Noman Gmach les oiseaux bleus
Technique mixte ,600 /200 cm
Hbyba Harrabi alarme ,sos , kitch pollution
Faten Chouba Skhiri, « Reflets », installation vidéo, 2014.
Moufida ghodhbane éloge du stylo 846stylo et adhésif, 235 /65cm
 
 
 
 
 
  •      

  • بتنوع التيارات الفنية تنوعت الأساليب والتقنيات لتتزاوج في رحاب الفضاء الفني في نسق من الحرية المطلقة. وواضح منذ البداية أن الممارسة التشكيلية التونسية  تجاوزت بمفهومها نسق الممارسة العربية في سجال مع تلك الأبعاد الفنية والقيم الهادفة إلى أسس التقدم الفني ومجاراة اليومي بما فيه من تحولات ومفاهيم متجسد في بواطن الفنان الهادف إلى التجاوز. ليذهب في نطاق نبش  واقعه وتطلعه إلى بناء عالمه الخاص المنفتح على الآخر. وفي ضل هذه المنظومة الفنية التي ينسج فيها الفنان التونسي المعاصر ملامح إبداعه وطرق تواصله مع محيطه الخارجي يرنو إلى روح العصر بما فيها من تطورات تقنية وأسلوبية، فعبر الفن ألمفهومي أو ما يسمى بالمفهومية  يسعى الفنان إلى إحداث رؤى جديدة تقترن بالجانب ألمفهومي أي بتقديم الجديد على الساحة التونسية خاصة والعربية عامة. فالأثر الفني أصبح جزئا لا يتجزأ من المفهوم ليتمرد الفنان على محيطه المألوف لينتج عمل تشكيلي  معاصر.

هو جيل جديد على الساحة التونسية، كرس التقنية والأسلوب المتفرد في خضم لغة المعاصرة ليتحدى الواقع الفني الراهن. لتنبعث تلك الوجهة التواصلية بين الفنان وعمله الفني مع المتلقي. من هنا نستشف قراءتنا لبعض الممارسات الفنية التونسية التي جعلت من المفهوم ركيزة في الممارسة التشكيلية، الا وهو المعرض الأخير الذي أقيم بقصر العبدلية بالمرسي تحت عنوان" l’esthétique du banal  " 2014  . كما كان هذا المعرض مسرحا اجتمعت فيه أساليب الفن الحديثة والمعاصرة حيث أصبح يتجلى من خلال العديد من الأساليب مثل فن التنصيبة (Installation) وكذلك فنون الأداء ( Performance) وكذلك فن التجهيز وغيرهم من الأساليب التي أصبحت تترجم وتقدم أفكار الفنان التونسي الذي أصبح يدرك العديد من الجوانب المهمة حول الممارسة الفنية مثل تطورات الفن التشكيلي  وتحولاته الاستطيقية المعاصرة من حيث تكونت لديه مجموعة من التراكمات الثقافية، أصبح عبرها مدركا لمميزات كل ممارسة وفي ذات الوقت ملمّ بالعديد من الجوانب.

هذا التلاقح الفني جعل من عملية البناء عنصرا فعالا لقراءة العمل الفني من وجهة التلقي الفني، عبر الكشف عن الابعاد الانشائية في نطاق تحليل المواد المتروكة والهامشيىة والمبتذلة ضمن   الممارسة الفنية المعاصرة.

وهو أن ندرك أن معنى الهامشي قابل للقراءة على عدة مستويات سواء في شكله ومواده ولونه وعلاقته بمحيطه الواقعي ليسمح لنا هذا المبتذل بتجاوز الرسالة الترويجية البسيطة والبديهية لإعطاء قابلية الاحساس  به ضمن نطاق الفن التشكيلي المعاصر.

