• ان التعامل مع المؤثرات البصرية الطبيعية باعتبارها هي الخلفية الممتدة عكس اتجاه المشهد البصري وباعتبارها أيضا هي الأداة التي يعبر بها المصور عن عمق وطبيعية المشهد التشكيلي يعتبر من اصعب القضايا التي قام عليها تطور الفنون البصرية في كل العصور لأن المحاكاة هي في البداية محاكاة للطبيعة من هنا كان لموضوع تفعيل الطبيعة وتأثيرها على المتلقي من داخل العمل التشكيلي ذاته بحيث تصبح الطبيعة ومؤثراتها هي الطريق الوحيد للتعبير عن أسلوب الفنان نفسه لأن كلا منا له رؤيته الخاصة لهذه المؤثرات كعامل أساسي كما قلنا لابراز تفاصيل قضيته التشكيلية ودعنا نستمع الى بيكاسو حينما سأل عن تشبثه في احدى مراحله الفنية باللون الأزرق فيما عرف بالمرحلة الزرقاء لما سأل عن الحكمة من طغيان اللون الأزرق على لوحاته أجاب:  بدأت هذه النزعة اللونية عندي حينما اصبت بمرض تنفسي شديد وقضيت في احد مستشفيات باريس المتواضعة شهراً كاملاً لم يكن لي اي عمل في هذه الفترة غير التلهي في متابعة العمل في المكان وتفاصيله والتنوع اللوني في هذا المكان من أحمر قان وهو لون الدماء لأبيض ناصع وهو لون الملاءات وملابس الممرضات حتى في يوم كنت أزور جارا لي في الغرفة المجاورة وكان رجلا عجوزا مريضا بمرض عضال وكانت تزوره زوجته وابنتاه وأثناء ذلك دخل الطبيب ولفت نظري ان الرجل العجوز كان شاحبا شحوبا لا يميل الى اللون الأصفر بل يتعداه لدرجة من درجات الأزرق الفاتح وهنا بدأت ألاحظ ان كل هذا المشهد غارق في هذا الشحوب الأزرق كما كان يلعب الضوء الفلورسنتي الخافت دوره في هذا الشحوب من هنا قفز الى ذهني سريعا ان هذه المد الأزرق قد يكون معبرا بشكل او بآخر عن حالة البؤس او المرض او بمعنى أصح التردي.

يبين لنا هذا الرأي الشديد المنطقية منهجا مهما قد نعتمده في التعبير عن قضيتنا وهي قضية التعبير الذاتي عن المؤثرات الطبيعية لدى الفنان التشكيلي فنحن حيث يبين لنا بيكاسو رؤيته من خلال مرحلة المرض التي قد يجد فيها الانسان كل شيء مغلوطا ومشوشا كما ان السياق الذي يرى فيه الفنان هذا المشهد قد يؤثر على طرحه الابداعي ما كما حدث مع بيكاسو فلقد اثرت رؤيته هذه في فنه حقبة ليست بالقليلة من هنا يجب ان نقول ان للمؤثر الطبيعي دوره الكبير في قضايا الفن التشكيلي ولقد ظل المصورون الأولون في التاريخ يقومون بطرح ابداعهم بمعزل عن هذا المؤثر الطبيعي وظل هذا المنهج سائدا حتى أواخر عصر النهضة حيث ظهرت بوادر لطرح المؤثر الطبيعي في فن التصوير محل التجريب فنجد على سبيل المثال ان معظم اعمال التصوير قبل هذا العصر كانت تصور معظم مشاهدها داخليا بمعنى انها تتناول القضية التشكيلية داخل الأماكن المغلقة من بيوت وقصور وهكذا وحتى عندما اتجهت لتصوير الطبيعة فانها لم تأخذ المؤثر الطبيعي مأخذ الجد او حتى على انه عنصر اساسي في اللوحة لا نبالغ اذا قلنا انه قبل ظهور الانطباعية لم يكن هناك اي احتفاء بالمؤثر الطبيعي حتى في المشاهد التي تصور الطبيعة نفسها قد نجدها وكأنها تصور الطبيعة داخل اماكن مغلقة ويقول الناقد الفرنسي مارسيل ادمون  وقد تجد الحقل قد تم تصويره من زاوية شديدة الانطفاء بحيث يخيل اليك انه حقل داخل غرفة مقفلة فقد تتساءل اين الشمس في هذا المشهد التشكيلي او حتى الضوء الطبيعي .

وهكذا كان يرى ادمون حتى اللوحات التي تصور الطبيعة كانت تبدو داخلية في غياب تفعيل المؤثر الطبيعي.

