معلقة الندوة
نجوى قولاق ، شكرى عزيز ، فاتح بن عامر و إبراهيم العزابي
 
 
الدكتور سامي​ بن عامر يقدم شهادة مشاركة في الندوة للدكتورة نجوى قولاق
الدكتور سامي بن عامر يقدم شهادة مشاركة في الندوة للباحثة جوهرة بوبكر
عواطف منصور ، إبراهيم العزابي و سامي بن عامر
الفنان التشكيلي إبراهيم العزابي يقدم شهادة للباحث طلال قسومي
الخزافة و الباحثة عواطف منصور
شيماء الزعفوري باحثة شاركت في الندوة
شكرى عزيز فنان تشكيلي و باحث
 
 

هذا المقال كتبته د. نجوى قولاق في إطار ندوة لذلك إختيرت مجموعة من الصور لهذه الندوة إضافة إلى المعلقة.

 
 
 
  •  

  •  

  • يطرح هذا المقال مسألة القيمة الفنية في علاقتها بالمؤسسات الفنية بالبلاد التونسية مع تحديد بعض الصعوبات لعملية تقييم العمل الفني جماليا وماديا ثم تقديم بعض الحلول الممكنة لرعاية الفن وتثمينه.

    تأتي قيمة أي عمل فني عندما يكون ناجحا في حد ذاته. إذ أن ما يكتب عن الأثر له قيمة إلى جانب الأبعاد المادوية و التقنية وبصفة خاصة أصالة الفعل التشكيلي من حيث أنه منتج للأثر الفني الأصلي. فإلى جانب القيمة الجمالية تقدر قيمة العمل الفني بـثمن ما بالإعتماد على عدة معطيات يكون للمؤسسات دور في تكوينها.
    فقد يمتلك عمل فني قيمة ولا يتم إثباتها ، لذلك نجد بعض الأعمال الفنية أحدثت تغييرا في تاريخ الفن في حين أنها زمن إنجازها كانت مرفوضة. السبب هو غياب المؤسسة النقدية المحترفة التي تقوم بتثمين العمل الطلائعي على أسس علمية تسمح بقراءته حسب ما يطرحه من إشكاليات تثبت أصليته من حيث إنتاجه لمعنى مغاير. إذ أن عملية التقييم
    والتحليل من قبل مختصين وباحثين تكشف عن قيمته الجمالية ثم ما يقابلها من قيمة مادية.
    كما أن المعلومات المتوفرة حول العمل الفني تزيد من قيمته بشكل واضح والمتمثلة في عملية نشره أو عرضه أو ما إذا كان موضوع دراسة أو بحث. فكلما زاد الإهتمام بالأثر الفني كلما زادت قيمته. إلى جانب مسيرة الفنان ومدى إشعاعه على المستوى المحلي والعالمي. لذلك أرى أن دور المؤسسات النقدية والأكاديمية هام جدا في تكوين هذه القيمة الفنية.