 وبالتالي فإن الفنان يتعامل  مع الشكل واللون والملمس ليبرز القراءة  الفنية من خلال انظمة المجتمع الاستهلاكي ولتتحقق نظرة جديدة للمواد المتروكة والهامشية التي نسيت وتركت. لتأخذ الترحال إلى الفضاء التشكيلي والتجربة الإبداعية. حيث تناول الفنان التونسي الأبعاد الرمزية المتعددة المعاني والإشارات الخلفية المزدوجة التي ساهمت في  تطور الفن على أساس  مبدأ التكاثر بدلا من مبادئ الاختزال والتوحيد وعلى مبدأ التقابل بدلا من التماثل من حيث اصبح الفن في وقتنا الراهن حافل بالمتناقضات وليمزج الفنان بين أساليب سابقة ووسائط مختلفة أو التقاط الأشياء المبتذلة من واقعها وإعادة توظيفها في وقعها التشكيلي الجديد، وبما أن عمارة عصرنا تميزت بالأشكال العجيبة التي عبرت عن عصر لا تاريخي ولا أيديولوجي مثقل بالرمزية في زمن الديمقراطية الاستهلاكية المعاصرة توجه معرض العبدلية الى حضن ثلة من الفنانين المعاصرين:

فكانت تجربة الفنان التشكيلي "نعمان قمش" منطلقة من الواقع والى الواقع في صور جديدة تقترن بالفن المعاصر، فقد اقترن في عمله "الطيور الزرقاء" بماهية المفهوم المعاصر، فعبر العنوان نشهد ذلك التحول في المفهوم الاسلوبي للاثر الفني ليبرز في ثوب جديد "للوحة التنصيبة" بحضور الاجساد الصغيرة التي انطلقت من الفضاء الخارجي للعمل أخذتا الترحال في عمق اللوحة، ليبرز ذلك التواصل البصري في نطاق القيم الجمالية للون الازرق والابعاد الدلالية لماهية الفضاء فمفهوم الاختصار والمبسط قد حظر في هذا العمل على مستوي اللون لكن الفكرة المفهومية  حضرت في سجال فني بين خصوصية الشكل واللون والملمس وطريقة العرض على حد السوى .

وبالتالي فإن إستخدام أسلوب الدمج والتوليف والتركيب  بين المواد، وبين الأساليب النسجية المختلفة في العمل الفني الواحد الذي أتاح مداخل تجريبية متعددة لإنشاء مفاهيم نسجية مختلفة ينتج عنها رؤي فنية جديدة ومعاصرة على مستوى التعامل مع خصوصية اللون والعرض والفضاء في تجربة الفنان التونسي "نعمان قمش" ليصبح الفن عبقرية ولعب ورموز معاصرة لماهية التكوين والانجاز في نفس الوقت .حيث يقول غادامير "الفن لعب ورموز واحتفال"[1]  في هذا الاتجاه نلاحظ وجهات التقارب والتضارب على مستوى الأسلوب، ليكون المحتوى والمضمون عاملا من عوامل التلاقي  الفكري وهاجسا من هواجس التجديد لتثبيت الرسالة الفنية التي يهدف الفنان إليها. وكأننا بالطيور الصغيرة الملونة بالأزرق هزت غشاء العمل لتتحرر منه وتخرج في صيحة الحرية نحو الفضاء المطلق، في ضل مسارات بصرية يؤسسها الفنان تحت دراسة معمقة لزمنية العمل وحركة الشكل.

