Tile fragment, Bukhara, about 1359.
Passion for Perfection Islamic art
Passion-for-Perfection-Islamic-art-Calligraphic-composition-in-the-form-of-a-lion-Ahmed-Hilmi-Ink-and-watercolour-on-paper-Ottoman-Turkey-1913
 
 
 
Mosque lamp, gilt and enamelled glass, Egypt or Syria, 1340. M.
 
Passion-for-Perfection-Islamic-art-Fath-Ali-Shahs-portrait-Iran-19th-Century
 
A page from The Shahnama of Shah Tahmasp
Passion for Perfection Islamic art
Passion-for-Perfection-Islamic-art-Dragon-door-handles-Jazira-13th-century
 
 

الأستاذ الدكتور عبد الملك منصور حسن المصعبي
نبذة تعريفية
• مواليد اليمن عام 1952.
•ماجستير ودكتوراه فلسفة فى الدراسات الإسلامية
المهام والاهتمامات العلمية والفكرية:
• رئيس مؤسسة المنصور الثقافية للحوار بين الحضارات
• عضو المجلس العلمي للموسوعة اليمنية
• عضو هيئة تدريس معهد الميثاق الوطني - صنعاء
• عضو المجلس الأعلى لجامعة صنعاء
• عضو الهيئة العلمية لتقنين أحكام الشريعة الإسلامية
. أستاذ العلوم و الفنون التالية:
العقيدة، أصول الدين، علم الكلام، المدارس العقائدية و الفقهية في الاسلام.
القرآن الكريم، علوم القرآن، التفسير، أحكام القرآن، أحكام التجويد،أسباب النزول.
السنة, علوم السنة, فقه السنة, أصول الحديث.
أصول الفقه.
السيرة, فقه السيرة, دراسات في حياة الصحابة و التابعين و أئمة المذاهب.
الفقه المقارن بين المذاهب الثمانية ( المذاهب الأربعة + الجعفري, الزيدي, الإيباضي و الظاهري)
تاريخ التشريع الإسلامي
التاريخ الإسلامي
الثقافة الإسلامية
مقارنة الأديان
حاضر العالم الإسلامي، (مشكلات التخلف و التنمية)
علم الإجتماع (و شرح مقدمة ابن خلدون)
الفكر السياسي الاسلامي القديم و المعاصر
نظريات تفسير التاريخ
تاريخ الحركة الوطنية
نظرية الأخلاق
دراسات في الإقتصاد الإسلامي
التصوّف
فن الخطابة و فنون الإتصال الجماهيريّ
دراسات في أصول الدعوة
فلسفة (قديمة و معاصرة)
مقررات أخرى في جامعة صنعاء، و غيرها من الجامعات العربية و العالمية.
• قدم أوراقاً في عدة لقاءات علمية و أشرف و شارك في مناقشة بعض الرسائل الجامعية
المهام التنفيذية والاستشارية والسياسية والدبلوماسية :
• سفير الجمهورية اليمنية لدى الجمهورية التونسية
وشغل أيضا مناصب منها :
• وزير الثقافة والسياحة
• رئيس الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة
• نائب وزير الأوقاف والإرشاد
• عضو مجلس الشورى اليمني
• رئيس لجنة حقوق الإنسان والحريات العامة ومنظمات المجتمع المدني في مجلس الشورى اليمنى
• الامين العام المساعد لشئون الفكر و الثقافة و الاعلام، المؤتمر الشعبي العام ، اليمن
• رئيس الدائرة السياسية و العلاقات الخارجية في المؤتمر الشعبي العام، اليمن
• رئيس الدائرة التنظيمية ، المؤتمر الشعبي العام، اليمن
• عضو لجنة الحوار الوطني اليمنى
• وكيل وزارة التربية و التعليم
• عضو اللجنة العليا لإنتخابات المجالس المحلية
مثل اليمن فى عدد من المحافل العربية والإقليمية والدولية
الكتب و الدراسات :
له عدد من الكتب والمقالات والمحاضرات والمقابلات الإعلامية، بعضها نشرت و بعضها لم تنشر ، منها:
• البغي السياسي : دراسة في النزاع السياسي المسلح
• تأصيل حقوق الإنسان : منظور إسلامي
• فقه الأصول والاجتهاد: الشوكاني نموذجا
• ظاهرة الهجرة اليمنية
• إجتهاد الرسول صلى الله عليه و سلم
• تأملات
• الأوقاف و الإرشاد في موكب الثورة
• إدراة التنوع الثقافي: من الحفاظ إلى التزكية
• الآخر و حقوقه من المنظور الإسلامي
• الإعلام الثقافي الإسالمي الرشيد: خصائصه و متطلباته
• التصور الإسلامي للعلاقة مع الآخر
• الحوار الإسلامي مع الأديان التوحيدية الأخرى: الخلفيات و الآفاق
• حوار الحضارات، التصور النظري و التنفيذي
• الدور الثقافي للجامعات
• الشرق و الغرب: حوار أم صراع؟
• العولمة و المشروع الثقافي العربي، تحديات المستقبل
• الفكر العربي المعاصر و رهان الحوار
• الحقوق الزوجية في الشريعة الإسلامية
• آداب إجتماعية (الدعوة، الزيارة، الدعاء... إلخ)
• جريمة الزنا
• الفن في ميزان الإسلام
• المتغيرات الإجتماعية و فقه النّص الديني
• التواصل الثقافي العربي- العربي
• تداعم الإسلام و الديموقراطية
• خواطر حول وحدة الإنسان و تنوع البشر
• ثقافة السلم ضرورةٌ: مفهومها و آفاقها
• حوار الحضارات: المفهوم و المقومات
• الصحراء و مستقبل الإنسان العربي
• عالمية الإسلام و السلام العالمي
• قيم التضامن و مقتضيات السلم العالميّ
• مستقبل المجتمع البشريّ
• من خطاب الإستشراق إلى تفاعل الثقافات
• موسوعة السيرة النبوية، هجرة الرسول إلى المدينة المنوّرة، عمرو بن العاص، مؤامرة قريش لقتل الرسول قبل الهجرة حتى يتفرّق دمهُ بين القبائل، مؤامرة الإفك، كفالة النبيّ من قِبل جده و عمّه، مزاح الرسول، نزول سورة الفتح، عقبة بن عامر الجهنيّ
• نحو تطوير العمل العربي المشترك
• نزيف الكفاءات- حالة الدول العربية و الإسلامية
• حول مفهوم الوسطيّة
• مشاركة الشباب العربي في قضايا المجتمع
• الصراع و الحوار من منظور الإسلام
• العلاقات الدولية في الإسلام
• مكانة و دور الحوار الثقافي في بناء الحضارة الإنسانية المشتركة
• العلاقة بين مفردتيّ الحوار و الحضارة
• خصائص الخطاب الإسلامي المعاصر
• دور البعد الثقافي في التفاعل بين الحضارات
• حوار الحضارات التفاعل السلمي
• نحو إعادة قراءة التراث الفكري العربي
• الرقابة، محمودها و مذمومها
• جدلية العلاقة بين النخبة و الجمهور العربي
• الإسلام و العولمة
• التعايش و التفاعل بين الدول العربية و الإسلامية و اليابان
• المرأة العربية و المشاركة السياسية
• تبسيط أحكام الصيام
• أصول موقف الإسلام من الآخر
• مقاربة حول التنشئة السياسية و دورها في تنمية المجتمع
• اللغة العربية في الدراسات الجامعية
• البحث العلمي في الجامعات العربية
------------------
مؤسسة المنصور الثقافية للحوار بين الحضارات 2004

 

بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله رب العالمين، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهداه بكل ما في الكون إلى صراط مستقيم، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه حتى يرضى الله به علينا يوم الدين.

والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين، وخاتم رسل الله للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي فاق كل النبيين، وعلى آله الطاهرين وصحابته أجمعين، وكل من اقتفى أثره إلى يوم الدين.

وبعد، فإن الله ـ سبحانه وتعالى ـ قد خلق الإنسان من جسم طيني محسوس، ونفخ فيه سر الحياة الأعظم، وهو الروح في مشهد الملائكة الكرام، ثم أنزل الله هذا المخلوق إلى العالم المحسوس، وهو الأرض؛ وذلك ليجد الإنسان من الانسجام مع مكونات هذا العالم ما يوفي بمعادلة التكليف الكبرى، وقد أكد الله على أن استخلاف هذا المخلوق إنما سيكون في الأرض لا في السماء، فقد قال سبحانه وتعالى : ] وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ & وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ & قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ & قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [([1]).

ولما تعلقت الإرادة الإلهية بجعل الإنسان في الأرض, خفيت حكمة خلق الإنسان على ملائكته, المستغرقين في عبادته, المتمحضين لطاعته, الذين تجردت طبيعتهم عن الشهوة الدافعة, وعن حب المعرفة الذي يمزق في سيره الفاتح حُجُب المجهول، فيجليه ويكشف خفاياه.

وقد أودع الله هذه القوى في الإنسان، حتى ينجح في المهمة التي أوكلها الله إليه, كما اقتضت عنايته أن تعهده برسالاته المساعدة له على الجمع بين معرفته بربه, وبين شحذ قواه ومداركه ليكتشف مكنونات الكون وقوانينه وطبائع المخلوقات.

فالإنسان جسم محسوس يأكل ويشرب، ويتعب وينام، وروح تتذوق المعاني والجمال، كما أن الأرض والبحار والجبال والسجاب والأشجار والطيور والحيوانات و ....إلخ، كل هذه الأشياء هي عناصر العالم المحسوس التي ترسل إشارات لروح الإنسان، مما يُشعر الإنسان باحتياجه للكون المحيط به من الجانب الحسي، وكذلك من الجانب المعنوي.

وتعبير الإنسان عن هذه المشاعر والإشارات التي ترسلها الكائنات، هو ما يسمى بالفن، وهو موضوع بحثنا، حيث نستعرض في هذا البحث قضية " الفن في ميزان الإسلام "،وللفن ارتباط كبير بالجمال، فيصعب علينا أن نتصور الفن بدون تصور الجمال، وكذلك يصعب علينا معرفة علاقة الدين بالفن، دون تصور الفن نفسه.

فرغم أن موضوع البحث عن الفن في ميزان الإسلام، إلا أننا بحاجة لمعرفة الجمال، وطبيعته ومفهومه، وعلاقته بالفن والدين، ولهذا فقد تم تقسيم هذا البحث كما يلي :

الفصل الأول : حقيقة الجمال والفن، وعلاقتهما بالدين الإسلامي :

الفصل الثاني : الفنون السمعية في ميزان الإسلام : وينقسم إلى مبحثين :

المبحث الأول : الغناء في ميزان الإسلام.

المبحث الثاني : الموسيقى في ميزان الإسلام.

الفصل الثالث : فن التصوير في ميزان الإسلام، وينقسم إلى مبحثين :

المبحث الأول : طبيعة فن التصوير وحقيقته.

المبحث الثاني : حكم الإسلام في فن التصوير.

الخاتمة : طبيعة الإسلام وعلاقته بالفنون الإنسانية الهادفة.
 

[الفصل الأول]  حقيقة الجمال والفن، وعلاقتهما بالإسلام

تعريف الجمال:

نظرا لارتباط معنى الفن بالجمال، فلابد أن نتعرف على معنى الجمال أولا في اللغة، كذلك في العرف أيضا، فالـجَمَال في اللغة العربية : مصدر الـجَمِيل، والفعل جَمُل. وقوله عزّ وجلّ :      ] وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُون وَحِينَ تَسْرَحُونَ [([2])؛ أَي بهاء وحسن. قال ابن سيده :  الـجَمَال الـحُسن يكون فـي الفعل والـخَـلْق. وقد جَمُل الرجُل، بالضم، جَمَالاً، فهو جَمِيل و جُمَال، بالتـخفـيف؛ هذه عن اللـحيانـي، و جُمَّال، الأَخيرة لا تُكَسَّر. و  الـجُمَّال،   بالضم والتشديد: أَجمل من الـجَمِيل. و جَمَّله أَي زَيَّنه. و التَّـجَمُّل: تَكَلُّف الـجَمِيل([3]).

طبيعة الجمال في النفس البشرية وفي الكون:

فطر الله النفس البشرية على حب كل جميل، والنفور من كل قبيح، فللجمال شرف فاق كل شرف،  ألا ترى من شرف الجمال أن يدعيه من هو ليس بأهله، كما أنه من حقارة القبح أن ينكره من هو أهله، وكما جعل الله ذلك الشرف والميل للجمال أمراً طبيعيا في الفطرة السليمة، كذلك جعله أمرًا محثوثًا عليه في الشرع والدين، ففي الجمال اجتماع للأمر الكوني والأمر الشرعي في انسجام باهر.

