محمد الفارس: باحث من تونس في الفنون التشكيلية بصدد إعداد دكتوراه بعنوان: التشكيلي والفرجوي في فن الاداء من خلال تجارب تونسية معاصر.

 
 
  • فن الشارع في تونس هو فن نمى في الأماكن العامة والشوارع خاصة بعد الثورة فظهر في شكل رسمي احتضنته المؤسسات الثقافية والتعليمية كذلك ظهر في شكل ممارسة حرة تنفذه مجموعات  فنية اختارت الشارع كفضاء تعبير فضم خليطا من الأجناس الفنية كالغرافيتي والعروض الأدائية ومسرح الشارع... وكان أسلوبا فنيا جديدا لم يعهده الشارع التونسي ومنح فئة شابة من الفنانين تحمل تطلعات فنية وثقافية تحديثية فرصة اللقاء المباشر مع المتلقي العابر على حد واسع، وقد تعددت القضايا والمواضيع المطروحة بأسلوب يغلب عليه الارتجال والجرأة في تمرد على الفن المؤسساتي الخاضع للسوق الفنية بطريقة تقليدية في الإنجاز والعرض ولنا أمثلة من التجارب التونسية التي اتخذت من الشارع فضاء للتعبير و سعت إلى إدراج الفن في الواقع ليصبح فعلا اجتماعيا وسياسيا. فظهر فن الشارع في المجتمع بصفة مباشرة ما من شأنه إحداث نوع من الاضطراب على المسار العادي للحياة اليومية لتضمحل صورة الفنان لصالح فعل تواصلي يحترفه لخلق علاقات اجتماعية آنية مباشرة لدرجة أن "بول أردان" Paul Ardenne يسميه "الحرفي الإجتماعي"artisan social  [1]

فخرجت مفيدة فضيلة إلى شارع الحبيب بورقيبة بتونس العاصمة أمام المسرح البلدي في  ماي 2011 لتحول الإضطراب السياسي الذي تشهده البلاد إلى عمل فني، فبدت في زي الشخصية الكارتونية الهوليودية الموسومة "الرجل الخارق" SUPER MEN رافعة لافتة كتب عليها "التونسي الخارق" وطالبت الحاضرين انتخابه عبر الاقتراع حتى يتولى شؤون البلاد لما له من حنكة سياسية وقوة خارقة، وذلك بعد الإطلاع على نص فيه خصاله، ولكن المارة لم يتعودوا على هذه التدخلات العفوية للفنانين، فكان رد بعضهم عنيفا لفضيا وجسديا ومزقوا لافتتها وأجبروها على المغادرة، كذلك خرج البشير قرشان للشارع سنة 2011 بعد سقوط النظام الاستبدادي في تونس ودهن العلم التونسي بالأزرق ماستفز العديد من المارة ومنهم محامون هددوه برفع قضية ضده بتهمة الإعتداء على العلم رمز  الدّولة. كذلك يمكن أن نذكر مجموعة "فني رغما عني " وهي مجموعة شابة قامت على أساس رفض التهميش الذي يعيشه شبان الاحياء الشعبية ويقدمون عروضهم الأدائية في الشارع فتحمل شحنة استفزازية من شانها إثارة غضب العامة كما في عرض قدموه بالكاف في ماي 2013 بعنوان "قتلوه" إشارة إلى الإغتيالات السياسية،  فارتدوا ثيابا بيضاء وكانوا عراة الصدور ورفعوا صورة ضخمة للناشط السياسي "شكري بالعيد" بالإضافة إلى شعارات منها "ألغام" و"قتلوه"  فلطخوا أرديتهم بألوان شتى، وانتهى العرض بالاعتداء عليهم من مجموعة من الحاضرين وحطموا ما يحملونه من صور وشعارات وتم اقتيادهم إلى مركز الشرطة بتهمة التشويش والتجاهر بما ينافي الحياء بعد أن رفعت ضدهم شكاية زعم فيها بعض المواطنين أن هؤلاء الفنانين كانوا بلباس فاضح وأنهم سكبوا الطلاء على المارة.

يضعنا هؤلاء الفنانون وما هم إلا على سبيل الذكر لا الحصر  من خلال اعمالهم الفنية في وضعية ذهنية، فتكون للمشاهد رؤيته النقدية تجاه رموز وعلامات مشفرة، حاملة لرسائل، ففي اعمالهم نستشف مساءلة للواقع سواء على المستوى الجمالي بتحدي التقنيات التقليدية وتقديم ادوات فنية معاصرة أو على المستوى الذهني بتقديم مواضيع اجتماعية واخلاقية وغيرها من المواضيع التي لها علاقة بحياة الانسان في مجتمعه، فتعبر اعمالهم عن جراة فنية تضعنا امام التساؤل عن علاقتنا بالقوانين والمحضورات وعن الذوق السائد، وتتجاوز الممنوع وتجعله في مرآة الفن بما لا يتماشى احيانا مع افق انتظار المشاهد، فتكون اعمالهم نقلة من الاعتيادي الى المفاجئ ومن ذاك تكمن جراة أعمالهم التي تبعث على الغرابة والمفاجاة، والغير المتوقع. فجعل الحياة الواقعية مادة للفن هو في حد ذاته يتطلب جراة خاصة بالإضافة إلى تضمن أعمالهم  نقدا اجتماعيا وسياسيا لا يخلو من الجرأة والمجازفة التي كانت بالإمكان ان تكلفهم عقوبة السجن ما يتماشى مع مقولة "اوتو موال" Otto mohel  الذي كلفته جرأته الفنية سنوات من السجن وذلك لتعديه التقاليد الاجتماعية والأعراف الدينية والنظم السياسية لبلده فيقول: " دائما يكون للفنان الحقيقي، قدم في السجن"[2]