وتعتبر الانطباعية هي التي ادخلت تفعيل هذا المؤثر بشكل قوي ولافت في المشهد التشكيلي بحيث أخذت من انطباع الشمس على الأشياء في تفاعل تام مع الطبيعة مقياسا لوضوح اللوحة ونفاذها الى العين بشكل اكثر بساطة مما كانت تصوره المدارس السابقة ولدينا اليوم رائد من رواد هذه المدرسة والذي يعتبره النقاد أمثال دوشامب ولوزار وشانتون انه الموجد الفعلي ومحور المدرسة الانطباعية فبيسارو كما تقول ليز بوليان  هو الفنان التشكيلي الوحيد الذي ورد أحاسيسه لزملاء جيله ونعتبره هو محور تطور الانطباعية ان لم يكن هو الفارس الحقيقي خلف هذا التطور والقبول الذي تتمتع به هذه المدرسة  ويضيف دوشامب في كتابه 200 سنة فن تشكيلي  قد تتلفت حولك الآن غرفتك او في شقتك اذا كنت لازلت تحتفظ بلمسات والديك فيها قد تلتفت فتجد لوحة جميلة او اكثر قد تشعر انها لا تتميز بحس فني إلا من بعيد قد تكون لحقل او لفازة ورد او جسر على الماء هذه هي الانطباعية فأول لوحة او صورة كانت تدخل في ديكور المنازل منذ اوائل القرن العشرين وحتى الستينيات هي وليدة الانطباعية اذن عليك ان تشكر بيسارو على ذلك لأنه هو الذي جعلها تتمتع بهذا القبول والحميمية .

اذن بيسارو بشهادة كل نقاد الفن التشكيلي حالة فنية جديرة بالدراسة لكن قبل ان ندخل لعالمه الجميل والمريح للعين علينا ان نبسط للقارىء ظروف هذه الحركة الفنية المسماة الانطباعية حيث تعتبر الانطباعية نقطة تحول في تاريخ الفن بل تعتبر بداية الفن الحديث اطلق عليها اسم الانطباعية تسمية بعنوان لوحة للفنان كلود مونيه وهي  انطباع شروق الشمس  والتي قدمت في عام 1874 إلى الصالون الأول لمجموعة من الفنانين الفرنسيين الشباب فأخذت هذه الحركة التشكيلية تسميتها من هذه اللوحة.

كان أول معرض لهذه الجماعة افتتح في صالة نادار في نيسان 1874. اشترك فيه سيزان- ودوغا - مونيه - بيسارو - رنوار - سيسلي. وقد اثار هذا المعرض سخرية النقاد واستهجانهم واعتبر المعرض كفضيحة، بل انه سجل هبوطا في أسعار اللوحات  500 فرنك مانيه - 50 فرنك مونيه - 31 رنوار - 7 بيسارو . وصمدت الانطباعية وفنانوها أمام هذه اللحظات الصعبة وتتابعت معارض الانطباعيين ما بين 1876-1886، وظهرت أول الكتابات المدافعة عنهم وبعض مظاهر التأييد في عام 1881، ولم تدخل أعمال الانطباعيين وتقبل في اللوفر إلا بعد مضي اكثر من نصف قرن من قيام هذه المدرسة.

بدت الانطباعية في مراحلها الأولى وكأنها امتداد للنزعة الطبيعية ولكنها تميزت بعد ذلك بعدد من الخصائص والصفات التي أبرزت ملامح هذه الحركة. فلأول مرة يصبح اللون الوسيلة الأساسية للتعبير عن الحركة كذلك اعتمادهم في الوانهم على ألوان المنشور الصافية المتألقة وهي: الأصفر - الأحمر - الأزرق - الأخضر - البرتقالي البنفسجي - واستبعد اللون الأسود واللون الأبيض والألوان القاتمة.

- كما استخدم فنانو الانطباعية ضربات الفرشة المجزأة وذلك من إدراكهم وتطبيقهم ما يسمى تباين الألوان، أي تقابل الألوان أو تجاورها قد يولد احساسات بصرية إيهامية لا وجود لها سوى في عين المشاهد .أي أن تجاور كلا من  الأحمر - الأخضر   الأصفر - بنفسجي   برتقالي - أزرق  يولد في عين المشاهد انطباعا بالحركة، فالألوان الحارة تبدو متقدمة، بينما توهم الألوان الباردة بالتراجع، كما قد ينتج عن تقابل لونين من هذه الألوان الشديدة التباين، إحساس بصري إيهامي، بوجود لون ثالث لا وجود له فعلاً.