وشاءت قدرة المبدع  ـ سبحانه وتعالى ـ أن يجعل من الجمال _في شتى صوره _ مناط رضى وسعادة لدى الإنسان، واستساغة الجمال حقًا مشاعًا، وربما تختلف مقاييسه من فرد لفرد، ومن عصر لعصر، لكنه اختلاف محدود قد يمس جانباً من الجوانب، أو عنصراً من العناصر التي تشكل القيمة الجمالية.

والجمال ليس قيمة سلبية لمجرد الزينة، كما أنه ليس تشكلاً ماديّا فحسب، ولكنه بالمعنى الصحيح : حقيقة مركبة في مداخلها وعناصرها وتأثيراتها المادية والروحية، وموجاته الظاهرة والخفية، وفي انعكاساته على الكائن الحي، ذلك لأن أثره يخالط الروح والنفس والعقل، فتنطلق ردود أفعال متباينة، بعضها يبدو جليّاً وبعضها الآخر يفعل فعله داخلياً، لكن محصلة ذلك كله ما يتحقق للإنسان من سعادة ومتعة، وما ينبثق عن ذلك من منفعة، تتجلى فيما يأتي أو يدع من أفعال وأقوال، وفيما يحتدم داخله من انفعالات ومشاعر.

والجمال بداهة لا يرتبط بالمظاهر الحسية وحدها، وهذه قضية هامة من وجهة النظر الإسلامية، فالمرأة الجميلة الفاتنة لا يصح أن تكون مجرد أداة لإثارة الشهوة البهيمية، وارتكاب الرذيلة، وإشباع الرغبة الآثمة، وجمال الطبيعة وما فيها من ورود وزهور وأنهار وجبال وطيور، ليس مجرد جمال سطحي، لكنه ينبع من قوة مبدعة قادرة، خلقت فأحسنت، وصنعت فخلبت الألباب والأبصار، وأثارت الفكر والتأمل، وفتحت أبواب الإيمان واليقين بهذه القدرة المعجزة الخالقة، وإذا كان الاستمتاع بالجمال مباحاً في الأصول الإسلامية، فإنه مدخل إلى ارتقاء الروح والذوق، وسمو النفس وخلاصها من التردي والسقوط، ومحرك للفكر كي يجول إلى ما هو أبعد من المظاهر الحسية التي قد كتب عليها الزوال، فالجمال سبب من أسباب الإيمان، وعنصر من عناصره، والقيم الجمالية الفنية تحمل على جناحيها ما يعمق هذا الإيمان ويقويه، ويجعله وسيلة للسعادة والخير في هذه الحياة.

الجمال في النص الشرعي :

و الجمال في فطرة الإنسان يميل إليه بطبعه، وهذا لا يحتاج إلى تدليل، إذ هو محسوس مشاهد في كل زمان ومكان، وأما ما ورد في نصوص الشرع الحنيف من دعوة للتأمل في الجمال، فهي كثيرة، نذكر منها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ الآتي :

أولاً : ما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى : ] وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ & وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ & وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ & وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [([4])، ومثله ما ورد في ذكر جمال منظر السماء، والحث على النظر إليه بقوله سبحانه و تعالى : ] وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِين[([5])، ويشبه ذلك أيضا ما ذكره الله سبحانه تعالى في معرض منِّه على الإنسان بالمخلوقات التي تبعث البهجة في النفوس، كما في قوله تعالى : ] أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ[ ([6]).

ففي هذه الآيات دلالة واضحة، على عظم قيمة الجمال ؛ حيث امتن الله على الإنسان بكل مظهر جميل، وحث المؤمنين على النظر في كل جميل؛ حتى تسمو نفوسهم وترتقي لفهم المعاني الجليلة.   وأما ما ورد في السنة المشرفة، فمثل حديث عبد الله بن مسعود، الذي يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "  لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ". قال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة. قال : " إن الله جميل، يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس"([7]).

ففي الحديث دعوة صريحة من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته للاهتمام بالجمال المظهري، وقد علل هذه الدعوة بأن الله جميل، فالله عز وجل متصف بكل صفات الجمال ونعوت الكمال والجلال.  

ويؤكد هذا المعنى هذا الحديث الذي رواه معاذ بن جبل قال : جاء رجل إلى النبي  صلى الله عليه وسلم.  فقال : يا رسول الله، إني أحب الجمال، وإني أحب أن أُحمد ـ كأنه يخاف على نفسه ـ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وما يمنعك أن تحب أن تعيش حميدا وتموت سعيدا؟ وإنما بعثت على تمام محاسن الأخلاق "([8]).

فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حب الجمال، وحب الذكر الحسن، من سعادة الدنيا، بل جعله من مكارم الأخلاق التي بعث صلى الله عليه وسلم ليتممها.

ولو ذكرنا النصوص الواردة في الكتاب والسنة التي تحث على الجمال، وتؤيده، لطال بنا المقام، ونرى فيما ذكر الكفاية، فإن فضل الجمال ، والحث على التأمل في كل جميل، والتعبير عن هذا الإحساس أمر لا يختلف عليه المسلمون، ولا حتى العقلاء.

إدراك الإنسان للجمال مقدمة للفن:

مما سبق نعلم أن النفوس تدرك الجمال عن طريق الحواس، فالعين تدرك المنظر الجميل، والأذن تدرك الصوت الجميل، والأنف تدرك الرائحة الزكية الجميلة، واليد تدرك الملمس الجميل، كما أن اللسان يدرك الطعم الجميل.

فإدراك الجمال وظيفة الحواس التي خلقها الله في الإنسان، ومن الخطأ أن نعتقد أن للجمال مقاييسه الحسية وحدها، تلك التي تقع عليها العين، أو تسمعها الأذن، أو يشمها الأنف، أو يتذوقها اللسان، أو تتحرك لها لمسات الأطراف العصبية، فالجمال مادة وروح، وإحساس وشعور، وعقل ووجدان، فإذا التقى فلاسفة الجمال في بعض الجوانب أو العناصر، فستظل هناك في عالم الجمال مناطق يعجز الفكر الفلسفي عن إدراك كنهها، والوصول إلى أبعادها، فليس العقل وحده هو القوة القادرة على استكناه كل أسرار الوجود وما خفي فيه، ولحكمة يقول الله في كتابه العزيز : ] أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ َ[ ([9]).

والسؤال هو ماذا يفعل الإنسان إذا أراد أن يعبر عن هذا الجمال الذي أدركه، وكيف يعبر عنه، وما اسم هذا التعبير؟

فالإجابة أن ليس للإنسان سبيل للتعبير عن مشاعره، إلا بالفن، فالفن هو اسم لتعبير الإنسان عن شعوره بالجمال.

تعريف الفن:

ولكي نستطيع أن نعرف طبيعة العلاقة بين الفن والإسلام، لابد أن نعرف حقيقة الفن وماهيته، فلابد أن نتعرف على معنى الفن، ومدلوله في اللغة، وكذلك في العرف والاستعمال.

فالفن في اللغة : واحد الفنون، وهي الأنواع، والفن : الحال، والفن : الضرب من الشيء، والجمع أفنان وفنون([10])، والأفانين الأساليب، وهي أجناس الكلام وطرقه، ورجل متفنن، أي ذو فنون، وافتن الرجل في حديثه، وفي خطبته، بوزن اشتق، جاء بالأفانين([11]).

أما عن الفن في الاصطلاح أو في الاستعمال؛ فنقطة المنطلق للحديث عنه، والتي يقصد منها تعريفه، وهي في ذاتها مثار خلاف المفكرين والفلاسفة على امتداد تاريخ الفكر البشري؛ وذلك لتشابه المنتج الفني مع أشكال تعبيرية أخرى كالفكر والسحر من ناحية أخرى.

ولذلك فإن أول إشكالية تعترض من يود مقاربة مفهوم الفن مقاربة فلسفية هي الجواب عن السؤال ما هو الفن ؟ وذلك يرجع إلى تعدد مجالات استعمال المفهوم، حيث نسمع مثلا عن " فنون الطبخ"، كما تنعت أنواع من الرياضات بـ " فنون الحرب"، والملاكمة مثلا بـ "الفن النبيل"؛ علما بأن بعض الممارسات التي يتقاسمها الأدب والفن، بل والتكنولوجيا، يغلب عليها أكثر "اسم الفن" كالسينما، والمسرح...

وهذا ما يؤكد أن مفهوم الفن أصبح معوما إلى درجة أنه أصبح مقرونا بالإبداع، ونظرًا لأن مصداقية أي تعريف تكمن في مدى قدرته على التحديد والتفسير؛ فإننا سنكتفي هنا بهذا التعريف الذي يعرف الفن بأنه هو : "المحاولات التعبيرية التي تستهدف تجسيد المشاعر الإنسانية"، فالحدث الفني يتعلق بالشعور وليس المنطق، وهذا هو الفارق البائن له عن الفكر، والغرض المستهدف هو تجسيد المشاعر.

والفن الصحيح هو الذي يهيئ اللقاء الكامل بين الجمال والحق، فالجمال حقيقة في هذا الكون، والحق هو ذروة الجمال، ومن هنا يلتقيان في القمة التي تلتقي عندها كل حقائق الوجود.

الفن ضرورة ملحة في العصر الحديث:

في ظل حالة الصراع الفكري التي يشهدها العالم الآن فيما يسمى بعصر العولمة، فإن الفن يمثل أخطر سلاح في الوجود بعد القنبلة الذرية وأسلحة الدمار الشامل. وعلى ذلك فمسألة العلاقة بين الإسلام والفن تتجاوز حالة الاشتباك الفقهي، الذي لا ينتهي بين الإسلاميين حول الحلال والحرام في قضايا الفن، وتدخل في نطاق آخر هو نطاق الضرورة القصوى التي تتمثل في سلاح فائق الخطورة، إذا توانى طرف في استخدامه فإن الآخرين لن يتوانوا في استخدامه ضده بأقصى سرعة.

ومن ناحية أخرى فإن للفن القدرة المثلى على تبليغ دعوة الله إلى النفوس. وإنه لمغزى كبير لم نتعلم منه كثيرًا، ذلك أن رسالة الله إلينا قد بعثها في أعظم كتاب فني في العالم في تقدير الكثير من الملحدين أنفسهم، وتمثيل التصورات والقيم الدالة على العلاقات الفاعلة بين الإنسان والوجود في عمل إبداعي يرتب أكبر التأثير في ترسيخ هذه التصورات والقيم في نفوس البشر، ويدفعهم إلى امتثالها والارتقاء بها إلى الله الذي هو غاية الوجود.

وعلى ذلك فيجب التأكيد على وجوب اقتحام المبدعين الإسلاميين للمجالات المختلفة للفنون بما في ذلك المجالات التي تم استحداثها في هذا العصر مثل السينما والتليفزيون. إن ما يستطيع الفيلم أو المسلسل التليفزيوني تحقيقه يفوق الأثر الذي تستطيع تحقيقه آلاف الكتب والندوات والخطب.

والإشكالية التي تُطرح هنا هي : هل يكون على المبدع الذي يريد اقتحام هذه المجالات أن يكون ملمًا بمفردات القيم والشرائع الإسلامية التي يتطلبها شمول هذه المجالات لكل النواحي الحياتية للبشر، وأن يكون قادرًا على استخلاص الأحكام الاجتهادية من هذه القيم والشرائع التي تواكب حركة الحياة ومستجداتها الدائمة؟

إن تطلب ذلك يعني في الحقيقة اشتراط توافر القدرة على الاجتهاد المطلق في كل فنان يريد إبداع فن إسلامي في هذه المجالات. وحيث إن تطلب ذلك يخرج عن التصور فلا بد من الإيمان بمبدأ جواز الخطأ، ما دام الباعث القائد للعمل الإبداعي هو تمثل الحقائق الإسلامية التي تتمحور حول الإيمان والخير والسمو بالبشر إلى القيم الإسلامية المثلى.

علاقة الإسلام بالفن:

إن أي دين يؤمن بالحياة الأخرى بعد الموت، كالإسلام مثلاً، لا يرضى أو يشجع التطورَ الفني إذا كان سادراً مطلق الحدود، غير ملتزم مثل مذهب "الفن للفن". إن وقت المسلم محسوب عليه، وليس له أن يضيعه هباءً، في غير جدوى.

