كمال المغني ـ بولستار
عبد الرحمان المزين ـ بولستار
عشتار 50ـ15صم
 
حمل ثقيل ـ فخار
 
انتظار ـ بولستار ـ 50ـ 51 صم
 
 
  • عالم هيولي من الأجساد المتهالكة حينا والصامدة أحيانا أخرى، تشكل من ذاكرة الفنان إياد الصباح، وخرجت من بين يديه أشكال وأحجام موغلة في واقع وتاريخ الوجود الفلسطيني المثقل بالآلام.

أعمال فنية متنوعة في أسلوبها جسدها من ذاته على مر السنين، تشهد له بقوة حسه الفني وتمكنه من تقنيات التشكيل المندفعة دوما إلى عالم من التجريب المنفتح...تحاكي أعماله الجسد الإنساني في هويته الفلسطينية، تحكيه مثالا وتنحته تمثيلا وتماثلا، والفن عنده شامل، أعمال تصويرية ومنحوتات و تنصيبات وغيرها...في استعراضها نلمس لحالة برزخية تقع بين نشوة الحلم وكابوس الواقع، ونرحل معها لاكتشاف تجربة مليئة بـ"الحيرة" ومشبعة بهواجس الذات الوجدانية.

فاللون والمعدن والمادة باختلافها تشكل عنده كائنات سوية حينا متألمة أحيانا، كائنات من الجماد سرعان ما تدفع بها لتعانق الوجود الحي للإنسان، هي أعمال فنية قدها من مخيلته الإبداعية ـ الذاتية، وقد استقلت بذاتها تعدده وهو واحد لا محال... فإذا هو منها مفرد جمع، وتحاكيه وهو صامت، فتنطق عنه بأفضل تمثيل. فأعماله هي وليدة لأفكاره وأحاسيسه التي تقف على واقع الوطن المستباح، وهي أيضا مناجاة لانكسارات الإنسان في المدينة المتألمة هناك " غزة "... تقف في كل مرة كشواهد ثابتة مطبوعة في صم المواد، ويسكن صداها العين والعقل لتطفو إلى سطح الذاكرة صور الواقع كسجل تاريخي لا ينقضي .

ولعل الأعمال ليست إلا أجسادا انسلخت من ذلك الواقع، وانفصلت عن فضاء الهواجس الرمادية. لتنفلت عن صخب مسرح الحياة ولتمتد بذاتها في الأبعاد...فإذا ما كان لا بد من بداية، فطالما كانت فلسطين البداية وموطن الحكاية، فكل الأجساد تجتمع فيها لتكون الأسطورة التي تحيى في اندثارها وتنبثق من مقبرة الهلاك...كل عمل يدفع به إلى التماثل في تصويره لحدث تاريخي يروي وضعا من الألم، وكلها في المكان تستعيد حالة من الشتات...

إذ يستند الفنان إياد الصباح إلى خرائط الذاكرة الحميمية تارة، ليستوقف حينا حالة من الانتفاء الوجودي للذات الفلسطينية، وأحيانا يستدرك قدر الانتظار الذي أصبح يحياه كل إنسان من أرضه هجر وعن سمائه الأولى أبعد... وطورا آخر يساير إيقاع الفاجعة في راهنية الحدث تمثيلا له واستنكارا لفظاعته... ومرات أخرى يمجد شخصيات إلى الثقافة الفلسطينية كانت تمثيلا حافلا لها... ولعل جميع أعماله وكيفما كان تجليها البصري ليست إلا مشاهد تتاح لمتعة العين، وعبر الفكر تتأمل الواقع الفلسطيني المستباح، وحيثما حلت الأعمال في قاعات العرض أو في مساحات من داخل الأرض هنا و هناك...أو حتى في عالم افتراضي تسافر إلى أقاصي المعمورة... فهي  تترجم عنه بكل لسان، فتحكي ما كان في أرضه الفلسطينية من حياة، بل ما كان فيها للذات الفلسطينية من وصال أربك شداده الآخر المحتل... و جاء بالفن ليرسم، وينحت، ويجسد ويستعرض ذاكرة الأرض الجماعية حيث أن " الفنان حين ينتج عمله الفني يختزل فيه رؤيته للواقع بهذا الشكل أو ذاك...تلك الرؤية العميقة التي تجذرت في انطباعاته وتصوراته التي تراكمت عبر مشاعره ومعايشته الحياتية وعكسها بأشكال وصور مختلفة، فيلخص لنا حقلا ثقافيا هاما في انجاز بسيط ومثل هذا الانجاز هو في كل  العصور السجل الأمين لجهود البشرية ولا يعدو أن يكون أحيانا خطا بسيطا"[1].