إلى جانب هذه المؤسسات الأكاديمية وما تنتجه من أبحاث عن العمل الفني يأتي دور مؤسسات الإعلام و ما تنشره من مقالات.
وما لاحظته في تونس أن الفضاءات الإعلامية تخص بصفة واضحة بعض الفنانين  وتقوم بتكثيف حضورهم، بينما تمنع هذه الفضاءات أحيانا على الفنان الواعي بأبعاد ممارسته الفنية، وبذلك فهي تساهم في إقصاء الفنان الذي يقوم بدوره عبر المساءلة والطرح المغاير وتعرقل مسار تطور الأثر الفني وأسبابه ومظاهره. لذلك، إن دور المؤسسة الإعلامية هام من هذا المنطلق في تكوين القيمة الفنية وبناء الذوق الجماعي.
ثم إن لقاعات الفن التشكيلي أيضا دور هام في تثمين العمل الفني . حيث يطرح السؤال حول المعايير التي تحكم سياسات هذه القاعات، ومدى تحكم الجوانب المادية في ما تقدمه من فنون بصرية، خصوصا أنها في بعض الأحيان تستند إلى مقاييس شعبوية، وتنحاز إلى متطلبات السوق الخاضعة بدورها للذوق العام والسائد ونظرة المجتمع إلى الفن، وهذا يتناقض مع التوجهات الفكرية والقناعات الشخصية للفنانين في أغلب الحالات. لذلك نلاحظ أن بعض أصحاب الأروقة يسعون أحيانا إلى التوفيق بين ما هو مناسب لآليات السوق من ناحية، ومدى القيمة الفنية مما يسمح لها بالإستمرار.
وإذا توقفنا عند المشهد التشكيلي بتونس نلاحظ أنه يتميز بتعدد الرؤى وما تنتجه من جماليات، وهذا المشهد يستوعب الكثير من الاتجاهات المعاصرة التي أصبحت تشكل جزءا هاما منه، بما تقدمه هذه الاتجاهات من أعمال الفيديو والفوتوغرافيا وفن الشارع … والسؤال الذي يطرح: هل غير حضور هذا النمط من الفنون المعاصرة وجهة السوق الفنية و جعل معايير تحديد القيمة الفنية تأخذ أبعادا أخرى أم لا ؟ . صعب جدا أن أجيب عن هذا السؤال لأنه لا وجود لمعايير واضحة سابقا تمثل مادة لإعادة النظر و المساءلة …
إذ في الواقع ليست القيمة الجمالية وحدها ما يحدد ثمن اللوحة بل هناك العديد من العوامل التي لم يتم تحديدها أو دراستها فيما يخص هذه المسألة …


إذ تجمع قاعات العرض الفنانين والنقاد و الإعلاميين وزائرين عاديين وأحيانا مسؤولين في وزارة الثقافة، ورغم ذلك نادرا ما يثير أحدهم بصفة جدية و فعلية مسألة آلية تسويق العمل التشكيلي، ومسألة دعم الفنان، خاصة أن عددا لا بأس به من التشكيليين إختار الفن مهنة أساسية تمثل مصدرا لدخله المادي.
إذ يعتمد معظم الفنانين في تونس على علاقاتهم الشخصية وصداقاتهم في ترويج أعمالهم لأن المؤسسات الداعمة تكاد تنحصر في وزارة الثقافة…
و حول آلية تسعير الأعمال الفنية إن الفنان اليوم في تونس هو الذي يسعر لوحته، ولا يعتمد في هذه المسألة على أي طرف مختص. بل يقوم بتسعير أعماله معتمدا على تقديره الشخصي. في حين أن سعر الأثر الفني يقوم على مستوى الفنان الإبداعي، على ثراء مسيرته الفنية، على ما إذا كان الفنان يتطور في بحثه التشكيلي و يقدم الإضافة دون السقوط في التنويع الشكلاني والسطحي. فمن المفروض أن ترتفع أسعار أعماله تدريجيا بتوفر هذه المعطيات.
وهناك ظاهرة ملحوظة في الأوساط الفنية تؤثر في قيمة الأثر وهي أنه كلما رحل فنان إلا وإرتفعت أثمان أعماله و تكثر المناسبات لتكريمه فلم لا يتم هذا أيضا في حياته ليتمتع بجهده و نتاج إبداعاته !!! إذ لدينا في تونس من الفنانين الكبار من يعيش في حالة لا تليق بفنان.


إضافة إلى ذلك وفي نفس سياق مسألة تسعير العمل الفني إن ما لا حظته أن الفنانين الشبان يعتمدون في تسعير أعمالهم على أسعار الفنانين الذين لهم تاريخ ورصيد فني زاخر، فبعض الفنانين الشباب يعتقد أنه كلما إرتفع السعر فإن ذلك يمنح العمل الفني أهمية أكبر، وأرى أن ذلك أحد أسباب العزوف عن شراء الأعمال الفنية بينما المطلوب في البداية هو التدرج في رفع الأسعار حسب تاريخية السيرة الذاتية وثرائها إضافة إلى نجاح العمل الفني في حد ذاته.
كما أن لتجار وجامعي الأعمال الفنية دور كبير في الإعتراف وتشجيع الفنانين و بالتالي في تحديد القيمة الفنية وهم قليلون في تونس.


