•  يصبح الخزف مادة للتشكيل الفني لتكوين إنشاءات جمالية قائمة بذاتها وغاية في ذاتها. ليصبح الشكل الخزفي ارتقاء إلى سياق جمالي مبتكر"شاهدا على عراقة هذه الصناعة الفنية وتنوعها واختلاف وسائلها وتقنياتها فبعد قطع سجنان التي حافظت على بدائيتها وجرار القلالين في جربة وقطع الجليز واظافات العائدين من الأندلس بأسرار الخزف"[1] ظهرت حركة إبداع جديدة جعلت من الخزف "عنصر إبداع فني يتغذى بإتقانه لأسس الفنون التشكيلية"[2].

 وتعد تجربة الفنان محمد اليانقي من أهم  التجارب الرائدة التي جعلت من الخزف فنّا قائم الذات له مكانة إبداعية خاصة ومتفردة حتى أن "انطونيو خوزي بيتارك كتب عنه في إحدى الصحف الاسبانية"... وعلى فضاء خزفي جامع للون والملمس وجد الملمس الحقل الجيد للتعبيرات إما عبر الانتقال بلطافة بين المكونات أو بالمفارقات حيث يعطينا شعورا بان اللون والملمس ينبثقان من العمق"[3]

فمن هو اليانقي؟ ما هي خصائص الفعل التشكيلي في ممارساته؟

كيف تصبح المادة لديه أداة للكتابة و التعبير وهل أن الرسم يوجه العملية الإبداعية الخزفية لديه أم العكس؟

محمد اليانقي: خزاف ، خطاط ،رسام هذا هو محمد اليانقي سكنه حب البحث وشدة الإسناد وشجن الكمال منذ دراسته المعمقة في فن الخط العربي إلى تجاربه المتنوعة في الكيمياء الاوكسيدية من أجل استغلال الفرضيات الصّبغيّة في الطلاء، يعيش فنه بين العلم و التقنية و سحر الخلق و الإبداع.

تبرز أعماله بقوّة وفي نفس الوقت عمق التجذّر والانغماس في الاكتشاف، قوتها متأتية من تطويع المفارقات والتحكم في الملمس. كل واحدة من أعماله هي تعبير عن ظهور الكائن في الحس وتمكن المتخيل من اللعب والتأمل في الإشكال، خطوطها و كماليتها ترفعها لسيطرة الحاضر.

اليانقي تخرج من مدرسة الفنون الجملية بتونس سنة 1972 ثم التحق بمدرسة ماسانا ببرشلونة التي كانت منطلق لحضور إبداعي ثقافي جمعه  صحبة الفنّان الهاشمي الجمل.

لا بد للمتأمل في الإبداعات الخزفية لمحمد اليانقي و الهاشمي الجمل أن يلاحظ التقاءها  حول إختيار جمالي تجريدي وهو في حقيقة الأمر"اختيار للامساك بكنه الجمالية العربية الإسلامية والتفاعل مع المحدثات الفنية الحاضرة في العالم. فهي إذا تجمع بين المترسخ في الذات و المنتشر بين الثقافات والحضارات الإنسانية الراهنة"[4].

فلا غرابة "أن تلتقي الإبداعات الخزفية للهاشمي الجمل ومحمد اليانقي حول منزع التجريد فقد مكنهم هذا الاختيار الجمالي من إنتاج فضاءات متفردة وكيانات مرسومة بين الألوان والنتوءات و المجسمات تنتهي إلى التعبير بشكل حسي عن الرؤى الداخلية والخارجية"[5]، مهما كانت مقاربتهم لفن الخزف تجريدية فان لكل منهما أسلوبا مخصوصا بصمات منفردة.

فهو لدى الهاشمي الجمل "ترقيم لوني يبرز بين مساحات غائرة و ناشئة أو مجسمات محدودية و معمارية المظهر تخترقها اسطرا متتالية أو متقاطعة"[6].

وأعماله كما قدمها الأستاذ محمد اليانقي "مفعمة بتلقائية الطفولة و برائتها وكأّن عناصرها وأشكالها حبالها  وكجاتها تنساب بين اصابع طفل ينعم بمتعة اللعب ويسعد بلذة الحياة وهو يعيشها على الفطرة و السليقة دون برمجة مدبرة أو سابق إعداد و استعداد"[7].