فمن الخطأ المشاع أن نقول : إن هناك أنواعًا من الفنون حرام وأنواعًا منها حلال؛ لأن استقراء المنهج الإسلامي في التشريع يكشف عن عدم ورود التحليل أو التحريم المطلق لجنس شيء من الأشياء. فكل شيء يدخل في نطاق الفعل الإنساني تندرج مفرداته بين الحلال والحرام في الإسلام، سواء أكان ذلك طعامًا أو شرابًا أو متعة أو لهوًا أو أي شيء. وكذلك ينطبق الأمر على سائر أنواع الفنون المختلفة حتى الرقص نفسه يمكن تقسيمه بين الحلال والحرام. فعلى الرغم من كونه للوهلة الأولى يبدو فجورًا، إلا أنه لا يستطيع أحد الذهاب إلى تحريم رقص المرأة أمام زوجها. إلا أن الأهم من ذلك هو ما ثبت في الصحيح عن مشاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم والسيدة عائشة رضي الله تعالى عنها لرقص الحبشة. ومن ثم فإن القاعدة التي نستطيع أن ننطلق منها في قياس هذه الأمور هي القاعدة التي أرساها الرسول نفسه صلى الله علي وسلم في حكم الإسلام على الشعر، وذلك في قوله: "الشعر كالكلام، حسنه حسن وقبيحه قبيح"([12]). فهي قاعدة يمكن تعميمها على جميع أنواع الفنون.

وفي الحقيقة أن موضوع " الفن " موضوع في غاية الخطورة والأهمية ، لأنه يتصل بوجدان الشعوب و مشاعرها ، و يعمل على تكوين ميولها و أذواقها ، واتجاهاتها النفسية ، بأدواته المتنوعة والمؤثرة ، مما يسمع أو يقرأ ، أو يرى أو يحس أو يتأمل.

والقرآن يوجه الحس البشري للجمال في كل شيء، وإنه يسعى لتحريك الحواس المتبلدة لتنفعل بالحياة في أعماقها، وتتجاوب تجاوباً حيّاً مع الأشياء، والأحياء، وهنا يلتقي الفن بالدين، فإنهما يلتقيان في ثورتهما على آلية الحياة، وعلى نسقها الرتيب وعلى ظاهرها المسطح.

فالإسلام أعظم دين غرس حب الجمال والشعور به في أعماق كل مسلم، وقارئ القرآن يلمس هذه الحقيقة بوضوح وجلاء وتوكيد ، فهو يريد من المؤمنين أن ينظر إلى الجمال مبثوثاً في الكون كله، في لوحات ربانية رائعة الحسن ، أبدعتها يد الخالق المصور ، الذي أحسن خلق كل شيء. وأتقن تصوير كل شيء : ] الَذِي أََحْسَنَ كلَّ شَيْءٍ خَلَقَه[([13])، ] مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَن مِن تَفَاوُتٍ [([14])، ] صُنْعَ اللهِ الذِي أََتْقَنَ  كُلَّ شَيْءٍ [([15])، فالقرآن الكريم يلفت الأنظار ، وينبه العقول والقلوب ،  إلى الجمال الخاص لأجزاء الكون ومفرداته . .                

إن القرآن بهذا كله ، وبغيره ، يريد أن يوقظ الحس الإنساني ، حتى‌يشعر بالجمال الذي أودعه الله فينا وفي الطبيعة من فوقنا ، ومن تحتنا ، ومن حولنا . و أن نملأ عيوننا وقلوبنا من هذه البهجة ، وهذا الحُسن المبثوث في الكون كله.

فالإسلام دين واقعي ، فهو يتعامل مع الإنسان كله : جسمه وروحه ، وعقله ووجدانه ، ويطالبه أن يغذيها جميعا ، بما يشبع حاجتها ، في حدود الاعتدال ، الذي هو صفة " عباد الرحمن ": ] وَ الَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يقْترُوا وَكاَنَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاَمَا [([16])، وليس هذا خلقهم في أمر المال فقط، بل هو خلق أساسي عام في كل الأمور ، هو المنهج الوَسَط للأمة الوسَطَ .

وإذا كانت الرياضة تغذى الجسم ، والعبادة تغذى الروح ، و العلم يغذى العقل ، فإن الفن يغذى الوجدان، ونريد بالفن : النوع الراقي الذي يسمو بالإنسان ، لا الذي يهبط به

وقد أحيا الإسلام ألواناً من الفنون ، ازدهرت في حضارته وتميزت بها عن الحضارات الأخرى مثل فن الخط والزخرفة والنقوش : في المساجد ، والمنازل ، والسيوف ، والأواني النحاسية والخشبية والخزفية وغيرها .

كما اهتم الإسلام بالفنون الأدبية التي نبغ فيها العرب من قديم ، وأضافوا إليها ما تعلموه من الأمم الأخرى ، وجاء القرآن يمثل قمة الفن الأدبي ، وقراءة القرآن وسماعه عند من عقل وتأمل إنما هما غذاء للوجدان والروح لا يعدله ولا يدانيه غذاء ، وليس هذا لمضمونه ومحتواه فقط ، بل لطريقة أدائه أيضاً ، وما يصحبها من ترتيل وتجويد وتحبير تستمتع به الآذان ، وتطرب له القلوب  ، وخصوصاً إذا تلاه قارئ حسن الصوت، ولهذا قال النبي صلي الله عليه وسلم  لأبي موسى:  " يا أبا موسى لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود "([17]).

فالقرآن الكريم آية الإسلام الكبرى ، و معجزة‌الرسول العظمى : يعتبر معجزة جمالية ، إضافة إلى أنه معجزة عقيلة ، فقد أعجز العرب بجمال بيانه ، وروعة نظمه و أسلوبه ، و تفرد لحنه وموسيقاه ، حتى سماه بعضهم : سحراً .

مفهوم الفن الإسلامي:

ولم تكن علاقة الإسلام بالفن تقتصر على توصيفه الشرعي فحسب، بل كان هناك فن منسوب إليه عبر العصور، يسمى بالفن الإسلامي، فما هي "الإسلامية" التي يمكنها أن تحدد المنعوت - وهو الفن- وتميزه فتجعله نسقًا قائمًا بذاته منفصلاً عن غيره ؟ هل الإسلامية صفة تاريخية، أي تنسحب على فترة تاريخية معينة، وإن كانت كذلك فما هي تلك الفترة ؟ هل هي فترة ذروة الحضارة الإسلامية إبداعيًا؟ أم هي فترة الفتوحات الواسعة؟ أم هي بعد ذلك؟

أم هل "الإسلامية" صفة مكانية، من ثم ترتبط بمكان معين أو حاضرة بعينها؟

وهذا السؤال عن المكانية مثله مثل السؤال عن الزمانية يطرح إشكالية التعددية والتنوع داخل النسق كما سنرى.

أم هل "الإسلامية" صفة مرتبطة بالفعلية ؟ بمعنى أن ثمة فعلاً يمكن قرنه بهذه الصفة، وفعلاً آخر لا يمكن قرنه بها ولا إضافة هذا النعت له.

أم  هل تُرى "الإسلامية" صفة تنبع من الفاعلية ؟ أي أنه كلما كان الفاعل مسلمًا كان الفعل إسلاميا والمنتوج إسلاميا كذلك، بغض النظر عن صفاته البنائية وخصائصه المميزة؟
كل هذه التساؤلات باختصار هي تساؤلات تدور حول ما يجعل الإسلامي إسلاميًا، وهي قديمة قدم الصفة ذاتها وقدم خاصية التفكر والنظر، والاجتهادات في هذا الصدد كثيرة، وكل الإجابات مقبولة وصحيحة.

وهذا التنوع في الإجابة لا يدل على غموض، وإنما على ثراء وتكثيف الصفة في ذاتها، بحيث إننا يمكننا أن نتكلم عن إمكانياتها المكانية والزمانية والفعلية والفاعلية والبنائية في آن واحد.
وكمثال على الزمانية سنجد أن معظم من تكلم عن الفن الإسلامي إنما اختاروا الكلام عن حقبة الحضارة الإسلامية في ازدهارها الإبداعي، وضربوا الأمثلة من بقاع متفرقة من سمرقند في الشرق وقرطبة في الغرب، ومن أشبيلية في الشمال حتى تمبكتو في الجنوب، مرورًا بالقاهرة وتبريز وأصفهان وخراسان وبانيالوقا وإستانبول وغيرها.

بمعنى أن النقاد الذين اختاروا الزمانية كمحدد رأوا في المكانية والتعددية صفة ثانوية تؤكد خصوصية النسق الذي بنوه.

بينما نجد أن من تعصب للمكانية، فتكلم عن الأندلسي، والمصري، والمغربي، والتركي، والفارسي، والسمرقندي، والقمي، وغير ذلك من صفات مكانية، قد شد عينه وجذب انتباهه التنوع والخصوصية الكامنة في كل مكان؛ فحولت انتباهه عن العناصر العمومية الممتدة عبر المكان وعبر الزمان.

ونجد أن الفعلية تتجلى بالخصوص في فن الخط العربي، حيث المنتج والفعل مرتبط بالإسلام أساسا من خلال ارتباطه باللغة وجماليات الحرف العربي كنسق وحرفة أرسيت دعائمها منذ أقدم العصور الإسلامية، وسنرى هنا أن الفعلية قد جاوزت المكان، فهناك ابن مقلة وإنتاجه من بغداد، وهناك عبد الله هاشم وإنتاجه من إستانبول. وجاوزت الزمان، فها هو هلال العراقي العباسي، وهاكم محمد إبراهيم المصري المعاصر، فهي صفة نبعت من المنتج والفعل في ذاته.

أما الفاعلية فهي صفة جديدة لم تكتسب مشروعية بعد، ولا أظنها تكتسبها.

فالقول: إن الفنان المسلم ينتج فنا إسلاميًا، هو قول أعرج يفترض أن الإسلام ملة توضع في خانة من خانات بطاقات الهوية، ومن ثم تنسحب منه صفات تضفي على إنتاج وفعل صاحب هذه البطاقة خصوصية ما. إنما الإسلام عقيدة حياة ورؤية معرفية متكاملة ودين بالمعنى الشمولي للكلمة، حيث يتخلل كل جزئية من جزئيات من يعيش في كنفه، ومن ثم قد تكون ملة الصانع أو الحرفي غير الإسلام، ولكن نتاجه الحضاري الجمالي من فن وصنعة هو إسلامي بلا مراء.

كذلك ثمة إشكالية أخرى تجعلنا لا نقبل الفاعلية كأساس تصنيفي، حيث إن الفن في الرؤية الإسلامية المعرفية هو نتاج حياة، من ثم فالجميع متاح لهم كما أوضحنا أن يصيروا فنانين بل هو فرض على كل منتج أن يتقن عمله؛ ومن ثم يخرج فنا كما أسلفنا.

وقد كان لهذا الفن الإسلامي الذي وضحنا جهة نعته بالإسلامية، خصائصه التي تميزه وتجليه بين الحضارات المختلفة، المتزامنة وكذلك التي سبقته، فما هي تلك الخصائص التي تميز الفن الإسلامي؟

خصائص الفنون الإسلامية:

الفرق بين فن وفن، هو فرق الانتماء والتعبير عن حضارات مختلفة، فالفن الروماني ـ مثلاً ـ به كل سمات الحضارة الرومانية التي تعتبر حضارة "الساعد" أو القوة الجسدية في المقام الأول، وفي الفن الإغريقي نلمح الفكر الفلسفي الذي هو عصب تلك الحضارة، وكذلك الفن الإسلامي يعد من أنقى وأدق صور التعبير عن الحضارة الإسلامية، وكونه المعبر عن هذه الحضارة هو ما يعطيه هذه الصفة، صفة "الإسلامية".

إن كل متأمل في الفن الإسلامي يعرف أنه أرسى معايير ذات صبغة مميزة، كان لها آثارها الواضحة على العالم الغربي، وبشكل مستمر، خاصة فيما بين القرن العاشر الميلادي والقرن الرابع عشر، الذي أوضح أن الفن الإسلامي يتوسل بالمادة ليعبر عن الإحساس الديني بالحياة، وعن وجدان أخلاقي إسلامي، تماماً كأصول العقيدة أو الاعتقاد، لذا تجد، على سبيل المثال وحتى اليوم، في فن المعمار الإسلامي روعة في معمار البيوت البسيطة ، وكذلك القصور المشيدة نفسها، وكلاهما يخفي من كنوزه وروائعه أكثر مما يبدو للعيان.