- كما تميز فنانو الانطباعية بخروجهم من مراسمهم ورسمهم من الطبيعة مباشرة وقد ساعد في ذلك اكتشاف أنبوب الألوان وكان على رأسهم بيسارو الذي اعطى للحركة اتجاها جديا.

ولد كامي بيسارو في سنة 1830 في شارولت إيملي، سانت توماس احدى الجزر العذراء الأمريكية وبقي في سانت توماس حتى سن الثانية عشرة ثم سافر إلى باريس ليستكمل تعليمه الثانوي هناك، وكان يأتي إلى سانت توماس في أوقات عطلته ليمارس هوايته المفضلة في الرسم. تزوج بيسارو من جولي فيلي وكانت خادمة في بيت والدته وأنجبا ثمانية أطفال توفى طفل عند ولادته وطفلة في سنة العاشرة وباقي أطفاله قد رسمهم بيسارو في لوحاته، ابنه الأكبر لوسيان صار تابعا لوليم موريس بعد ذلك.

في سنة 1855 سافر بيسارو إلى باريس وأكمل دراساته والتحق بكلية الفنون الجميلة والأكاديمية السويسرية. والتحق هناك بمدرسة الفنان كورو حيث بدأ تأثير الأخير واضحا على لوحاته المبكرة. وبعد سنة 1859 حاول بيسارو بحظ عاثر أن يعرض بعض لوحاته في صالون باريس - المعرض الدائم الرسمي في باريس ولكن بدون جدوى.. وبعد خمس سنوات أرسل للصالون الرسمي لوحته للمنظر الطبيعي حديقة قرب بونتوا التي رسمها كلها خارج الأستوديو أي على الطبيعة، وكان ذلك التقليد غير معروف لدى رسامي المناظر الطبيعية قبل الانطباعيين، الذين كانوا يخططون لوحاتهم للمناظر الطبيعية في الخارج فقط وينجزونها ويلونونها داخل استوديوهاتهم. وكان بيسارو يحاول آنذاك أن يقنع زملاءه الرسامين من أمثال رينوار، ومونيه، وسيزان، وسيزلي أن يرسموا لوحات المناظر الطبيعية خارج استوديوهاتهم. وكان الناس يقولون عن تدريسه الرسم لطلابه انه مدرس رسم ناجح إلى درجة يستطيع أن يعلم الرسم للحجارة.

كان كامي بيسارو عميدا للرسامين الانطباعيين، ليس بسبب كبر سنه وحسب، إنما بفضل حكمته واتزانه ولطفه وشخصيته الدافئة، وعلى الرغم من انه لم يكن عنده طموح أن يكون رئيسا للانطباعيين، كان الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يحل الخلافات والمشاجرات وسوء التفاهم بين زملائه الفنانين.

وبعد عودة بيسارو إلى باريس سنة  1871  استقر في بونتوا لمدة عشر سنوات، حيث كان يزوره معظم أصدقائه من الرسامين ويعملون معه. وتميزت لوحاته لتلك الفترة برقة الشعور، لكنه وأصدقاءه لم يوفقوا إلى عرض أي من لوحاتهم في الصالون الرسمي، ولذا فلم ير الناس لوحاتهم كما أنهم لم يستطيعوا أن يبيعوها. وكانت نتيجة ذلك أن بيسارو وزملاءه عانوا الفقر والحيرة، ولكنهم لم يفقدوا بسبب ذلك إيمانهم بأنفسهم وفنهم، ونجحوا في نسيان مشاكلهم في لجة رسمهم مناظر الطبيعة كما يحلو لهم. وفي خريف سنة 1903 أصيب بجلطة خلال انتقاله لشقة جديدة يستطيع من نوافذها رسم مناظر طبيعية أخرى لباريس. ووافته المنية وهو في الثالثة والسبعين من عمره.

ويثور جدال بخصوص بعض لوحات بيسارو هذه الأيام مثل لوحة شارع سان هونوريه التي مازالت المحاكم العالمية تحاول الفصل في قضية ملكيتها لإحدى العائلات اليهودية وهي عائلة كاسيرر وهذا مجرد مثال لأن لوحات بيسارو أيضا تم تهريب جزء كبير منها بشكل غير شرعي من فرنسا في الأربعينيات والخمسينيات.

  •  

  •  

  • بيسارو شيخ الانطباعيين وشعلة المشهد الطبيعي
    باسم توفيق
    الراية

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 

19/06/2015

ورقة من حياة فنان