وعلى هذا الأساس تحمل أعمال إياد الصباح انطباعاته وتصوراته المتراكمة عبر جملة من الأحاسيس والمشاعر الضاربة في ذاكرته التصويرية والتي تبدو كأنها مصفاة تلفظ ما لا يستحق البقاء في هوة النسيان، لتتأمل تمثيلا وتماثلا ما يستحق المناجاة والاستحضار داخل اللوحة والمنحوتة و التنصيبة والفيديو...

    " تهالك "...خسائرنا: من شهيدين حتى ثمانية كل يوم.

               و عشرة جرحى.

               و عشرون بيتا.

               و خمسون زيتونة...                                    درويش ـ حالة حصار ـ

  ـ تهالك ـ

    مغامرة مليئة بهواجس الذات المتألمة دخلها الفنان إياد الصباح، فأخذت منه تأملا للراهن من خلال أحداث تتعاقب على الوطن الجريح، في مدينته غزة يتسارع إيقاع الموت  والهلاك، فلم تكن لعبة الموت قدر الذات الفلسطينية في مكانها، وإنما لعبة الشيطان يدفع بها إلى التهالك حتى في  منفاها...

لم يكن عمل تهالك لدى الفنان إياد الصباح مجرد عمل عابر، تختلس مخيلة المبدع فيه لحظة مرور الأجساد الممزقة من زمن الموت والباحثة عن أرض الخلاص ...بل كانت لحظة انبثاق لتجربة حياة تدفع بها نحو الصمود في ظل رحلة الشتات... وبين الموت والحياة يتشكل العمل الفني كتأليف لجملة من المتناقضات، بل لعل قدرة الفنان في استيعاب وجمع هذه المتناقضات هو ما يكفل للمتلقي متعة في تأمل المضامين الفكرية التي يصيغها المبدع في هذا العمل التركيبي.

إذ يجسد هذا العمل صورة لحالة وجودية للذوات الفلسطينية، تتجاذبها جملة من المترادفات المتقابلة كالداخل والخارج، الوطن والمنفى، الحياة والموت، الأمل واليأس، الأنا والأخر، الخاص والعام، الحصار والتحرر...فيجتمع  بداخله الطفل والمرأة والشيخ وكلها علامات تحضر لتألف و تمسرح الحدث المأساوي، فقد يستدعي الفنان شخصيات تمثل واقعا بعينه، وقد يكون حضورها مجرد تماثل مع أبناء وطنه لتكون الحاضر ـ الغائب الذي يتموضع في العمل الفني، ليحيل إلى الإنسان الفلسطيني خاصة، هذا الأخير يبدو للمتقبل من السهل التعرف عليه في تأمل ملامحه  المتألمة وجسده المتهالك والهارب من آلة الدمار، كأنك تراه قد خرج من تحت الأنقاض من ركام حل بالمكان، ففظاعة الحدث تنعكس على ملامح الأجساد المتهالكة. هكذا تبدو الأجساد المنحوتة في هذا العمل التركيبي، وهي مجتمعة في الفضاء الواحد لتعكس عمق المعاناة الوجودية، وفي هذا السيـاق يقول الفنان إياد الصباح  "لقد برزت فكرة التهالك نتيجة معايشتي للحرب على غزة، وتأثري بحجم النزوح والجرائم الإنسانية ضد المدنيين" ويضيف في السياق عينه " لقد أصبحت الشجاعية ملهما لنا رغم مأساتها، وأصبحت رمز المأساة الإنسانية"، إذ يبدو أن واقع معاناة الإنسان الفلسطيني سرعان ما تتحول إلى ضرورة فنية تستقيم في فضاء العمل الفني، وتكتسي مأساة الإنسان دلالة فكرية، حيث يتعمق المعنى من خلال حبكة تشكيلية، اعتمد فيها الفنان موضعة الحدث، حيث يسكن منحوتاته داخل المرجع المكاني الأول بتجليات الدمار الذي حل به،  لتنصهر الأجساد المتهالكة مع الفضاء في تمثيل واقعي يقارب الواقع المستباح، ولتخال العين نفسها تتجول في مسرح الفاجعة الحينية، فكأنها  في استعادة للحظة زمنية مضت بل لعل الماضي يساير الراهن في تأكيد على فظاعة المأساة الوجودية واستمرارها، فكل شيء يتواجد في هذا العمل التركيبي ليؤلف مشهدا في أبعاده الجمالية  ومنفتحا على واقع انطلوجي ينتمي إلى أرض المعاناة فلسطين ليحاكي حدثا بغزة يستقيم ...