هذا المعرض هو عبارة عن تلاقي بين الأفكار لإعادة توظيف المبتذل حيث ذهبت الفنانة التشكيلية التونسية "حبيبة هرابي" إلى القول، بضرورة التجاوز والتغير على مستوى التقنية لتبدع  عمل فني تنقد من خلاله الثقافة الاستهلاكية في تونس والمنحصرة حول السلع الصينية، لان  الأسواق التونسية أصبحت تعاني من تدهور كبير على مستوى السلع الصينية المقلدة والتي ساهمت في نمو كبير في ما يسمى بظاهرة التجارة الموازية، فالكثير من الأسواق فقدت ملامحها العتيقة بسبب المنتوجات المقلدة عبر هذه الظاهرة إلتجأت الفنانة التشكيلية حبيبة الهرابي في عملها kitch pollution إلى إبراز الأبعاد الدلالية والمفهومية لعديد الأغراض الاستعمالية وتمنحها قيم تشكيلية تتمرد عبرها على ما هو موجود وبالتالي تهدف الفنانة التشكيلية عبر فن التنصيبة إلى بث رسالة مفادها حث الجمهور الى الإقبال على المنتوج التونسي ناقدة بذلك ظاهرة التهريب والاستهلاك المفرط للسلع الصينية المضرة مستندين في ذلك على  عفيف بهنسي بقوله " النقد الفني هو التذوق في أعلى مستوياته[2]". اما من الجهة الاستطيقية فقد ارتكزت الفنانة على توزيع الألوان القزحية حيث أحدثت ضجة بصرية على الجمهور لتتناغم الألوان فيما بينها لتحدث تلك الأبعاد الجمالية والدلالية لقيمة اللون، كما نلاحضه في العمل التالي:

كما كان المعرض نافذة سمحت لجميع رياح الفن بكل توجهاتها ان تتلاقى وتتفاعل من خلال توفير الامكانات الفنية والمادية ليدرك الفن في تونس انفتاحه على العالمية. ليتحول الفنان في  محاورة مع الذات التشكيلية التي تنيره وتيسر له السبيل على ترسيخ مكامنه الباطنية في صور فنية يعبر من خلالها عن الواقع والحقيقة هنا يمكن ان نستند على مقولة هيدغير "الأثر الفني بدون أدنى شك يصير فعليا ويأتي للوجود بواسطة حركة الرسم والكتابة وهو انفتاح الحقيقة ذاتها كدائرة أوسع تحتوي سلفا الأثر الفني والفنان معا."[3]  فالفن حقيقة يعبر من خلاله المبدع عن الواقع، فهو رؤية من رؤى العالم. لنسلط الضوء على تجربة الفنانة التونسية "فاتن شوبة السخيري" التي ذهبت إلى عناق الصورة الضوئية ومسايرتها في الزمن عبر الوسيط التكنولوجي في خضم تعدد نوعية الفضاء والمحامل من مرآة وحائط والحجاب الشفاف الذي تنعكس عليه الصورة الضوئية.  

لنذهب الى مقولة مرلبوني " يبدو المرئي من حولنا وكأنه يقوم بذاته"[4]إلى الرقمي البصري. فهي تسعى إلى إرساء وجهة فنية حاضرة في نطاق المستوى الفني المعقول والخيالي حيث تتجسد الأبعاد الجمالية في نطاق حضور الفضاء التكنولوجي والفضاء المحمل.

 تذهب الفنانة التونسية إلى ابعد من ذلك، لتجعل العمل الفني في إطار نقطة رابطة بين الوسيط التكنولوجي وحقيقة الصورة محاولة في ذلك  التعبير عن الصورة الرقمية وبالتحديد الصورة الوهمية المتشكلة عبر الضوء، في هذه الوحدة تدخل الفنانة في عالم من الفلسفة الموغلة في التفكير في ماهية اللاملموس ومحاولة إرجاع الصورة المنعكسة إلي أصلها وجذورها الحقيقية عبر مفهوم التقنية. ولكن عند العرض تتشكل تتفرع وتتوزع الى صورة تتكامل مع بعضها البعض لتألف وحدة البعد الثالث للصورة عبر الانعكاس الضوئي. في هذا الإطار يمكن القول ان الفنانة حاولت الكتابة بصورة الضوء عبر انعكاسه على الجدار، فثنائية الضوء والظل تحدث نوع من التباين على مستوى حركة الصورة الوهمية التي تنقسم إلى أبعاد مختلفة تكمل بعضها، حيث نفقد التركيز عن الصورة الأصلية، فمقاربة الانعكاس التي أحدثتها الفنانة على العمل الفني، يمكن ان ترجعنا إلى الفلسفة القديمة ان صح القول، فلسفة افلطون في أمثولة أهل الكهف وتكون بذلك مقاربة تحمل في طياتها الجانب الأسطوري  الرمزي للضلال ولانعكاس صورة الأشياء وامتزاجها بالظل، فعند قراءة  العمل يقف المشاهد حائرا بين الصورة الأصلية وبين الوهم الذي يتجسد في البعد الثالث لانتشار صورة الضوء والظل في وحدة متكاملة. ليتشكل نوع من السحر الشكلي لماهية الصورة وتموجاتها على السطح المائي لنبين بان الانعكاس الضوئي  في أصله اهتمام بالمضمون ألمفهومي لا بالشكل.