وينسحب هذا على صحون المساجد وساحاتها وقاعاتها، فهي مشيدة بأسلوب ذي دلالة واضحة في رفضه للتقسيم التصاعدي المتدرج، فضلاً عن البساطة الواضحة الساطعة الرافضة لكل تهويمات الطقوس السحرية الغامضة، كما ينسحب على التجريد الراقي في المنمنمات التي تصون الخيال عن الوهم، والماثلة في تصوير الآدميين في أشكال متجانسة لطيفة التقاسيم، منعمين في جنات وعيون، تذكر بما ينتظر المؤمنين من نعيم.

كما وصف القرآن : ] فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ اليَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً & وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً  &مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً & وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً [([18])

فالفن الإسلامي في مصر أو الهند أو العراق هو في النهاية "فن إسلامي" حتى وإن كان الفنان في بعض الأحيان غير مسلم.. لأنه بالإضافة إلى تعبيره عن ذاته وعن بيئته - وهذا ضروري وموجود- فإنه يعبر عن الأصيل والثابت والهام في الحضارة التي ينتمي إليها؛ بصرف النظر عن انتمائه العرقي أو الديني أو الجنسي.

وقد قدم الإسلام نظاما كليا، يعتني فيه بالجسد مثلما يعتني بالروح، في إطار تكامل بين ما هو روحي وما هو جسدي، يأخذ كل منهما مكانته الطبيعية اللازمة، ويؤدي دوره في حياة الفرد والمجموع، ويؤسس لرؤية شاملة للحياة الدنيا بكل شئونها، في شقيها المادي والمعنوي، كما يؤسس لتنظيم علاقة الإنسان بالخالق.

وفيما يلي نتعرف على  أهم خصائص الفن الإسلامي:

التجريد والموسيقية:

وهما من أبرز صفات الفن الإسلامي، فالقيمة الجوهرية الكامنة في الفن الإسلامي، هي إيقاعه وتجريده، وما يصاحب ذلك من إحساس موسيقي رائع، لا يجاريه فيه أي فن آخر، ولا شك أن هذا الاتجاه مرده إلى التصور الإسلامي لله وللإنسان وللعالم، ومن أجل ذلك لم تكن وظيفة الفن الإسلامي نقل المرئي، بل إظهار ما هو غير مرئي، ومحاولة الإحساس بالقوانين الرياضية التي تحكم هذا الوجود.

 

وقد وصلت قمة الإيقاع الموسيقي في الفنون الإسلامية ذروتها في العمارة الأندلسية المغربية؛ حيث تتجاوب أقواس العقود مع سائر العناصر المعمارية، وأحواض المياه والأشجار والمناظر التي تحيط بالمكان؛ حيث يصبح المبنى وكأنه نبت من الأرض، كما ينبت الشجر والنخيل.

كراهية تصوير الكائنات الحية:

شاع رسم وتصوير الكائنات الحية في المنطقة العربية قبل الإسلام، ولكنه لم يهتم قط بالمحاكاة الحركية لهذه الكائنات، كما نرى في الفن الإغريقي والفنون التي سارت على نهجه، وبالرغم من أن القرآن الكريم لم يرد فيه نص صريح يمنع ممارسة تصوير الكائنات الحية، إلا أن البعض يجدون أن رسم الكائنات غير جائز، مما تسبب في اختفاء تصوير الكائنات الحية في الفن الإسلامي، حتى أصبح هذا الاختفاء سمة من سمات التصوير الإسلامي.

تحويل الخسيس إلى نفيس:

من المسلمات في العقيدة الإسلامية العزوف عن الإسراف في بهرج الحياة، باعتبار ذلك عرضا زائلا، وما عند الله خير وأبقى، وإلى جانب ذلك فقد وصل ازدهار الحضارة الإسلامية في كثير من العصور إلى درجة عظيمة، كما وصل الثراء إلى حد يفوق كل تصور، وكان في استطاعة المسلمين لو أرادوا أن يزينوا الأجزاء المهمة في المساجد بالأحجار الكريمة، وهنا نجد ظاهرة اجتماعية اقتصادية، تحتاج إلى حل يحقق المواءمة والتوافق بين روح العقيدة وسلوك السلف الصالح، بين إمكانيات المجتمع وقدراته الاقتصادية العالية، ومبادئه الدينية الخالدة.

وهكذا كان على الفنان أن يحقق هذه المواءمة، وأن يبتكر أسلوبا جديدا لحل هذه المعادلة الصعبة، وقد نجح الفنان المسلم في تحقيق هذه الغاية؛ بابتكار الخزف ذي البريق المعدني (وهو نوع من الخزف لم يُعرف إلا في الفن الإسلامي في ذلك الوقت، ويتيح الحصول على أوانٍ خزفية تصلح بديلا لأواني الذهب والفضة، ويزخر المتحف الإسلامي بمصر بالكثير من نماذج ذلك الخزف ذي البريق المعدني، والذي يعتبر من أرقى أنواع الخزف في العالم، ومن الحلول الابتكارية التي كان للفنان المسلم الفضل في تحقيقها، المواءمة بين استيفاء المسجد للعظمة والفخامة، وهو ما تتيحه الثروة المتزايدة في المجتمع، وبين ما يتطلبه الفكر الإسلامي في الالتزام بأسلوب السلف الصالح في الحياة البسيطة التي تقوم على صدق الإنسان مع ربه.

فاستطاع الفنان المسلم باستعمال أرخص الخامات إطلاقا، كالطين والخشب، أن يصنع محاريب المساجد من الخزف أو الخشب أو الجص، بعد أن أثراها بالزخرفة والنقش، مما جعل هذه المحاريب قمة في الجمال والجلال. ومن أمثلة المحاريب الإسلامية الرائعة محراب السيدة رقية بالمتحف المصري الإسلامي.

وقد خلَّفت الحضارة الإسلامية نماذج عظيمة القيمة من التحف المعدنية، والأثاث، وبخاصة من البرونز المكفت والمشغول بالزخارف الدقيقة، التي تبلغ حد الإعجاز، وقيمة هذه التحف لا تعود إلى الخامات التي صنعت منها، ولكن مردها إلى قدرات الفنان في الإنجاز ودقته البالغة في التنفيذ.

المثالية الواقعية أو الإطار الفكري للفن الإسلامي:

يمكن التعبير عن الإطار الفكري الذي يعكس التصور الإسلامي للوجود بخاصية المثالية الواقعية، فالواقعية تعني أن الإسلام يعمل على بلوغ الدرجات الممكنة من الحياد في التعامل مع الواقع، فلا يضع غشاءً من الفكر المسبق على عقل الإنسان، وهو يدرك الواقع. ولكن المسألة ليست بهذه البساطة؛ لأن تجريد النظر إلى الواقع من الفكر المسبق ليس كافيًا لتحديد ما يمكن اعتباره واقعيّاً مما يمكن إدراكه من هذا الواقع.

فالماديون يحاولون اختزال الإدراك الواقعي للحقائق في المدركات المادية فقط، مع أن الموضوعية تقتضي اعتبار كل ما يمكن إدراكه من الحقائق الفاعلة في الواقع حقائق واقعية. فكما أن الحقائق المادية واقع، فإن الحقائق الروحية أيضًا واقع. وكما أن قوى الإنسان وإمكاناته وغرائزه واقع، فإن مشاعره وطموحاته وارتقاءه واقع أيضًا. والواقعية الحقيقية هي التي تعني وضع كل هذه المدركات في الإطار التصوري للفنان.

لكن الواقعية لا تعني الوقوف عند حد الإدراك السلبي للواقع، فإن جاز هذا في الواقع الطبيعي، فإنه لا يجوز في إدراك العلاقات السائدة بين البشر، فإدراك وجود الحق أو الباطل في الواقع لا يقوم على أسس كمية، بل يستند في الضرورة إلى قيم مستقلة، تستطيع التمييز بين الحق والباطل، مهما حوصر الأول أو شاع الثاني.

كما أن إدراك الواقع لا يعني إقراره، فتلك هي الواقعية التي لا يفهمها سوى الضعفاء والانهزاميين، الذين لا تعني الواقعية بالنسبة لهم سوى الاستسلام للأمر الواقع، فالواقعية الإسلامية تعني اقتحام الواقع، والتصارع مع الباطل، وعدم الاستسلام لمعطياته، حتى ولو نجح في فرض نفسه أمرًا واقعًا بالفعل، ما دامت هناك الإمكانات لتغييره، ووجود الإمكانات الدائمة لتغيير الباطل من مقتضيات العقائد الإسلامية.

والصراع مع الباطل الهدف منه استنهاض الواقع، والعمل على إصلاحه وتقويمه، والسمو به إلى المثل العليا والغايات المنشودة، وهذا ما تعنيه المثالية في الإطار الفكري للتصور الإسلامي.

إنها المثالية الواقعية، التي تفرض على الفنان التعامل مع الواقع بموضوعية كاملة، والسمو به في نفس الوقت إلى المثل العليا التي تحقق رضا الله ورضوانه، فالفنان المسلم إنسان يعيش على الأرض بروح تحلق في السماء. فهو يتفاعل مع الواقع الاجتماعي بعقيدة ربانية ومنهج إلهي؛ ليسمو به إلى غاياته التي يتطلع بها إلى عالم الخلود الذي سوف يستقر به في نهاية المطاف.

والذي يعنيه ما سبق أن الفن الإسلامي مذهب مستقل، يتباين تمامًا عن تلك المذاهب الفنية التي نشأت عن تطور المفاهيم العلمانية في الغرب، ولكن ذلك لا يعني في نفس الوقت أن الفن الإسلامي مدرسة فنية غير قابلة للتجدد؛ لأن التصور الإسلامي للوجود، والذي نعبر عنه هنا بالمثالية الواقعية، يجمع ما بين الثابت والمتغير.

فالجانب الثابت هو المثالية العقائدية والقيمية للتصور الإسلامي، والجانب المتغير هو الفاعلية الإنسانية التي يتعامل بها هذا التصور مع الواقع، وهذا المتغير قابل للتشكل الفني بحسب التوجهات البشرية المختلفة، ومن المزج بين هذا وذاك يتسع المجال لأن تتوالد العديد من المدارس الفنية المتجددة، ولكنه سيلاحظ دائمًا أنها تختلف عن تلك المدارس الفنية الأخرى التي تتفاعل على أرضية أيديولوجية فنية مختلفة.

ومن ناحية أخرى فإن كون العمل الإبداعي ينطبق عليه معيار الفن الإسلامي؛ فإن ذلك لا يمنحه أي قدر من الارتقاء الفني، فإن المعايير الفنية للعمل الإبداعي مستقلة بذاتها بعيدًا عن أي تصورات إيديولوجية أو أخلاقية. فقد ينطبق على العمل الإبداعي صفة الفن الإسلامي، ومع ذلك يكون فنّاً إسلاميّاً رديئًا، وقد لا تنطبق عليه تلك الصفة ويكون عملاً فنيًا رائعًا.

الإسلام وتنوع الفنون:

الفن عمل إنساني بالدرجة الأولى، وذلك لارتباطه بالوعي، ومن أجل ذلك، فهو يتطور في نفسه ويتعدد، نظرا لأن الابتكارات الإنسانية غير محدودة ودائمة التغير، ونحن عندما نتكلم عن الفنون سوف نتكلم عنها باعتبارين : فنون قديمة، وهي التي جاء الإسلام وهي موجودة فسكت عن كثير منها، وتكلم في قليل منها، وفنون حديثة، وهي التي استحدثت بعد عصر التشريع، مثل السينما والمسرح.

والإسلام لم يتعرض لأغلب الفنون القديمة، وهذا يوضح أن الإسلام أقر  أغلب ما كان موجودا من فنون في الأمم السابقة، مما علم به المسلمون من نحت، وعمارة، ورسم، وأيضا مما مارسه العرب من فنون القول، التي أبدعها اللسان العربي، من الشعر والنثر والمقامة والقصة والملحمة، والمفاخرة والمنافرة، وسائر فنون الأدب.

الفصل الثالث

فن التصوير في ميزان الإسلام

المبحث الأول

الفنون البصَرية وخصائصها في الإسلام

انتهينا في الفصل الماضي من الفنون السمعية، واستعرضنا أقوال أهل العلم قديما وحديثا، وقمنا بعرض فقهي خرجنا منه إلى أن قضيتي الغناء والموسيقى مسائل فرعية فقهية، لا ينبغي أن تفترق الأمة وتختلف على أساسها ، ومن رأى الحرمة لا ينكر على من رأى الجواز.

