتضامن بين الماضي والمستقبل، ابقت لزوجة الزمان، التي تجعل من الماضي جوهرا للحاضر. او بكلام اخر لا يكون الان الحاضر سواء ظاهرة الماضي وعلى هذا المنوال، في علم النفس البرغسوني، يفسح الزمان الممتلئ، العميق، المتواصل، الغني، مكانا للجوهر الروحي."[1]

وتبعا لهذا، فان الالتجاء إلى معالجة موضوع الأثر الفني سواء كان مباشرا أو تضمينيا لمعانيه أو تجريدا لماهيته، يرجع في جميع تمظهراته إلى ارتباك السؤال أكثر منه إنشادا لحيرة  فنية أو جريا وراء غموض فني، لتدرك "الهرابي" مجالا من الحرية في خوض التجربة عبر توظيفها لذاتيتها الموغلة في مفاهيم الجذر، فتستوحي من الذكريات ومن مخزونها ركنا أساسيا في التجربة الفنية، في مسيرة تنهل من البعد الزمني المتبقي لها بعد فقدانها لبعدها المكاني لترحل وتستنبط تلاقحا جذريا بين الحضارات دون ان تفقد جذورها ومفاهيمها، وتعيش في إطار  هذه الثنائيات المفهومية وتبني فضاء تشكيلي عبر تحوير الكتلة وتجريدها من أجزائها وتزيل الحجاب الطبيعي عن المادة، فتدخل في صراع جنوني مع وجودها لينتهي الأمر بالتصالح مع الأثر الفني. وكأننا بالفنانة التشكيلية قد تحولت الى كائن زماني، تتحدد علاقتها بالمكان عبر انتقالها في الزمان. فهي تستعمل الطين والماء والنار والهواء عناصر الطبيعة او بالا حري عناصر الحياة لتنجز الأثر الفني الذي يحمل أبعاد متقاربة ومتلاحمة تستبشر عبرها رؤى نقدية. فترجع دائما الى مصدر الوجود لتبدع سلسلة من المنمنمات التشخيصية لماهية الانسان وتشكلها في اطار فن التنصيبة وفن الاداء حيث يبرز مفهوم الاختلاف والتكرار على مستوى الهيئة ومستوى الشكل.

         اذ في كثير من أعمالها نجد خصوصية التكرار التي تثبت التركيبة في تسلسل لا معقول تسلسل ينادي ببواطن العمل الفني هذا التكرار يمكن القول انه تصرف في الشكل والحركة على حد عبارة جيل دوليز" أن نكرر يعني أن نتصرف، ولكن بالنسبة إلى شيء وحيد أو فريد، لا شبيه له أو معادل."[2] فالفنانة تدرك خصوصية التكرار بانفراده المختلف والمحترف لتعيد تشكيل الشخوص في شخصيات شبه ادمية دون الابتعاد عن جذورها الأصلية.

ولكن نتسائل هل تبحث الفنانة حقا عن ماهية الوجود  وعن معناه ام انها تبحث عن  الفرادة التي جعلت منها تفكر في التحرر الكلي من جميع القيود لتصل الى التجاوز الفني في مداره الذاتي والخصوصي خاصة في فن "البرفورمونس" هنا السؤال يطرح نفسه:

نعم إن السؤال أعمق من أن يصاغ بطرق تقنية بمعناه الحرفي أو الصناعي حول خصوصية الممارسة التشكيلية، وان يطرح من خارج العملية الإبداعية وعيا وممارسة بضرورة الولوج داخل الواقع الفني، هذا الواقع الملغوم بالبحث والإشكاليات الحارقة في خطاباتنا التشكيلية. في هذا الإطار يمكن القول حقا أن الفنانة قد تحررت في إنتاجها الفني، وأصبحت تجاري الواقع بما فيه من إشكاليات تسعى إلى التعبير عنها والخوض في غمارها من خلال التصورات التشكيلية مستعملة أبعادها الذاتية والوجودية في إبداع العمل وهنا نستند على مقولة هايدغر "بأن ماهية العمل الفني، ليس تجربة ذات مبدعة، تدشن الجمال كقيمة، وتنتج أثرا استطيقيا يحمل نفس تلك الذات المبدعة، وحساسيتها وتاريخها الشخصي، ذلك أن فيلسوف الغابة السوداء يرفض كل تحديد للعمل الفني في علاقته بالذات أو الأنا الاستطيقية كما تذهب إلى ذلك الاستطيقا الحداثية. فالفن برأيه، لا يتعين إلا في مجاورة الوجود، وفي جوار الكينونة. إن الفن يحفظ حقيقة الوجود، ويهب الكينونة مسكنا تسكنه، ومفزعا قدسيا تفزع إليه"[3] نسبة الى هذه المقولة فان الهرابي تفزع من الكينونة التي تشكلها عبر مراحيلها في الزمان والمكان لتحاذي الوجود بما فيه من تفاعلات وتحولات ليس فقط بالتعبير الجمالي ولكن أيضا بالنظرة المستقبلية والأبعاد النقدية التي نجدها في جوهر الأثر الفني المعاصر. لقد فتحت الهرابي شعار من الرؤية المعمقة في ماهية الجسد وتحوله ومعاناته لتقيم سجال بين المادة الطينية  وخصوصية التعامل معها. فهل استطاعت الفنانة عبر أعمالها أن تنسج خيوط التواصل الفعلي والحقيقي مع الجمهور؟  

إن مفهوم الولادة في تجربة الفنانة التونسية "حبيبة الهرابي" هو بمثابة نقطة الوصل والفصل بين حكاية الحياكة لماهية الجسد الإنساني في اختلافه وفي اعتراضه وتقابله على المستوى الثقافي والفكري.  لذلك فان الصيغة الفنية لتعايش الفنانة مع المادة يظهر خصوصا في عمق التجريب الذي يتوازى مع ثقافة المكان والزمان، هذا الاخير يتيح الفنانة التمرد على الانماط الفنية السائدة لتسجيل الكيان الانساني بما فيه من بواطن تجسدها بطرق حسية بصرية، حيث تسعى الى خلق هوية الجسد و ما فيه من تقلو بات وانفعالات لتحدث نوعا من العادة التشكيلية على مستوى تحررها من القيود الاديولوجية من جهة ودخولها في مرحلة من التعايش الفني من جهة ثانية.