وإذا كان الإنسان مخلوقا من طين كما ورد في المرجع القدسي، فان الفنان يتوسل بهذه المادة إلى نحت الأجساد المتهالكة لما تحمله المادة من خصوصية حسية قابلة لتتشكل وتعلن عن ذاتها في حالتها الطبيعية دونما التوسل بالطلاءات التي عادة ما يتوسل بها الخزاف لإتمام منجزه الفني. فتبدو المجسمات الطينية للأجساد المتهالكة والتي اعتمد فيها مواد أخرى لاستكمال العمل وخلق توازنه في الفضاء ـ صلبة في تواجدها الظاهري، منكسرة في عمقها، خامة تتراء لنا قوية في مظهرها، ثرية في تشكلها، لكنها سرعان ما تنكشف عن هشاشة الواقع الإنساني، حينما يعمد الفنان إلى ترك أجزاء من الجسد فارغة، ليعكس تناقضا بين الظاهر والباطن، والفراغ في الواقع يحمل بعدا انطولوجيا يساير عبثية زمن الحرب، فقد تتهالك الأجساد وقد تحيى في هلاكها، هكذا هو الوجود الفلسطيني، وجود يولد من رحم كل مأساة، فالجسد المتهالك يقاوم ويصمد حتى في صمته الأبدي، ليكون شاهدا تاريخيا يكتب فيه النص البصري واقع الهم الجماعي وتستقل فيه الأشكال البشرية في مرجعها المكاني، وهي تساير في معنى ما المساءلة الاستنكارية التي طرحها إسماعيل شموط ذات يوم في أحد لوحاته "إلى أين" ومن ثم يواصل رحلة الألم ليجيب في عمل أخر " سنعود"، لتقتفي المنحوتات الطينية للفنان إياد الصباح السياق عينه في مساءلة استنكارية لوضع المعاناة الإنسانية، فـ"تهالك " ليس إلا انعكاس عميق للحظة تعي فيها مخيلة المبدع ضرورة التعبير عن الواقع المستباح، ويكون الفنان أيضا في هذه اللحظة مدفوعا بقوة غامضة كأنه المحرك والملهم في عمله التركيبي، لكنه لا يترك القوة تفعل فيه إلا ما يمليه جنونه الفني وحدسه في تشكيل  منحوتاته وفق رؤيته الخاصة التي تتأثر بما يحمله المكان الفلسطيني والذي يدفع به من حيث لا يدري إلى ترجمته في أشكال نحتية تحمل خصوصيتها انطلاقا من هويتها المحلية. وانطلاقا من خصوصية التعبير الفني المعاصر الذي منح الفنان حرية في صياغة أفكاره وليكون العمل التركيبي في الأخير مفتوحا، خاصة في طريقة عرضه التي تقبل في كل مرة التحوير والتحرر من قاعات العرض وهو ما جعل الأجساد المنحوتة تسكن مرجعها المكاني بكل مقومات الدمار المنبعثة لرائحة الموت من هنا وهناك. وتذهب هي بذاتها إلى المتقبل  دون أن يجيئها لتمنحه لذة اللقاء في انصهار فرجوي يمكنه من التحاور مع مادتها واكتشاف أسرارها.

     جسد المرأة ـ الرمزـ ...الجميلات كل الجميلات، أنت

                         إذا ما اجتمعن ليخترن لي أنبل القاتلات...