وذلك كتأكيد على ضرورة أن يكون العمل الفني جريئا في تناوله للقضايا الاجتماعية والدينية والسياسية وغيرها من الميادين حتى يكون نافذا في ادراك المتلقي   ومستفزا لحواسه وذهنه.

تجدر الإشارة في هذه المداخلة إلى أن فن الشارع في تونس كان فعلا شرعيا أجازته التحولات الإجتماعية والسياسية وكذلك الفنية بتسلسل زمني، فمن حق الفن اليوم أن يكون وليد مجتمعه وأن يكون فن الشعب بما أن المعاصرة تقتضي معايشة حيثيات الواقع والمشاركة في صنعه وللفنان نصيبه في ذلك. والممارسات الفنية التي نراها اليوم في الشارع التونسي هي صراحة ليست وليدة الثورة التونسية وإنما كانت الثورة مادة مثالية للفنانين لجعل فنهم أكثر معايشة للواقع والتطورات الإجتماعية والسياسية ومكنتهم من لقاء الجماهير التي هي كذلك جعلت من الشارع فضاء تظاهر وتعبير. فوجد فنانو الأداء مادتهم في الفعل الثوري وكأنه حلم قد تحقق بعد ان كانت العروض الأدائية مجرد فكرة لم يجرأ على تجسيدها وجعلها واقعا إلا ثلة من الفنانين  كالأعمال التي أنجزت في إطار تظاهرة الأيام الدراسية والتطبيقية للمسرح والفنون المرئية بسوسة أو تلك التي كانت في إطار التظاهرة السنوية التي تقام بتونس العاصمة بعنوان "حلم المدينة" Dream city" وذلك من قبل الثورة.

الممارسة الفنية في الشارع قائمة أساسا على نسج العلاقات والمشاركة وفيها دعوة لاختبار الواقع ومنفتحة على الحراك الإجتماعي وللمتلقي فيها حرية التجربة والتفاعل، لدرجة اعتبار فعل التلقي فعل مواطنة بما أنه مدعو ليس للمشاركة فحسب وإنما كمواطن قادر على التفاعل مع محيطه ومجتمعه لنصل إلى حد اعتبار العمل الفني تمرينا في المواطنة والتعايش الجماعي. فتكون الوسائل الفنية مأخوذة من الحياة الواقعية ومن المجتمع بمساءلة الواقع ونقده فيكون فنا موجها للسواد الأعظم وليس عملا نخبويا حكرا على العارفين والدارسين للفن.وبما أن حقل الممارسة الفنية صار حقلا اجتماعيا وسياسيا أضحى الفنان في مواجهة مع معطيات مادية ملموسة تنسج علاقات وذلك ما يسميه "نيكولا بوريو" Nicolas Bouriaud بالفن العلائقي art relationnelle   وهو الفن الذي يكون علاقات انسانية حيث يقول" لا يكون للشكل الفني تواجدا حقيقيا إلا حين يتأسس على التفاعلات الإنسانية"[3]

وتقوم هذه الجمالية العلائقية على اكتشاف وتوظيف الواقع عبر العمل الفني لأنه واقع متحول ومتحرك يصبح فيه هذا العمل الفني تجربة. وهذه التحولات المستجدة على الحقل الفني قد دعت إلى مراجعة ماهية الفنان الذي لم يعد ذاك الموهوب والمبدع الساكن في عليائه وإنما هو ذاك المجرب والإنسان العادي مؤكدا في كل حين فكرة الفن للجميع.


[1]

Paul Ardenne, l’art dans son moment politique, Bruxelles, la lettre volée, 1999, page 228

[2]

L’audace en art, collection dirigée par Dominique Barthet, Dominique Château, Giovanni Joppolo, Bruno Pequignot, Harmattan, 2005, page 15

 

  •  

  •  

  • فن الشارع في تونس بين ثقافة التغيير وفعل التثوير
    محمد الفارس من تونس ، باحث في الفنون التشكيلية بصدد إعداد دكتوراه بعنوان: التشكيلي و الفرجوي في فن الاداء  من خلال تجارب تونسية معاصر

     

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
 

02/04/2014

فنون عربية وعالمية