أما بالنسبة لليانقي فان المقاربة التجريدية تلتقي مع البناء الكوني للخط العربي الذي يظهر أحيانا بجلاء وتختفي أحيانا أخرى خلف التكوين العام للمقطوعة الخزفية.

هو يعتمد الخطوط التراثية ويستعمل الارابسك في تصميماته ويملك هذا الفنان حسا عميقا بالنظم والأناقة وهو حس تجذر في التناغم و التوازن ولعل أفضل فرصة لالتقائهما هي المعرض الذي عقد في 13 ماي 1983 في معرض الفنون "المنزه" الذي يعتبر بداية دخول و تعريف هذا الشكل الجديد للفنّ في تونس ."على خطى الأندلسيّين" "هو فضاء لجذور تعمقت في حضارتنا و انعكاس لحس مرهف انه بكل بساطة موهبة رائعة جسدتها مادة معبرة" [8].

رحلة اليانقي لاسبانيا كانت منطلق لتوجه فني جديد عاشه خاصّة من خلال معارضه التي أقامها هناك وذلك صحبة الفنانين الهاشمي الجمل ورضا بن عرب،  نذكر منهم :

"معرض الخزف والتصوير في قصر " فريانا " ببرشلونة  في ماي 1975".

"معرض الخزف في هوقار هوتال 75 . في برشلونة في نوفمبر 1975".

"معرض الخزف في القوس القشطالي بمدريد سنة 1976 و غيرها من المعارض المهمة.

كانت التجربة الاسبانية لمحمد اليانقي حافلة بمعاني التقليد والتجديد، هو تقليد لخصائص الخزف كمادة ومحمل لبناء تشكيلي وتجديد من ناحية استعمال الخط الكوفي في تعامله الخاص مع اللون والملمس لذلك تعتبر هذه التجربة مهمة خاصة وأنها أضافت الكثير للتجربة الخزفية التونسية فهل يمكن القول أنّ تجربة اليانقي في اسبانيا كانت مجالا لاستلهام تعابير وتراكيب جديدة أم تجربة استفادت من موروث يسكنه؟

يصرح اليانقي بأنه استفاد من الموروث وذلك بقوله أن "القطع الخزفية مخصبة بخيال متدفق تغذية للعلامات التراثية و الألوان الأندلسية"[9].

لهذا السبب وجب الوقوف للحديث عن صناعة الخزف ومدى أهميتها في تونس ولعلنا في دراستنا نتبين مدى أهمية أعماله وتجذرها.

إقترنت صناعة الخزف في تونس بالتطورات المعيشية للإنسان فاستعمل مادة الطين لصناعة الأواني وجعل منها صناعة وظيفية وزخرفيه تقليدية، فالخزف تجسد في الأواني و القراميد المطلية، هي صناعة قد جلبها احدهم من بغداد فأقرّها في القيروان واستعملت بادئ ذي بدئ لكسو واجهة المحراب ولكسو قاعات القصور في العباسية وفي رقاده .

ولقد ساهم نجاح هذه التقنية المتمثلة في تقنية" المربعات الجليزية" ذات البريق المعدني المخصصة لتغطية الجدران لما تتميز به من جمالية وقع استغلالها في تزين الجدران والبلاطات داخل القصور أي تغليف مساحات كبيرة وبالتالي يصبح إستعمال الخزف مكثفا. و يعود هذا الحضور المتميز للألواح الجليزية إلى التغيّرات التي عرفها فن المعمار للدار التونسية والتي بدورها مهدت للثراء الذي ستعرفه الفضاءات الداخلية و التي سيكون" لوح الجليّز" احد عناصره الهامة.

 فالجليز هو عنصر من عناصر إثراء و تنطيم هذه الفضاءات لكن ما أتى به محمد اليانقي هو نشأة اللوح الخزفي كشكل تعبيري جديد. هي محاولة لتوسيع اللغة التشكيلية في تحرير الشكل. راهن الفنّان على الفعل الجمالي من وراء ألواحه لذلك جاءت أعماله خالية من البعد الوظيفي على عكس ما نعرفه عن التحف الخزفية ووظيفتها التزويقية أو في الأواني الخزفية ووظيفتها العملية فالشكل الخزفي الجديد هو إرتقاء لسياق جمالي جديد و مبتكر.