إن المادة الطينية الترابية هي في ذاتها معبرة عن الجذور والأصل وقيمة الإنسان والارض، نسجت الفنانة عبرها ترابطا فكريا فلسفيا بين حساسية المادة وكيفية التعامل معها والغوص في ابعادها المختلفة، فقد جسدت قواها المتخيلة في إطار الجانب المادي لحضور أجساد الشخوص التي اجتمعت لتكوّن فضاء فنيا معاصرا سواء في فن التنصيبة او فن البرفورمونس.

 لذلك فان خصوصية التعامل مع المادة تنبع من بواطن الفنانة في إطار ثنائيات تسجل ذلك السجال الفني في فضاء تشكيلي. اذ في عملها الذي أقامته في تركيا "اسطنبول" تظهر لنا تلك الرغبة الجامحة في السيطرة على تفكير الجمهور لتحدث نوع من التوازن والنظام عبر حركة الجسد الحامل والمحمول فمجموع الأجساد الخزفية تحولت إلى وحدة ملتصقة ملتحمة ببعضها في جسد واحد هو جسد الفنانة المعبر عن أبعاد نقدية محاذية للواقع بما فيه من تحولات وتصورات.    

إن رحيل الفنانة من مكان إلى أخر يجعل منها تعود إلى تاريخ الثقافات وترجع إلى توظيف المخزون الفكري في أجساد صغيرة الحجم معبرة عن مفاهيم التلاقي والتلاقح. فهي تهدف إلى تغير النظرة الحديثة لفن الخزف وتوظيفاته المتعددة لتجعل منه وحدة تشكيلية ترنو بها إلى التثاقف مع الأخر والتحاور معه ولتحدد الهوية الخصوصية لذاتية العمل الفني ولجسده في آن واحد،

 بهذا المعني وفي هذه النقطة بالذات تقيم نوع من التسلسل في المحتوى الفني، تهدف إلى ادارج الإنسان الكوني في صغة توليفة تبعث فيها لوحة بصرية معاصرة، فبتنوع الشخصيات تنوعت الأجناس في روح واحدة، لتبوح من حيث لا تنطق بخصوصة الترحال وانفتاحها على هويات الأخر لتنحت وجودا كونيا، فتدخل "الهرابي" في صراع يأخذ من الواقع والخيال لتبدع شبكة من الشخوص المتداخلة في محراب الفضاء التشكيلي.

 تأسيسا على ما سبق، يأخذ العمل الفني بعدا شخصيا نرجسيا ذاتيا في بعده الملموس  والمحسوس، ليمتد إلى المطلق اللامنتهي، لتتغير هويته بفعل المتغيرات السوسيولوجية،     والاجتماعية والثقافية. لتنحت الفنانة فضاء رحب للعناق والتجانس بين الجسد الفني وجسدها لترسم جسدا كونيا ينادي بالحرية في التعبير الفني، لنستشف أهم تصوراتها المتعلقة بالواقع الفني وفي هذا يمكننا ان نضع مفهوم التصور الفني في سياقه الفكري "إن التصور الإبداعي الواعي هو عملية إيجاد أفكار وصور ايجابية واصطناعها لنتواصل بها مع أجسادنا عوضا عن الأفكار السلبية، الهادمة، والممرضة حرفيا"[4] . أما فيما يخص تجربة الفنانة التونسية الشابة حبيبة الهرابي فان جل تصوراتها التشكيلية تنضوي تحت راية التعامل مع المادة لتكوين الشكل الفني التي صاغت به العناصر الحسية المرتبطة بالجسد، وبالطريقة التي يؤثر بها كل عنصر في الآخر، وبالطريقة التي عولجت بها، لذلك يعتبر الشكل بمثابة العلاقة المكانية والزمنية لتنظيم صياغة العمل، والتي تفصح بها عن الوحدة التي تحققت بتنظيم المادة والفكرة، كما يعتبر الشكل والجسد كيان واحد مستقل، فترتكز الفنانة على فضاء المكان في تحوير الأثر الفني حيث تبعث نوعا من الروح الجديدة في ترتيب عناصر العمل بصور، من شأنها أن تظهر قيمتها الحسية والتعبيرية والجمالية المعاصرة.

المراجع

[1] غاستون بشلار، جدلية الزمن، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة،1992، ص 14,

[1]  جيل دولوز الاختلاف والتكرار ، المنظمة العربية للترجمة، بيروت الطبعة الاولي 2009 ، ص ، 46 .

[1]  G. Steiner: Martin Heidegger, trad par Denys de corona, Flammarion, 1978, P.174 . 

[1]  غاوين شاكتي، التصور الابداعي دار الفكر المعاصر، الطبعة الاولى،2010 ص66, 

  • الأبعاد المفهومية و الجمالية في تجربة الفنانة التشكيلية" حبيبة الهرابي "
    ابراهيم بن نبهان فنان تشكيلي و باحث اكدمي في الدكتوراه من تونس

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

14/05/2014

تشكيل الحياة