لذلك حالة من الركود يشهدها سوق الفن التشكيلي منذ سنوات ويظهر ذلك جليا مع تكاثر عدد الفنانين الناتج عن إحداث العديد من مؤسسات التعليم العالي الفني إلى جانب تكاثر أيضا عدد الفنانين العصاميين. فلا يمكن أن نتحدث عن وجود سوق حقيقية ومنظمة للفن التشكيلي بتونس ويرجع ذلك لأن المقبلين على إقتناء الأعمال الفنية هم من الهواة أو من السائحين المارين يقتنون أعمالا صغيرة الحجم لكي يتمكنوا من نقلها في حقيبة السفر. فلا توجد حركة بيع وشراء من قبل أشخاص أو مؤسسات تجارية بصفة واضحة ومستمرة.
حيث أثر هذا الوضع بشكل سلبي في الفنانين الشباب المتخرجين حديثا من معاهد الفنون لأنهم لم يجدوا فضاءا فنيا محكم التنظيم.
ومما ساهم أيضا في ظهور شيء من الفوضى أمام تكاثر عدد الفنانين هو التنويع الشكلي وغياب النضج الفني حتى على مستوى تنظيم المعارض حيث تختلف العناوين وتحضر نفس الأعمال.


إلى جانب كل ذلك إن أخطر أشكال سوء الفهم للفن التشكيلي هو أن يُنظر إليه باعتباره جزءا من الديكور، وليس باعتباره أثرا يؤسس لفكر وينتج جمالية معاصرة. إذ لا توجد مؤسسة تثمن الفنان الباحث عن التجديد من مختلف الجوانب بدءا من الإهتمام بإنشائية أعماله الفنية داخل الورشة إلى أن تصل إلى مرحلة العرض والنقد ثم التسويق.
لذلك، أرى أنه من الضروري إحداث مؤسسات للتوثيق والنقد البناء لأعمال الفنانين التشكيليين لتكوين ذاكرة جماعية للأعمال الفنية التونسية بالإضافة إلى تكوين هيئة تهتم بمسألة حقوق الملكية الفكرية حتى تضمن عدم إستنساخها.
فمن المتوقع أن لا يكون هناك تفاعل بين مختلف الأطراف المؤسسة لسوق الفن في ظل غياب التوثيق الذي يعرف بالفنان ويثري الجانب النظري والمعرفي للفن.
أما بالنسبة لإقامة مزادات عالمية في تونس فلا يمكن أن يحدث ذلك إلا في صورة ربط علاقات مع الجهات الدولية المتخصصة و يمكن أن تأخذ نقابة الفنانين التشكيليين أو الإدارة العامة للفنون التشكيلية على عاتقتها هذه المهمة إلى جانب تحفيز رجال الأعمال التونسيين للمساهمة في تطوير حركة الفن التشكيلي في بلادنا.


إن العلاقة بين الفنان والمؤسسة الفنية ينبغي أن تساهم في نمو الذائقة الفنية وإرساء قاعدة لحركة إقتناء تستجيب لحركة تطورالفن. وإن المتتبع للشأن الثقافي ببلادنا سيلاحظ أن قطاع الفنون التشكيلية يعاني من عدة عراقيل وأؤكد على أهمية تحديد هذه الصعوبات  وإدراجها في برنامج العمل بوزارة الثقافة لسنة 2014 للنظر فيها.
وإن هذه الصعوبات متمثلة في نقص عدد قاعات العرض، وغياب القوانين والتشريعات وسوء تنظيم السوق الفنية، ونقص فرص الدعم للفنان الذي يستحق الدعم.
إن إصلاح قطاع الفنون التشكيلية يتطلب وضع خطة عمل واضحة الأهداف ترتكز بالأساس على النقاط التالية: إحداث إطار قانوني يساهم في تأطير السوق الفنية و حمايتها من الدخلاء على الميدان، مع تكثيف آليات المراقبة لمواجهة عملية استنساخ الإبداعات الأصلية وإيجاد قوانين واضحة تنظم وتحمي المنتوج الفني وتفتح باب الإستثمار بشكل محكم ودقيق. ثم توفير البنيات التحتية الممتمثلة في قاعات العرض التي تستجيب لمتطلبات العمل الفني المعاصر وضمان ترويج المنتوج الفني وتمكين المبدعين من فضاءات للعرض في ظروف جيدة. إضافة إلى ذلك تشجيع القطاع الخاص للإستثمار في المجال الفني التشكيلي، لاسيما أصحاب الأروقة الخاصة، مع العمل على مواكبة أنشطتهم وبرامجهم.