-        اللوح الخزفي خطاب تشكيلي " آخر":

هي ممارسة فنية حديثة وهي تجربة إستلهمت تعابير جديدة، هي تواصل لأشكال تعبيرية وهي أعمال خزفية ولكنها في بعض الأحيان الأخرى تبدو قريبة للرسم فكانت ورسومه في تواصل وكأنها تتغذى من بعضها البعض دون أن تطمس معالم الواحد منها الآخر.

هي عملية من عمليات الخداع البصري ، هو جانب إيهامي تظليلي من خلال الخامات أو العمق أو النتوء أو من خلال الأشكال الهندسية المستعملة (المثلث، الدائرة، المربع) المؤسسة للوحة. هو خروج من الخزف لتشكيل منطق الرسم الزيتي هو رسم في حين أنه خزف وهي قطع خزفية ثابتة في حين أننا نراها وكأنه يتعامل مع لوحة زيتية و بين هذا اللوح و اللوحة نصّ.

فأصبح اللون تأثيث لفضاء صممته المادة وأصبح الطين امتدادا طبيعيا لشفافية اللون رغم أنّ ما يوفــــّره الرسم الزيتي من حيث الخامات مختلف عما يوفره الخزف .

-        الألواح الخزفية مادة و شكل :

يقدم علي اللواتي اليانقي على انه"إستلهم من التقاليد المدقّقة والآثار الإسلامية،يتشخّص داخل إطار طباعيّ، نتوءات وأغوار وحدات هندسيّة أو حروف من الخطّ الكوفي داخل تركيبات فيها كثير من التعقّل"[10]

 هكذا تعامل اليانقي في أعماله مع الخزف كعنصر ينتمي للتراث و إنطلق من مقومات الخط العربي محافظا على أهم خصائص الخط الكوفي. فالخط يلتقي مع الخزف في أنه عنصر يتميز بالديمومة فكما أنّ الخط والكتابة تدوين وتثبيت فالخزف تقنية تساعد على القيام بهذا الدور. ومع اليانقي أصبح الخط العربي مادة خزفية،فكر حرفه تجاوز كونه ماديّا ليصبح " رمز"، عمد إلى استقلالية الحرف أي الخروج من معناه اللغوي للحصول على حضور تشكيلي تجسد في بنية اللوحة، فالخط في بعض الأحيان بناء هندسي معماري بخط كوفي في تصميمه المهندس وفي إستقامة خطوطه تشبه الجدران وفي إستدارة خطوطه قد تصبح ما يشبه القباب والأقواس. فهذه المراوحة بين الأشكال المنحنية والمستقيمة ذات مرجعية توجد في بناء معماري ثنائي الأبعاد حسب خطوط سميكة مسطرة وكتابات كوفية.

هي أبعاد مرئية ذات لمسات لونية زرقاء مخضرّة ورمادية، فتنوعت الأرضية على مستويات (قيم ضوئية للطلاء الخارجي) وتنوع في مستويات النتوء والعمق ليصبح الفضاء أرضية عذراء  قابلة لإحتواء الكتلة وهو تارة أخرى يمثل اللوحة.

ففي أعماله شكل من أشكال التواصل مع فن التصوير حيث كان حضوره كشكل وكفكروالمتأمل في اللوحات الزيتية يلاحظ أن الخط المرسوم يردد صدى النتوءات التي تكسو أسطح القطع الخزفية، لكن في بعض الأعمال هناك خطوط لا تأخذ شكلا كتابيا بل هندسيا   (مربع، مثلث) خطوط مستقيمة متقابلة وخطوط متعامدة .فالمساحات اللونية قد تتخذ أحيانا أشكال هندسية فتصبح ممارسة الحرف العربي والحرف عموما في التشكيل الفني محاولة للعودة إلى القيم الحقيقة  في الفن. فأصبحت تجربة اليانقي تأصيلا بطرق ورؤى معاصرة، بتقنيات قديمة تعامل فيها مع الخزف كشكل ومادة وأعطى فيها أهمية للخامة.