وفي هذا الفصل نتكلم عن الفن المرئي، وعلى وجه الخصوص "فن التصوير" والذي تتذوقه حاسة البصر، وهذا إذا صنفنا الفنون تبعًا لتأثيرها في الحواس وانطلاقًا من الآية الكريمة ]إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [([19])؛ حيث نجد الربط بين السمع والبصر، وبين الفؤاد أو القلب والعقل أي نفس وروح الإنسان، والعامل المؤثر إنسانيًا، نقول: إن هدفنا بالأساس من هذا التصنيف رؤية هذا الربط والبحث خلف المعنى المعرفي الكامن في النسق الجمالي الذي دعوناه بالفن الإسلامي.

وعلى هذا النسق ينظر إلى الفنون البصرية من خلال تأثيرها في العين، وكيف أن الجمال يدعو الإنسان إلى التأمل، ومن ثم يقوده للتفكر في الخلق ومعرفة الخالق.

والمهتمون بالجمال المرئي والمنبهرون به إنما يتأملون في روعته، فالجمال والتناسق فيه هدف في ذاته، بينما الجمال في الإسلام طريق لهدف هو الجلال ومعرفة الخالق سبحانه.

ومن ثم فإن كل الحسن يبدأ من تأثيره فينا واستنطاقه لنا بالتسبيح، والدعوة للإحسان: والإتقان في القرآن واضحة في الآية الكريمة : ] وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [([20])، فالإحسان والإتقان إنما هو إظهار لنعمة الله علينا وابتغاء لمرضاته تعالى، ومن ثم فكل صنعة مرئية أنطقتنا بالتسبيح هي فن جمالي بصري، الحديقة الغناء المنسقة التي تدعونا للسير في أرجائها والتمتع بأريجها فن بصري. الكرسي المصنوع من الخشب بحرفة الأرابسك المتقنة، حيث تتراكب الوحدات متقنة الصنع في توليفة متكررة تحاكي التسبيح وتدفع للتسبيح ـ  فن. ومشكاة النحاس والخزف المتقنة الجميلة فن، واللوحة الجميلة فن، والعمارة والبيت فن، كل ما نراه حولنا فن بصري، طالما دعانا للتأمل، وأحسسنا بقيمة الحياتية، ودعانا للتفكير في تركيبيته، وكيف استخرج الصانع من المادة الغفل جوهرها، وبالتالي أبدع لنا جمالها في طريقنا نحو معرفة جلال الله سبحانه.

خصائص الفنون المرئية في الإسلام([21]) :

وتتعدد الآراء فيما يتعلق بهوية الفنون البصرية الإسلامية، ولكنْ ثمة إجماع على عناصر عدة تمثل القاسم المشترك الأعظم الذي يظهر في المشكاة كما يظهر في اللوحة الجدارية، مثلما يظهر في آرابسك الكرسي، ونقوش وعمارة الدار. من هذه العناصر: التجريد والبعد عن التمثيل، والالتزام بقانون هندسي صارم، والنماذجية، بمعنى أن نموذجاً أولياً يلتزم به الفنان المسلم دائمًا، ويجده دائمًا في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، أيضًا الهروب من الفراغ أو الاهتمام بالتكرار وغيرها.

أولا: التجريد:

الصفة التي يجمع الباحثون على أنها من الخصائص المميزة للفنون البصرية الإسلامية هي صفة التجريد. بمعنى أن الكل أجمع على أن التجريد سمة إسلامية، لكنهم لم يتفقوا على سببها : فالبعض يرى التجريد نتيجة لتحريم تصوير المخلوقات، ومن ثم النزعة إلى التجريد للابتعاد عن شبهة الحرام.

وهذا التفسير أقرب إلى الغائية التبسيطية والتي تنفي التعقيدية والتركيبية عن الفن، فالتصوير التمثيلي حرام إذن، فلنلجأ للتصوير التجريدي. هذا المنطق مخل وتبسيطي، وأزيد فأقول: إنه ينافي صفة الإسلامية لأنه يقبع في الأساس بالرؤية المعرفية الغائية التي تبحث عن علة مبسطة مباشرة لكل معلول، ولا ترى تشابك العلاقات الكونية ولا تعقيدية الثقافة والبنيان الحضاري.

والبعض يرى التجريد وسيلة الفنان المؤمن للتجرد من لباس الخلائق ووصولاً لجلال الخالق -سبحانه وتعالى- ورغم ما في هذا التفسير من تصوف ظاهري وقبول لسمة الدعوة للعبادة. إلا أنه ينبني كذلك على تصور أن الفنان المبدع الخالق هو الفنان المسلم. وهي إشكالية أوضحنا بالأساس كيف أنها تنتسب للرؤية المعرفية الغربية ذات الأصول الإغريقية، وأن فكرة هذا الفنان المتميز تتعارض تمامًا مع النزعة الحياتية في صفة "الإسلامية" التي تميز هذا النسق الفني الخاص، رغم هذا فالجزء الخاص بأن نزعة التجريد محاولة لاستكشاف ما وراء الشكل ودعوة للتأمل في جمال صنع الله هو فكرة جيدة وجديرة بالاعتبار، ولكنها لا تكفي لتفسير سمة التجريد التي نراها في مختلف الفنون الإسلامية.

والبعض الثالث يرى أن التجريد نتيجة لتجنب التصوير التمثيلي، بمعنى آخر: البعد عن التمثيل كسمة سلبية هي التي أدت إلى التجريد كصفة إيجابية، وهذا التفسير لا يقدم شيئًا في الواقع، فماذا سادت سمة البعد عن التمثيل السلبية؟ وهل جاء هذا نتيجة لتحريم التصوير التمثيلي كما أسلفنا؟

أرى أن أكثر التفسيرات اقترابًا من الرؤية المعرفية التي نتبناها في هذا البحث هو التفسير الذي يرى أن التجريد في الفن الإسلامي هو استمرار لصفة التجريد والابتعاد عن تمثيل المخلوقات السائدة في الفنون السامية وما قبل الإسلام عامة، وفنون النقش والرقش التي وجدت في الجزيرة العربية قبل الإسلام بصفة خاصة.

ولنا أن نتوقف هنا مليّاً لنتأمل هذا القول على مستويين؛ المستوى الأول: تاريخي أثري يبحث في أصول التجريد السامية؛ سواء في الفنون التي كانت في جزيرة العرب قبل الإسلام أم في الساميين غير المسلمين الآخرين. والمستوى الثاني: معرفي يتأمل خاصية التجريد في ضوء مفهوم التوحيد الذي أضاء بنوره منطقة الساميين قبل المناطق الأخرى من العالم.

إن الدارس لتاريخ الفنون يعرف أن الفن الفرعوني لم يعمد إلى محاكاة الطبيعة إلا في عصر إخناتون كنوع من شعبوية الفنون (أي تحويلها إلى نزعة شعبية)، الأمر الذي رآه الكثير من الباحثين تأثيرًا أجنبيّاً على الفن المصري القديم.

والفكرة الأساسية هنا هي محاولة الفنان المجهول الوصول إلى السمو والقوة من خلال الضخامة، أي تجريد عناصر الشكل في ذاتها والتركيز على عنصر واحد لأجل الوصول إلى الفكرة المتجاوزة، وهي الجلال والخلود، وهي روح الرؤية المعرفية للفرعونية التي كانت تمجد الموت وتقدس العالم الآخر. هذه الرؤية انتقلت كذلك إلى اليهودية، فوجدنا تحريم التصوير كنوع من تحريم محاكاة الرب، وكذلك كنوع من النهي عن تقليد المصريين : المحبوبين و المكروهين في آن.

لو انتقلنا إلى اليمن مثلاً لوجدنا أن التجريد في فنون العمارة ما قبل الإسلام كان جليًا ظاهرًا، كذلك في مناطق عسير وأبها والحجاز من جزيرة العرب، فهذا التجريد يلائم الطبيعة الصحراوية الخشنة والتي تتيح للإنسان الفرصة للتأمل والتجرد.

وما يدعم فرضيتنا من أن التجريد سمة من سمات الفنون السامية هو أن مقاييس التصوير عند مختلف الأمم السامية كانت دائماً خارجة عن الإطار المثالي وتعمد إلى المبالغة والخلط بين الخرافي والواقعي، أي تنزع إلى السريالي لو استعرنا مصطلحًا تصويريًا حديثًا. وهو خطوة في سبيل الحلمي ثم التأملي.

كذلك نجد أن الفنون التصويرية الأولى في العصر الأموي مثل النقوش الجدارية الفسيفسائية على جدران المسجد الأموي أو في قصر عمر في الأردن أو على قبة الصخرة أو في قصر الخير الغربي في سوريا إنما توضح تأثرًا بالغًا بالسمت البيزنطي، وتصور موضوعات تمثيلية أو رؤى بيزنطية في فن الفسيفساء، ولكن نماذج الفنون الإسلامية في العصور التالية توضح الجانب التجريدي أكثر. بمعنى أن العصر الأموي كان اتصالاً مع الحضارات المحيطة وبالتالي تأثراً بها. ولكن مع استتباب الحضارة الإسلامية حدث نوع من استعادة الأصول وتجاوز الأثر الحضاري، وبالتالي ازداد الجانب التجريدي في الفن.

ثانيا: الالتزام بقانون هندسي صارم:

هذه الصفة تؤكد صفة التركيبية والجانب الثقافي المتجاوز في الفن البصري الإسلامي.

وهي صفة تتخذ نموذجها من القوانين اللغوية الصارمة التي ابتكرها العرب والمسلمون لتقعيد اللغة العربية وصيانتها من الزغل والخلط.

وانعكست هذه القانونية الصارمة في الفنون البصرية مثلما انعكس الوزن والتماثلية الشعرية في الفنون البصرية كما سنرى.

من أمثلة هذه القانونية الترجمة العربية للعضلات المقربة والمبعدة، وهي ترجمة تصورية تراعي فكرة تماثل نصفي الجسد البشري، وتعتبر أن خط المنتصف الوهمي الذي يقسم الجسد البشري هو خط الإناسة، وبالتالي فالعضلات التي تقرب العضو من خط المنتصف هي عضلات إنسية والعضلات التي تبعد العضو عن هذا الخط هي عضلات وحشية. وباقي اسم العضلة يستمد من اتجاه وشكل أليافها، فهنا نجد تأثيراً للتشريح والشكل البشري على اللغة. ونجد تأثير اللغة بقانونيتها ومنطقها على فهم الشكل وبالتالي على النسق الفني.

وسنجد هذه القانونية متجلية في فنون الخط والمنمنات والآرابسك والزخارف النحاسية وغيرها، حيث تسود الأشكال الدائرية والمسدسات وغيرها من الأشكال الهندسية كل حسب مكانته ومقامه.

ثالثا: النماذجية:

النموذج الأول للفنون الإسلامية جمعاء هو القرآن الكريم والسنة النبوية، فهناك دائما حض على الجمال والإتقان والإحسان في القرآن والسنة، وثمة عنصر إبداعي في العمل الفني الإسلامي دائما يدعو للعبادة مقتفيًا أثر النموذج القرآني، والآيات القرآنية تقدم أمثلة عديدة على التصوير الفني، أمثلة احتذاها الفنان المسلم الصانع، سواء في حرفته كالمشكاة مثلاً، أو في معمار المساجد، ويمكننا أن نجد هذه النماذجية على سبيل المثال في المنارة التي تمثل توق المعماري في بناء المسجد إلى الوصول إلى السماء وملاقاة الخالق.

كذلك نجد أن المنزل الإسلامي بصحنه والبهو ومدخله يختار نموذجه من المسجد بوصفه المعمار الأول الذي يهدف إلى مقابلة الخالق وعبادته.

رابعا : الهروب من الفراغ:

الفنان المسلم حين يتعامل مع مادته الخام يؤمن تمامًا بأنه يستخرج منها مواضع الجمال التي أودعها فيها الله -سبحانه وتعالى- ومن ثم فهو يحاول دائمًا أن يظهر هذا الجمال الباطن الموجود في كل ما حوله من أشياء ومخلوقات.

والفراغ بمعنى العدم غير موجود في الإسلام. فالكون مليء بمخلوقات الله التي تسبح بحمده، ويدفعنا تسبيحها الجميل إلى رؤية الجمال فيها مما يستنطق ألسنتنا بالتسبيح بحمد الله.

والفراغ الذي يهدف إلى تجسيد المثال كما نراه في الفن الإغريقي والنحت المعماري لا وجود له، لأن الكون كله مثال للجمال، والتعددية في المخلوقات هي الدليل على وحدة الخالق.