ثم التفكير في خلق آلية لرعاية المبدع كما هو معمول به في البلدان الأروبية ‪(‬SPONSORSHIP‪-MÉCÉNAT)‬ وتتم هذه العملية بمساهمة المؤسسات المالية والاقتصادية والخواص، حسب ما يتماشى مع وضعية بلدنا و يضمن للفنان الشروط الملائمة للإبداع وترويج منتوجه، مع إرفاق هذه الإجراءات بتحفيزات ضريبية لتشجيع المستثمرين والمؤسسات المالية والإقتصادية الراغبة في الدخول إلى هذا الميدان وتحسيسهم بأهمية تثمين الفنون عامة.
ما يمكن أن يرقى بالفنون التشكيلية أيضا هو العمل على تحسين الظروف الإجتماعية للفنانين، وتسهيل تنقلهم بين مختلف البلدان للتعريف بمنتوجهم التشكيلي وتمكينهم من الإقامات الفنية بالداخل والخارج بالنسبة للفنانين وخاصة الشباب منهم من أجل إكتساب التجربة والخبرة.
العمل على إنتداب خريجي المعاهد العليا للفنون في المراكز الثقافية و المندوبيات الجهوية للثقافة للإهتمام بالنشاط الفني التشكيلي لأن لديهم من الزاد المعرفي فيما يخص نظريات وتقنيات الفنون ما يمنكهم من برمجة معارض وأنشطة تشكيلية في المستوى المطلوب والتنسيق مع المؤسسات الإعلامية لحث الإعلاميين من صحافة مكتوبة، سمعية ومرئية على تغطية عادلة لمختلف النشاطات الثقافية، مع إنتداب خريجي المعاهد العليا للفنون في خطة صحافيين للقيام بعملية النقد الفني لتفادى ما يكتب عن الفن بطريقة إنطباعية لا تتقدم بحركة الفن.

كما أن بلادنا قادرة على بث إشعاعها الثقافي وذلك من خلال تفعيل الأمر الذي يقرّ بتعيين ملحق ثقافي في مختلف دول العالم يعود بالنظر إلى وزارة الثقافة و تكون له خبرة كبيرة في المجال الفني لربط علاقات مع المراكز الثقافية والتعريف بالإنتاج الثقافي التونسي وتنظيم تظاهرات تشكيلية لفنانين تونسيين بالخارج.
وفيما يخص مسألة اللامركزية: تتكون كل سنة لجنة شراء الأعمال لكن عملها وتوزيع زياراتها على مختلف الأروقة في مختلف الجهات يتم بطريقة غير عادلة، لذلك أقترح أن تتكون لجان جهوية عوضا عن وجود لجنة واحدة غير قادرة على القيام بمهامها في مختلف أنحاء الجمهورية. كما يجب أن تسعى وزارة الثقافة أن تنشر الأعمال الفنية التي تقوم باقتنائها سنويا لتحقيق شيء من الشفافية ثم لتكوين رصيد بصري يكون مادة للبحث من قبل الطلبة و للنقد من قبل المختصين في مجال الفنون البصرية في مجال.
أقترح أيضا أن تخصص ميزانيات عادلة للمندوبيات الجهوية للثقافة لكي تستطيع أن ترقى بنشاطاتها الثقافية في كل جهة وهي بدورها مطالبة بتوزيع أنشطتها التشكيلية في مختلف المناطق في جهتها دون الإقتصار على مركز جغرافي معين لتحسيس مختلف الشرائح الإجتماعية بأهمية الفنون التشكيلية في إنتاج القيم الجمالية ضمن منطق العدالة الثقافية.

  •  

  •  

  • دور المؤسسات في تكوين القيمة الفنية د. نجوى قولاق
    أستاذة جامعية بالمعهد العالي للفنون الجميلة بنابل
    جامعة قرطاج
    تونس

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

26/01/2015

أجراس