أما الفنانة التشكيلية "مفيدة الغضبان" ذهبت في اتجاه موازي لهذه التجارب باستعمالها الأشياء المبتذلة في خلق لغة تشكيلية جديدة وفي ذات الحين تقترن بالجانب ألمفهومي في نطاق أبعاد جمالية حاملة في مضامينها مفهوم اليومي وما فيه من تهميش لماهية "القلم"، فارتكزت الفنانة في تجربتها على رمزية القلم التي تركت نسيت في خضم عالم التكنولوجيا، ففي عصرنا الراهن تحول استعمال القلم إلى افتراضي عبر الشاشة الضوئية " الكمبيوتر". لذلك ذهبت "الغضبان" إلى توظيف القلم بتعدد ألوانه في مقاربة فنية معاصرة جسدت عبره أبعادها النقدية، لتجتمع الفكرة مع المفهوم لتكوّن أبعاد استطيقية عبر لغتها البصرية وان صح القول لعبتها البصرية التي تحدثها على فضاء ثنائي الأبعاد ليصبح حاملا لأبعاد ثلاثية ناسجة في ذلك محتوى تقني وأسلوبي ومفهومي وأبعاد تعبيرية تتجسد في هذا العمل حيث يمكن القول ان هذه التجربة في بعدها نقد للفن ونقد للثقافة المعاصرة عبر استعمالها لغرض بسيط وفي هذا الصدد يمكن ان نستند على مقولة بارت تيري "أن أهم ما يميز الفنون عبر التاريخ هو دورها الاجتماعي الذي أثرت من خلاله على حياة الأفراد والجماعات، وقد كان النقد في شتى صوره يتعامل مع الفنون من منظور اجتماعي ونفعي"[5].

المراجع

غادامير، الحقيقة والمنهج ص347 

   بهنسي  عفيف، النقد الفني وقراءة الصورة، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى:1997، ص.13.

   قستون بشلار، حدس اللحظة، دار الشؤون الثقافية العامة افاق عربية، 1986 ،ص 214.

  M.Heidegger,Chemins qui ne menent nulle part,trd,Wbrokveir,Ed,Gallimard,1950.p195.

  Barrett Terry, Criticizing Art Understanding The Contemporary, Mayfield Publishing Company, Mountain View, California. USA   p 104

 

 غادامير، الحقيقة والمنهج ص347[1]

[2]  بهنسي  عفيف، النقد الفني وقراءة الصورة، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى:1997، ص.13.

 

[3] M.Heidegger,Chemins qui ne menent nulle part,trd,Wbrokveir,Ed,Gallimard,1950.p195.

[4]  قستون بشلار، حدس اللحظة، دار الشؤون الثقافية العامة افاق عربية، 1986 ،ص 214.

[5] Barrett Terry, Criticizing Art Understanding The Contemporary, Mayfield Publishing Company, Mountain View, California. USA   p 104

  •  

  •  

  • استطيقيا المبتذل في الفن التشكيلي التونسي
    إبراهيم بن نبهان باحث في الفنون التشكيلية تونس

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

14/01/2015

أجراس