المتأمل في الأعمال أو الألواح التي سنعتني بتحليلها يلاحظ و أنها لا تحمل عناوين ذلك أن جل أعماله لم يقدمها معنونة حتى انه على حد قوله أن الكثير من أعماله قد بيعت دون أن يوثقها. وإن كنت اذهب منذ البداية إلى أن هذا اللوح يمكن تسميته ب"الحمد لله رب العالمين"وقد اعتمدت في ذلك على ما وجدته من كتابة مفضوحة قد تؤدّي هذا المعنى.

 إقترنت قراءة القرآن مع سورة الفاتحة (أمّ الكتاب) فأصبحت الممارسة الخزفية لدى اليانقي إبحار في عدة مجالات وميادين من الحياة اليومية للإنسان المسلم إلى جذوره العربية الإسلامية يشترك مع هذا اللوح بداية " أم الكتاب".  هكذا نعود للأصل و للبداية فكل شيء له أصل وكل حضارة وثقافة وفن تثبت بشكل من أشكال الديمومة. ولعل ابرز مثال للتثبيت هو الحرف وخاصة الحرف الكوفي عند اليانقي  بألوانه الملونة الرمادية و المخضرة والتي تعيدنا بدورها لما هو قديم.

كثيرا ما تعود بنا الذكريات إلى ماض جميل أحببناه فيكون الحنين وتكون الذكريات، هو ذلك الجسر الخفي الذي يربطنا بالجذور والأصول والتاريخ والثقافة. ومن هنا ترسم في ذهني حلقة المؤدّب. فكانت اللوح مادة رسمت عليها بعناية وفي بعض الأحيان بدون عناية بعض الحروف لتشكل سورا قرآنية وتؤسّس جسر تواصل مع موروث ثقافي واجتماعي حفظته أجيال عن أجيال.

"لوح الكتّاب" كما تبرز في الصورة هي  إحدى أعمال اليانقي التي أخذت من الحضارة الإسلامية  كثيرا من خصائصها. هذه اللوحة ذكرتني بلوح الكتاب من شكلها إلى رسالتها إلى ألوانها . شكلا كانت شبيهة بألواح الصبية المتحلقين حول المؤدب ورسالة كان الخط الكوفي عاملا في التذكير بالقرآن المرسوم أو المخطوط على ألواح القرآن إمتزجت باللون الأسود و البني الذي يختزل  في طياته ذكرى "الصمغ" المادة التي تستعمل في كتابة القرآن على اللوح.


 

[1] الحياة الثقافية – عدد مزدوج 67/68 – سنة 1994 – إعداد : رشيد التريكي ، الأسعد الجموسي –طبع العالمية للطباعة- ص 180.

[2] نفس المصدر –ص 180

[3] Antonio José Pitarch – Professeur d'histoire de l'art à l'école Massana de Barcelonne-

"… ces textures trouvent le meilleur champ d'expression , soit au passage suave des unes dans les autres , soit par les contrastes, donnant la sensation que la couleur et la texture surgissent du fond."

[4] الحياة الثقافية – عدد مزدوج 67/68 – سنة 1994 – إعداد : رشيدة التريكي ، الأسعد الجموسي –طبع العالمية للطباعة –صفحة 181 .

[5] نفس المصدر السابق – صفحة 182

[6] نفس المصدر السابق – صفحة 182

[7] الحياة الثقافية – العدد 92 – السنة 23 – فيفري 1998  - صفحة 106.

[8] Les Annonces – N° 228 – Du 20 au 26 Mai 1983 – Céramique sur le trace des Andalous –

" … un talent merveilleux sur un matériau expressif " . 

[9] الحياة الثقافية -عدد مزدوج 76/86- سنة 1994 – اعداد: رشيدة التريكي و الاسعد الجموسي- العالمية للطباعة –ص 184

[10]  Ali Louati – L'aventure de l'art moderne en Tunisie – page 231

" Mohammed Yangui , s'inspirant de la tradition épigraphique et ornementale musulmane , se livre à un jeu d'impression , en creux ou en relief , de motifs géométrique ou de lettre en style "Koufi" , dans des compositions de grande sobriété".

  •  

  •  

  • ألواح محمد اليانقي طين يرسم ومفردات تتشّكل
    الباحثة والتشكيلية التونسية: هدى التومي

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

13/12/2014

تشكيل الحياة