والفراغ الذي تتعامل معه الكتلة الحجرية الإغريقية هو محاولة لمحاكاة الخالق وإنتاج نموذج بمعايير يظن الكائن البشري في عجلته وظلمه لنفسه أنها المثال والنموذج، بينما الفنان المسلم في إدراكه لخلو الكون من الفراغ يستدعي الجمال الموجود في تعددية أشكال المخلوقات وفي الانحرافات والاختلالات عما يعتقد البشر أنه السواء. والهروب من الفراغ عند الفنان المسلم هو هروب من التسوية إلى المساواة، هروب من محاولة فرض معايير السواء والمثالية البشرية على الكون وحيث يظن الإنسان أنه سيد الكون، ولجوء إلى فهم حقيقة الاستخلاف - من حيث كونه مسئولية للإنسان- على الكون، لأنه سيد في الكون وكافة المخلوقات مسخرة له، طالما التزم بأوامر وحدود الرب خالقه.

من ثم فالنموذج الأول عند الفنان المسلم هو الإنسان وحياته وما حوله من كائنات ومخلوقات كلها تسبح بحمد الله. والفن الإسلامي هو نوع من الحمد والتقديس لجلال الله الذي خلق الكون من عدم، ولكنه لم يجعله عدمًا ولا فراغًا.

خامسا : التكرار:

خاصية التكرار الزخرفية هي تلك الخاصية التركيبية التي تحول الوحدة البسيطة في النسق إلى وحدات أكبر ذات قيمة جمالية أكبر من المجموع الجبري للوحدات. هذه الخاصية نجد نموذجها الأولي في عملية التسبيح والحمد حيث تكرر عبارتا "الحمد لله" و "سبحان الله"، فتخلق موسيقى إيمانية خاصة داخل وجدان كل فرد. ولأن الفنان المؤمن يدرك تمامًا أن كل المخلوقات تسبح بحمد الله، فعملية التكرار التي تحول الوحدة البسيطة لوحدة مركبة معقدة، عملية عبادية وتركيبية وحياتية تهدف أساسًا لتجاوز الطبيعي البسيط (الوحدة الزخرفية النباتية) أو القانوني البسيط (الوحدة الزخرفية الهندسية)، للوصول للثقافي الإنساني المعقد (أي التركيب بغرض الوصول للجمال) وتجاوزه إلى الجلال، من ثم معرفة الخالق سبحانه، وهو الهدف الأسمى لكل الأعمال في الإسلام.

والحقيقة أن الفن المرئي لم يكن للإسلام موقف متشدد منه بحيث إنه فن يمتع العيون، بل الإسلام جاء بهذا الفن في أكثر الأماكن قدسية؛ حيث إنك ترى روعة الفن الإسلامي داخل مساجد المسلمين، وإنما الإسلام تشدد في شكل واحد من الفن المرئي وهو فن صناعة التماثيل التي كانت تعبد في الجاهلية وكذلك التصاوير الخاصة بالمعبودات، بل اتسعت الرؤية إلى أكثر من ذلك حتى كانت كل التصاوير التي تكون لذوات الأرواح من الحيوانات مثلا.

فالفن المرئي عموما، والتصوير على وجه الخصوص لم يكن للإسلام منه موقف الرفض التام بل كان ـ كما عودنا الإسلام  ـ يقر ما في صنع البشر من صواب ويدعو لتنميته، وينهى عن ما في فعل البشر من أخطاء ويحذر من الوقوع فيه، وفي ما يلي سوف نتعرف على كيف تعامل الدين الإسلامي الحنيف مع قضية التصوير.

المبحث الثاني

التصوير في ميزان الإسلام

ينبغي علينا أن نكون قد تأكدنا أن الغرض من هذا البحث، هو معرفة الحكم الشرعي على الفنون التي ذكرت فيه؛ ولأن الحكم على الشيء هو فرع عن تصور هذا الشيء فكان لزاما علينا أن نتصور التصوير تصورا صحيحا مما يترتب عليه أن يكون الحكم صحيحا أيضا.

التصوير في اللغة :

و الصِّوَرُ بكسر الصاد لغة في الصُّور جمع صُورة، و صَوَّرهُ تَصْوِيراً فتَصَوَّرَ و تَصَوَّرْتُ الشيء توهمت صُورتَهُ فتَصَوَّرَ لي، و التَّصَاوِيرُ التماثيل([22]).

والـجمع  صُوَرٌ و صِوَرٌ  و صُوْرٌ؛ وقد صَوَّرَهُ فَتَصَوَّرَ. الـجوهري، و الصِّوَرُ، بكسر الصاد، لغة فـي الصُّوَر جمع صُورَةٍ؛ وينشد هذا البـيت علـى هذه اللغة يصف الـجواري :

     أَشْبَهْنَ مِنْ بَقَرِ الـخـلْصاءِ أَعْيُنَها                        وهُنَّ أَحْسَنُ مِنْ صِيرَانِها صِوَرا

وصَوَّرَهُ اللَّهُ صُورَةً حَسَنَةً فَتَصَوَّر. وفـي حديث ابن مقرن: أَما علـمت أَن الصُّورَة مـحرَّمة؟ أَراد بالصُّورَةِ الوجه وتـحريمِها الـمَنْع من الضرب واللطم علـى الوجه؛ ومنه الـحديث: كره أَن تُعلـم الصورةُ أَي يجعلَ فـي الوجه كَيٌّ أَو سِمَةٌ. و تَصَوَّرْتُ الشيءَ: توهمت صورتَه فتصوَّر لـي. و التَّصاوِيرُ: التَّماثـيلُ. وفـي الـحديث: "أَتانـي اللـيلةَ ربـي فـي أَحسنِ صُورَةٍ"قال ابن الأَثـير: الصورة تَرِدُ فـي كلام العرب علـى ظاهرها، وعلـى معنى حقـيقةِ الشيء وهيئته، وعلـى معنى صِفَتِه. يقال: صورةُ الفعلِ كذا وكذا أَي هيئته، و صُورةُ الأَمرِ كذا وكذا أَي صِفَتُه([23]).

و يلاحظ من التعريف اللغوي للتصوير أو التصاوير، أن الأكثر شيوعا في استخدام هذه الألفاظ بمعنى التماثيل، ولم يكن للتصوير الضوئي الفوتوغرافي هو المتبادر في ذهن من يسمع لفظة الصور أو التصاوير، كما سنرى أن التصاوير دارت ما بين التماثيل للأصنام أو رسومات لهذه التماثيل.

التصوير في القرآن :

والتصوير في القرآن لم يأت بمعنى فن التصوير أو الرسم أو حتى صناعة التماثيل، بل جاء بمعنى قدرة الرب سبحانه وتعالى على الخلق والتصوير، فإن التصوير من صفاته سبحانه وتعالى فهو المصور.

التصوير والسنة :

أما السنة فقد وردت فيها النصوص التي تحرم صناعة التصاوير، وكذلك تحرم اتخاذ هذه التصاوير إذا كانت تصاوير لذوات الأرواح مما ظن فيه المشركون النفع وعبدوه في الجاهلية.

ومن أمثلة هذه الأحاديث ما رواه أبو طلحة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال النبي  صلى الله عليه وسلم  : " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تصاوير "([24]).

وكذلك ما ورد عن مسروق في الحديث الذي رواه  البخاري : قال حدثنا الأعمش عن مسلم. قال : كنا مع مسروق في دار يسار بن نمير، فرأى في صفته تماثيل، فقال : سمعت عبد الله قال: سمعت النبي  صلى الله عليه وسلم  يقول : " إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون"([25]).

ومنه أيضا حديث عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال : " إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم "([26]).

وكذلك حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم  من سفر، وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم  هتكه، وقال : "أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله". قالت : فجعلناه وسادة أو وسادتين([27]).

وما ورد عنها أيضا ـ رضي الله عنها ـ " أنها أخبرته أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قام على الباب، فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية، قالت: يا رسول الله أتوب إلى الله، وإلى رسوله، ماذا أذنبت ؟ قال : ما بال هذه النمرقة. فقالت: اشتريتها لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم أحيوا ما خلقتم "، وقال : " إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة"([28]).

ومن هذه الأمثلة أيضا حديث سالم عن أبيه قال : وعد النبي صلى الله عليه وسلم جبريل ، فرأث عليه، حتى اشتد على النبي  صلى الله عليه وسلم، فخرج النبي  صلى الله عليه وسلم، فلقيه فشكا إليه ما وجد، فقال له : "إنا لا ندخل بيتا فيه صورة ولا كلب "([29]).

مما سبق نلاحظ أن التصاوير التي ذكرت في الحديث إنما كانت صورا لتماثيل، مما يؤكد على العلة الأصيلة في تحريمها، حيث إنه هذه التماثيل كانت معبودات القوم من زمن قريب.

التصوير في المذاهب الفقهية :

وبعد عرض هذه الأحاديث التي وردت في السنة النبوية المطهرة، لابد أن نعرف كيف نظر الفقهاء المعتبرون في أمة الإسلام من لدن عهد التابعين حتى عصر قريب، ولا يوجد سند نقل إلينا هذا الفهم أوضح وأصح من المذاهب الفقهية : مذهب الحنفية، ومذهب المالكية، ومذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة، وفيما نعرض ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة من محاولات فهم النص الشرعي ونقل الحكم إلى أمة الإسلام.

التصوير في مذهب الحنفية :

وكان مذهب الأحناف على جواز الصور التي ليست لذوات الأرواح كالشجر والشمس والسماء، وحتى الصورة التي تكون لذوات الأرواح لكن مع قطع الرأس لأن الوجه هو الصورة فإذا قطعت الرأس من الصورة صارت نقشا ولا تكون صورة، أما من كان منها للحيوان أو الإنسان أو الطير بغير قطع الرأس، فإنهم حرموا صناعة مثل هذه الصور وكذلك اتخاذها ولو كانت على ثوب، وإن عبروا عن هذه الحرمة بلفظ الكراهة، فالأحناف يطلقون الكراهة ثم يوضحون أنها كراهة تحريمية كما هو معلوم من أصول فقه الأحناف، ولكنهم أيضا ذهبوا إلى الكراهة التنزيهية إذا كانت الصورة على فرش يوطأ لامتهانها، وقد عبروا أيضا عنها بعدم الكراهة مطلقا.

فيقول محمد بن بكر الحنفي ـ أحد أئمة الأحناف ـ : " قوله : ولبس ثوب فيه تصاوير؛ لأنه يشبه حامل الصنم فيكره، وفي "الخلاصة" : " وتكره التصاوير على الثوب صلى فيه أو لم يصل " أهـ، وهذه الكراهة تحريمية، وظاهر كلام النووي في "شرح مسلم" الإجماع على تحريم تصويره صورة الحيوان.

ثم يستأنف قائلا في موضع الصورة بالنسبة للمصلي : " والحاصل أن الصورة عام والتماثيل خاص، والمراد هنا الخاص ذو الروح، أما من ليس ذي روح لا يكره كالشجر، لما سيأتي، والمراد بحذائه يمينه ويساره، ولم يذكر ما إذا كانت خلفه للاختلاف، ففي رواية الأصل لا يكره؛ لأنه لا يشبه العبادة، وصرح في "الجامع الصغير" بالكراهة، ومشى عليه في "الخلاصة"، وبأنها إذا كانت في موضع قيامه أو جلوسه لا يكره؛ لأنها استهانة بها، وكذلك على الوسادة إن كانت قائمة يكره؛ لأنه تعظيم لها وإن كانت مفروشة لا تكره، كذا في "المحيط"، قالوا : وأشدها كراهة ما يكون على القبلة أمام المصلي، والذي يليه ما يكون فوق رأسه، والذي يليه ما يكون عن يمينه ويساره على الحائط، والذي يليه ما يكون خلفه على الحائط أو الستر، وإنما لم تكره الصلاة في بيت فيه صورة مهانة على بساط يوطأ أو مرفقة يتكأ عليها مع عموم الحديث ([30])".

ونحو هذا أيضا ذكره علاء الدين الكاساني من أئمة الأحناف فقال : " وتكره التصاوير في البيوت، لما روي عن رسول الله عن سيدنا جبريل عليه الصلاة والسلام أنه قال :"  لا ندخل بيتا فيه كلب أو صورة "، ولأن إمساكها تشبه بعبدة الأوثان، إلا إذا كانت على البسط أو الوسائد الصغار التي تلقى على الأرض ليجلس عليها فلا تكره لأن دوسها بالأرجل إهانة لها، فإمساكها في موضع الإهانة لا يكون تشبها بعبدة الأصنام، إلا أن يسجد عليها فيكره لحصول معنى التشبه ويكره، على الستور وعلى الأزر المضروبة على الحائط، وعلى الوسائد الكبار وعلى السقف، لما فيه من تعظيمها، ولو لم يكن لها رأس فلا بأس؛ لأنها لا تكون صورة، بل تكون نقشا، فإن قطع رأسه بأن خاط على عنقه خيطا فذاك ليس بشيء؛ لأنها لم تخرج عن كونها صورة، بل ازدادت حلية كالطوق لذوات الأطواق من الطيور، ثم المكروه صورة ذي الروح، فأما صورة ما لا روح له من الأشجار والقناديل ونحوها فلا بأس به([31])".

وبهذا يكون اتضح مذهب الحنفية وننتقل إلى مذهب المالكية.

التصوير في مذهب المالكية:

ومذهب المالكية أنه لا يحرم من التصاوير إلا ما جمع الشروط الآتية : الشرط الأول : أن تكون صورة الإنسان أو الحيوان مما له ظل ، أي تكون تمثالا مجسدا ، فإن كانت مسطحة لم يحرم عملها ، وذلك كالمنقوش في جدار ، أو ورق ، أو قماش . بل يكون مكروها . ومن هنا نقل ابن العربي الإجماع على أن تصوير ما له ظل حرام . الشرط الثاني : أن تكون كاملة الأعضاء ، فإن كانت ناقصة عضو مما لا يعيش الحيوان مع فقده لم يحرم ، كما لو صور الحيوان مقطوع الرأس أو مخروق البطن أو الصدر . الشرط الثالث : أن يصنع الصورة مما يدوم من الحديد أو النحاس أو الحجارة أو الخشب أو نحو ذلك ، فإن صنعها مما لا يدوم كقشر بطيخ أو عجين لم يحرم ؛ لأنه إذا نشف تقطع . على أن في هذا النوع عندهم خلافا ، فقد قال الأكثر منهم : يحرم ولو كان مما لا يدوم . ونقل قصر التحريم على ذوات الظل عن بعض السلف([32]).  

وقد نقل ابن عبد البر في تعليقه على حديث " إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة " الحكم أيضا حيث قال : " وقيل في الملائكة ها هنا : ملائكة الوحي، وقيل : بل كل ملك على ظاهر اللفظ، كما أن لفظ بيت على لفظ النكرة يقتضي كل بيت، والله أعلم. وظاهر هذا  الحديث يقتضي الحظر عن استعمال الصور على كل حال كانت، أو في غيره، ومثله حديث نافع عن القاسم بن محمد عن عائشة في النمرقة التي فيها تصاوير، وقد استثنى في حديث سهل بن حنيف، إلا ما كان رقما في ثوب واختلف الناس في الصور المكروهة، فقال قوم : إنما كره من ذلك ما له ظل، وما لا ظل له فليس به بأس، وقال آخرون: ما قطع رأسه فليس بصورة، وقال آخرون : تكره الصورة في الحائط([33])".

ثم يستأنف حديثه في نقل قول الإمام مالك حيث قال : : " وأما اختلاف فقهاء الأمصار أهل الفتوى في هذا الباب، فذكر ابن القاسم قال : قال مالك : يكره  التماثيل في الأسرة والقباب وأما البسط والوسائد والثياب فلا بأس به، وكره أن يصلي إلى قبلة فيها تماثيل ([34])".

وبهذا يكون قد اتضح مذهب مالك، وأنه أيسر المذاهب في الصور، وفيما يلي نتعرض لمذهب الشافعية في الصور والتصاوير.

التصوير في مذهب الشافعية:

أما الشافعية فهم أيضا عدوا صور ذوات الأرواح إن كانت ظاهرة معلقة من المنكرات، وأما صور غير ذوات الأرواح فلا بأس فيها مطلقا، وكذلك صور ذوات الأرواح إن كانت مهانة أو مداسة أو مقطوعة الرأس لا بأس بها مطلقا، غير أنه حكي قول بكراهة صور الشجر،  فقد قال أبرز أئمة المذهب الإمام النووي ـ رضي الله عنه ـ : " ومن المنكرات فرش الحرير وصور الحيوانات على السقوف والجدران والثياب الملبوسة والستور المعلقة، ولا بأس بما على الأرض والبساط الذي يداس والمخاد التي يتكأ عليها، وليكن في معناها الطبق والخوان والقصعة،  ولا بأس بصور الأشجار والشمس والقمر، وفي وجه : يكره صورة الشجر، ولو كانت صور الحيوانات مقطوعة الرؤوس فلا بأس بها على الصحيح، ومنعه المتولي،  وهل دخول البيت الذي فيه الصور الممنوعة حرام أم مكروه ؟ وجهان : بالتحريم قال الشيخ أبو محمد، وبالكراهة قال صاحب "التقريب" والصيدلاني، ورجحه الإمام والغزالي في "الوسيط"، ولو كانت الصورة في الممر دون موضع الجلوس، فلا بأس بالدخول والجلوس، ولا يترك إجابة الدعوة بهذا السبب، وكذا لا بأس بدخول الحمام الذي على بابه صور كذا قاله الأصحاب ([35])".

ونلحظ تشديد الشافعية على صناعة التصاوير لذوات الأرواح خاصة على الحيطان، فقد ذهبوا أنه لا يستحق عليه أجراً، ولا يجوز أن يأخذ عليه أجراً، كما ذكر ذلك أيضا الإمام النووي حيث قال: " يحرم على المصور التصوير على الحيطان والسقوف ولا يستحق أجرة،  وفي نسج الثياب المصورة، وجهان : جوزه أبو محمد؛ لأنها قد لا تلبس، ورجح المنع الإمام والغزالي؛تمسكا بالحديث : "لعن الله المصورين". قلت : الصحيح التحريم والحديث صحيح، والله أعلم، وطرد المتولي الوجهين في التصوير على الأرض ونحوها، وكأن من قال بالمنع ، قال : ليس له أن يصور، لكن إن اتفق يسامح به ولا يجب طمسه، قلت : الصحيح : تحريم التصوير على الأرض وغيرها([36])".  

وكذلك ذكر أيضا العلامة الشربيني ـ من فقهاء الشافعية ـ مسألة وجود التصاوير في مكان الدعوة فقال : " ومن المنكر أن في موضع الدعوة صورة حيوان، آدميا كان أو غيره، كبيرا أو صغيرا، على صورة حيوان معهود كفرس أم لا كآدمي بجناحين، مرفوعة كأن كانت على سقف أو جدار، أو وسادة منصوبة، كما في "المحرر" "والروضة"، وأصلها أو ستر بكسر المهملة بخطه معلق، لزينة أو منفعة أو على ثوب ملبوس؛ لأنه صلى الله عليه وسلم امتنع من الدخول على عائشة رضي الله تعالى عنها من أجل النمرقة التي عليها التصاوير، فقالت : أتوب إلى الله ورسوله مما أذنبت، فقال: "ما بال هذه النمرقة"، فقالت : اشتريتها لك لتقعد عليها وتتوسدها، فقال صلى الله عليه وسلم : "إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون، فيقال لهم أحيوا ما خلقتم، وإن البيت الذي فيه هذه الصور لا تدخله الملائكة ". وقال : " أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون"؛ ولأنها شبيهة بالأصنام  تنبيه قضية كلام المصنف تحريم دخول البيت المشتمل على هذه الصور ([37])".

ثم ذكر فائدة في لعب الأطفال والبنات حيث قال : " فائدة : يستثنى من صورة الحيوان لعب البنات، فلا تحرم، كما في "شرح مسلم" للمصنف، تبعا للقاضي عياض في نقله ذلك عن العلماء؛ ولأن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تلعب بها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم. وحكمته تدريبهن أمر التربية ([38])".

وبهذا يتضح لنا مذهب الشافعية في التصاوير لذوات الروح، وما استثنوا منها وحكمة ذلك، وننتقل الآن لمذهب الحنابلة.

التصوير في فقه الحنابلة:

وللحنابلة قولان في لبس الثياب التي عليها التصاوير وكذلك تعليقها ووضعها لستر الجدار، أما في صناعة التصاوير على الجدران واتخاذها للأبنية والجدران والأسقف فيحرم عند الحنابلة قولا واحدا، فقد نقل ذلك ابن ملفح الحنبلي حيث قال : " ويحرم على الكل لبس ما فيه صورة حيوان. قال أحمد : لا ينبغي كتعليقه، وستر الجدر به، وتصويره، وقيل : لا يحرم، وذكره ابن عقيل وشيخنا رواية، كافتراشه وجعله مخدا، فلا يكره فيهما لأنه عليه السلام اتكأ على مخدة فيها صورة. (رواه أحمد) وهو في "الصحيحين" بدون هذه الزيادة ([39])".

ويقرر هذا أيضا بتفصيل زائد ابن تيمية حيث قال : " لا يجوز لبس ما فيه صور الحيوان من الدواب و الطير، ذلك و لا يلبسه الرجل و لا المرأة، و لا يعلق ستر فيه صورة، و كذلك جميع أنواع اللباس، إلا الافتراش، فإنه يجوز افتراشها، هذا قول أكثر أصحابنا، وهو المشهور عن أحمد. قال في رواية صالح : الصورة لا ينبغي لبسها، و قال في رواية : الأثرم: وسئل عن الستر يكون عليه صورة قال : لا. وما لم يكن له رأس فهو أهون و إن كان له رأس فلا. و قال أيضا : إنما يكره منها ما علق، وقال أيضا : إنما يكره ما كان نصبا ،و إذا كان تمثالا منصوبا يقطع رأسه، و قال في الرجل يصلي وفي كمه منديل حرير فيه صور : أكرهه، و قال التصاوير : ما كره منها فلا بأس، و سئل عن الرجل يصلي على مصلى عليه تماثيل، فلم ير به بأسا، و قال أيضا : إذا كانت توطأ فلا بأس بالجلوس عليها، و عنه : إن الصور التي على الثياب تكره، و لا تحرم. قال في رواية و قد سئل عن الوليمة : يرى الجدران قد سترت أيخرج قال : قد خرج أبو أيوب و عبد الله بن يزيد. قيل وإذا رأى على الجدران صورا يخرج، فقال : نعم قيل له فإن كان في الستر، فقال : هذا أسهل من أن تكون على الجدران، لا تضيق علينا و ضحك، و لكن إذا رأى هذا وبخهم و نهاهم فقد نص على التفريق بين الصور في الثياب فحرمها في الجدران و كرهها في الثوب. 

و كذلك قال ابن أبي موسى جميع التماثيل الصور في الأسرة و القباب و الجدران ذلك مكروهة عنده، إلا إنها في الرقم أيسر، و تركه أفضل و أحسن، وكذلك قال ابن عقيل : يكره لبس ما فيه صور حيوان و لا يحرم. و أما صنعتها و اتخاذها الثوب و الأبنية و نحوها مثل السقوف والحيطان و الأسرة أو اصطناعها مجسدة للبنات ذلك فيحرم ذلك كله قولا واحدا ([40])".

وكذلك كان هذا ما ذهب إليه ابن قدامة حيث قال في كلامه عن الذي دعي إلى وليمة ورأى في مكان الدعوة مثل هذه الأشياء : " فإن رأى نقوشا وصور شجر ونحوها فلا بأس بذلك؛      لأن تلك نقوش فهي كالعلم في الثوب، وإن كانت فيه صور حيوان في موضع يوطأ أو يتكأ عليها كالتي في البسط والوسائد جاز أيضا، وإن كانت على الستور والحيطان وما لا يوطأ، وأمكنه حطها أو قطع رؤوسها فعل وجلس، وإن لم يمكن ذلك انصرف، ولم يجلس وعلى هذا أكثر أهل العلم ([41])".

وبهذا يكون قد اتضح مذهب الحنابلة، ويكون قد تم النقل عن المذاهب الأربعة المعتمدة في الفقه الإسلامي

التصوير في الفقه المعاصر:

إن انتشار ما كان في الفقه الإسلامي حذر وتشديد من أغلب الفقهاء، يتحول إلى تخفيف في عصرنا هذا، وهذا ليس تخاذلاً في الدين، إذ ليس بوسع عالم من المسلمين أن يخرج عن الكتاب والسنة والإجماع، وإن خرج فلا يعتبر هو ولا علمه.

ومن أمثلة هؤلاء محمد عبده إذا قال : " "وبالجملة يغلب على ظني أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرم وسيلة من أفضل وسائل العلم بعد التحقق أنه لا خطر منه على الدين لا من جهة العقيدة ولا من جهة العمل".

وعلى ذلك فالعقيدة الإسلامية لم تحرم عمل الصور إذا كان الغرض منها الزينة المباحة أو إقرار حقيقة علمية أو شرعية، ويؤكد ذلك ما تركه المسلمون منذ فجر الإسلام إلى الآن من آثار تزخر برسوم الكائنات الحية التي بعدت عن المحاكاة بعدًا واضحًا ".

ولعل ما ذهب إليه محمد عبده لا يمثل مذهبا علميا مدللا عليه، فهو لا يعدو أن يكون وجهة نظر لعله نظرها قبل استقصاء الأدلة. أما ما ذهب إليه الشيخ القرضاوي فكان أسد فيما نعلم([42]).

ولعل الناظر إلى كلام الفقهاء المعاصرين يجد فيه تساهلا أكبر من كلام القدماء، ولكن الأمر ليس كذلك فإن العقلية الإسلامية عقلية شرعية متعبدة في المقام الأول، وتتعايش مع الواقع وتبرهن للعالم أن الإسلام دين سوف يستمر ويظل أتباعه يعبدون الله وحده بغير حرج في هذه الدنيا.

وما ذهب إليه الشيخ القرضاوي هو ما نراه مناسبا من الآراء الفقهية، حيث هو الأوفق والأرفق بالمسلمين في هذه الأيام.

الصورة الفوتوغرافية في الإسلام:

ونختم هذا الفصل بالحديث عن الصورة الفوتوغرافية التي قد يظن أنها دخلت في حكم التصوير، والأمر ليس كذلك لأن التصوير المقصود في كل ما سبق هو التماثيل وصورها، أما الصورة الفوتوغرافية التي تؤخذ بآلة الفوتوغرافيا – فهي شيء‌مستحدث لم يكن في عصر الرسول ، و لا سلف المسلمين ، فهل ينطبق عليه ما ورد في التصوير و المصورين؟

ولعل الصواب في هذه المسألة هو ما أفتى به الشيخ محمد بخيت ([43]) ـ رحمه الله ـ مفتي مصر السابق من أن : « أخذ الصورة بالفوتوغرافيا – الذي هو عبارة عن حبس الظل بالوسائط المعلومة لأرباب هذه الصناعة – ليس من التصوير المنهي عنه في شيء ، لأن التصوير المنهي عنه هو إيجاد صورة و صنع صورة لم تكن موجودة و لا مصنوعة‌من قبل ، يضاهي بها حيواناً خلقه الله تعالى ، وليس هذا المعني موجوداً في أخذ الصورة بتلك الآلة » . ( يؤكد هذا تسمية أهل الخليج الصورة «عكساً » و المصور « عكاساً » .

أما الذين يصرون على التحريم على التماثيل « المجسمة » فلا يرون شيئاً في هذه الصور، وخصوصاً إذا لم تكن كاملة‌.

و أما على رأي الآخرين فهل تقاس هذه الصور الشمسية على تلك التي تبدعها ريشة الرسام؟ أم أن العلة ‌التي نصت عليها بعض الأحاديث في عذاب المصورين – و هي أنهم يضاهون خلق الله – لا تتحقق هنا في الصورة الفوتوغرافية ؟ و حيث عدمت العلة عدم المعلول كما يقول الأصوليون.

هذا، و من المقرر أن لموضوع الصورة أثراً في الحكم بالحرمة أو غيرها . و لا يخالف مسلم في تحريم الصورة إذا كان موضوعها مخالفاً لعقائد الإسلام ، أو شرائعه و آدابه ، فتصوير النساء عاريات ، أو شبه عاريات ،‌و إبراز مواضع الأنوثة و الفتنة منهن ، ورسمهن أو "تصويرهن" في أوضاع مثيرة للشهوات ، موقظة للغرائز الدنيا ، كما نرى ذلك واضحاً في بعض المجلات والصحف، ودور « السينما » ، كل ذلك مما لا شك في حرمته ، وحرمة‌تصويره ، و حرمة نشره على الناس،‌ وحرمة اقتنائه واتخاذه في البيت أو المكاتب و المحلات ، و تعليقه على الجدران ، وحرمة القصد إلى رؤيته ومشاهدته .

و مثل هذا صور الكفار و الظلمة و الفساق ، الذين يجب على المسلم أن يعاديهم في الله ، فلا يحل لمسلم أن يصور أو يقتني صورة لزعيم ملحد ينكر وجود الله ، أو وثني يشرك مع الله البقر أو النار أو غيرها ، أو يهودي أو نصراني يجحد نبوة محمد ( صلي الله عليه و آل و سلم )، أو مدع للإسلام و هو يحكم بغير ما أنزل الله ، أو يشيع الفاحشة و الفساد في المجتمع.

و مثل هذا : الصور التي تعبر عن الوثنية أو شعائر بعض الأديان التي لا يرضاها الإسلام كالأصنام و ما شابهها([44]) .

وبهذا نكون قد أتينا على مسائل التصوير في الفقه الإسلامي في القرآن والسنة والمذاهب الفقهية في الفقه المعاصر، وأرجو أن يكون هذا البحث سببا في توضيح المسألة علميا توضيحا، وتتسع له قلوب المسلمين، وينفعني يوم الدين.

الخاتــــمة

مما سبق يتبين لنا أن الإسلام ليس مصادرا على الإبداع البشري، ولكن الذي لابد أن يعلمه المسلمون أن الإسلام حكما، وحكمه العدل والصواب، وليس حكمه ينظر فيه هل هو صواب أم غير صواب، ولا يجوز أن يفعل ذلك إلى غير المسلمين أما المسلمين فيقولون سمعنا وأطعنا.

كما رأينا فإن الدين الإسلامي يتمثل في القرآن والسنة وفهم الفقهاء القدامى والمعاصرين.

فقد علمنا في هذا البحث علاقة الإسلام بالجمال، وكذلك علاقة الفن بالجمال، وعلاقة الإسلام بالفن، وكيف أن الإسلام كان له فنونه الخاصة به، وعلمنا قيمة الفن في حياة المسلمين والعرب.

كما تناولنا في هذا البحث المتواضع الفنون السمعية، فتكلمنا عن الغناء منفصلا، ونقلنا ما قيل فيه من أحكام شرعية، واتضح لنا أن أغلب علماء الأمة على جواز، والغناء بغير موسيقى، وأنه لا إثم فيه إذا خلا من الألفاظ المرذولة.

كما تناولنا أيضا الموسيقى كفن مستقل، ورأينا أن أغلب علماء الإسلام يرون حرمة معظم آلات اللهو والموسيقى وما أجازوا منه إلا القليل كالدف والطنبور والطبول وفي أوقات خاصة وليس كل الأوقات، كما علمنا أيضا أن من علماء السلف والخلف من أباح سماع الموسيقى مطلقا ومنهم من قال : إنه من استطاع أن يستخرج منها العبرة فهو حسن، فالحاصل أن الاستماع إلى الموسيقى مسالة خلافية، ومن أراد أن يلتزم الورع وينزه سماعه عنها يفعل، وهو على خير، ومن أراد أن يترخص فليترخص ولا حرج، ولا ينكر هذا على هذا تورعه، ولا ينكر هذا على هذا ترخصه، ويظل المسلمون أمة واحدة.

ثم تكلمنا عن الفنون المرئية عامة وخصائصها في الإسلام، ثم فصلنا القول في التصوير وحكم الإسلام فيه، ورأينا كيف تعامل الشرع مع التصوير، وانتهينا بأن التماثيل المقامة للتعظيم هي محرمة باتفاق القدماء والمحدثين، وأن الصور التي ليس لها ظل، أي المسطحة، هي المباحة كما عند الإمام مالك، ورأينا أن الصور الفوتوغرافية مباحة كما ذهب إلى ذلك العلامة محمد بخيت المطيعي، والشيخ القرضاوي، ولم نتكلم عن المذاهب الفقهية فيها لأنها محدثة فلم يرها علماؤنا القدماء، وبهذا نكون قد أجملنا القول ومررنا بشيء من التفصيل على الفنون الإسلامية، وما يهم المسلمون في هذا الزمن وما يكتنفه من تحديات. وأرجو من الله القبول.


([1]) سورة البقرة، الآيات : 30 : 33.

([2]) سورة النحل، الآية : 6.

([3]) لسان العرب، ج 11، صـ 126.

([4]) سورة النحل، الآيات : 5 : 8.

([5]) سورة الحجر، الآية : 16.

([6]) سورة النمل، الآية : 60.

([7]) رواه أحمد في مسنده، ج 1، صـ 399، طـ مؤسسة قرطبة، وأخرجه مسلم في صحيحه، ج 1، صـ 93، طـ دار إحياء التراث العربي.

([8]) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ج 8، صـ 23، طـ دار الكتاب العربي.

([9]) سورة الحج، الآية : 46.

([10]) لسان العرب، ج 13 صـ 326.

([11]) مختار الصحاح، ج 1، صـ 215.

([12]) (متفق عليه).

([13]) سورة السجدة الآية : 7.

([14]) سورة الملك، الآية : 3.

([15]) سورة النمل، الآية : 88.

([16]) سورة الفرقان الآية : 67.

([17]) رواه أحمد في مسنده، ج 6، صـ 167،طـ مؤسسة قرطبة، والبخاري في صحيحه، ج 4، صـ 1925 طـ اليمامة، ومسلم في صحيحه، ج 1، صـ 546، طـ دار إحياء التراث العربي، واللفظ للبخاري.

([18]) سورة الإنسان، الآيات : 11 : 14.

([19]) سورة الإسراء، الآية : 36.

([20]) سورة الإسراء، الآية : 36.

([21]) من واقع مقالات على الإنترنت من موقع إسلام أون لاين www.islam-online.net مقال مدخل عن إسلامية الفنون بقلم:د/ أسامة القفاش.

 

([22]) مختار الصحاح، ج 1، صـ56.

([23]) لسان العرب، ج4، صـ 473.

([24]) أخرجه مسلم في صحيحه، ج 3، صـ 16560 ، دار إحياء التراث العربي.

([25]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج 5، صـ 2220 ، طـ الثالثة دار اليمامة.

([26]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج 5، صـ 2220 ، طـ الثالثة دار اليمامة.

([27]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج 5، صـ 2221 ، طـ الثالثة دار اليمامة.

([28]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج 2، صـ 742 ، طـ الثالثة دار اليمامة.

([29]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج 3، صـ 1179 ، طـ الثالثة دار اليمامة.

([30]) البحر الرائق لمحمد بن بكر الحنفي، ج2 ، صـ 29 ، ط دار المعرفة.

([31]) بدائع الصنائع لعلاء الدين الكاساني ، ج5 ، صـ 126 ، طـ دار الكتاب العربي.

([32]) الموسوعة الفقهية الكويتية من موقع مؤسسة "حرف" على الإنترنت حرف التاء   www.al-islam.com  .

([33]) التمهيد لابن عبد البر، ج 1، صـ 301، 302 ، طـ وزارة عموم الأوقاف والشئون الإسلامية.

([34]) نفس المصدر، والصفحة.

([35])روضة الطالبين للإمام النووي، ج 7، صـ 335، 336، طـ المكتب الإسلامي.

([36]) نفس المصدر، والصفحة.

([37]) مغني المحتاج للشربيني، ج3، صـ 247، طـ دار الفكر.

([38]) نفس المصدر، الصفحة 248.

([39]) الفروع لابن مفلح، ج 1، صـ 311، طـ دار الكتب العلمي.

([40]) شرح العمدة لابن تيمية، ج4، صـ387، 388، طـ مكتبة العبكيان.

([41]) المغني لابن قدامة، ج7، صـ215، 216، طـ دار الفكر.

([42]) حيث عرض الدكتور يوسف القرضاوي  هذا الموضوع في " الإسلام والفن " عرضا وافيا . ثم قال ـ مرجحا ـ : " فالأرجح قصر التحريم على المجسم ، و أما صور اللوحات المسطحة على الورق ، أو الجدران ، أو الخشب و نحوها ، فأقصى ما فيها الكراهية التنزيهية، كما ذكر الإمام الخطابي ، إلا ما كان فيه غلو و إسراف ،‌كالصور التي تباع بالملايين و نحوها . و يستثنى من المجسم المحرم : لعب الأطفال . من الدمى و العرائس و القطط و الكلاب و القرود  نحوها ، مما يتلهى به الأطفال ، لأن مثله لا يظهر فيه قصد التعظيم، و الأطفال يعبثون بها. ودليل ذلك حديث عائشة أنها كانت تلعب بالبنات ( العرائس ) ، و إن صواحب لها كن يجئن إليها فيلعبن معها . و كان الرسول الكريم يسر لمجيئهن إليها .  

([43]) في رسالة « الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي » .

([44]) الإسلام والفن للدكتور القرضاوي.

 

الفن في ميزان الإسلام

الأستاذ الدكتور عبد الملك منصور حسن المصعبي

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
 

09/07/2014

فنون عربية وعالمية