                       الجميلات هن القويات

                   "يأس يضيء ولا يحترق"     محمود درويش ـ الجميلات هن الجميلات ـ

    مجموعة من المنحوتات التي راهن فيها  إياد الصباح على الجسد الأنثوي، فهذا الجسد الذي يثار داخل المنجز الفني باعتباره منطلقا تعبيريا يعكس ملحمة تاريخية داخلية في الوجود الإنساني عامة والفلسطيني خاصة، فلطالما كانت هذه المرأة رمزا للأرض في المخيال الثقافي الفلسطيني، هي الأم المناضلة، وهي الأسطورة في امتدادها التاريخي للحضارة الإنسانية... يستحضرها الفنان في صور عديدة كمن يبحث بصدق عن حقيقة صلتها بفنه، ويكثف من حضورها في العمل الواحد، لتحضر جمعا كأنها تلح عليه لتكون شواهد على تعلقه الذاتي بالجسد الأنثوي في انفعال حسي إزاء هذا الكائن المشبع رمزية ودلالة، كائن يتحد مع الحياة، بل هو الحياة عينها مند خلق الإنسان، يتوسل به الفنان في أشكال عدة وفق تصورات مختلفة تأخذ في كل مرة دلالة خاصة تلح عليه للولوج إلى عالم الفن و التموقع فيه وفق أبعاد فكرية ـ استيتقية تنحتها المخيلة الإبداعية للفنان، وداخل هذه المنحوتات تحضر المرأة للتدليل على الأم الفلسطينية في حالة انتظار... حالة تحمل من التأويل الكثير يتجاذب فيها الخاص بالعام، الذاتي بالجماعي، التاريخي بالأسطوري...

إذ أن تكوين النحت لدى الفنان إياد الصباح يستجيب إلى خصوصية المادة التي يعمد إليها ليولد منها مخلوقات تسعى في الأرض كانجذاب روحي لجسد المرأة ـ الأنثى، فتتأملها العين كمخلوقات أليفة، كيف لا وعشتار الأسطورة تستلقي فوق قاعدة العمل كملكة متربعة على عرشها... فكل عمل أو كل امرأة تحدث العين من خلال تلك الخطوط المنحنية التي تكون عادة طبيعة جسد الأنثى، والخط المنحني يمتد في ليونته مع الطبيعة التي تكاد تكون أساسا مجموعة من الخطوط المنحنية، خطوط تولد وتتفرع منها أشكال أخرى، وجسد المرأة ثري في كتلته ثراء الطبيعة عينها. ولعل الفنان إياد الصباح يجعل من منحوتاته المجسدة لعالم المرأة أعمالا تماثل حالة المرأة الفلسطينية الصامدة في ظل الاحتلال والمتشبثة بأرض الوطن كامتداد لها و كانعكاس لأصالة حضارتها الشامخة في التاريخ الكنعاني ... فلا يقتصر الفنان في هذه المنحوتات على خامة واحدة، بل ينوع فيها لتكون في كل مرة بمثابة الثوب للجسد الأنثوي، والخامة هي التعبير المادي في الفضاء التشكيلي الذي يحول المادة إلى عمل فني يتشكل بين أنامل الفنان المبدع ليعكس جملة من الدلالات الفكرية والمفاهيم التشكيلية الخاصة به، والتي يبدو أنها متنوعة لدى الفنان ففي كل مرة يقوم باختيار ما تستجيب له أفكاره  ويبحث بعمق في تطويعها لما تقتضيه الفكرة التي يسعى إلى تأسيسها فنكاد نلمح خصوصية تعبيرية تؤكد سيطرته الشديدة لهذه الخامة التي يعمل بجهد في ترويضها لتحقق مبدأ الوحدة والانسجام التي يسعى الفنان عادة إلى خلها في عمله الفني  "فالعمل الفني وحدة من المحتوى والشكل، المحتوى هو جسده من الفكر، والشكل هو التحقق الموضوعي الفني لفكرة، عن طريق ديناميات العمل والسيطرة على الأدوات والخامات والصور الإنسانية المدروسة من الحياة"[2] ، هكذا تبدو منحوتات الفنان عبارة عن رحلة يعيد فيها اكتشاف الجسد الأنثوي مقدما إياه في وضعيات عديدة تساير قوة الأفكار التي يسعى إلى طرحها والتي تساير بدورها عمق الوجود الإنساني في الأرض الفلسطينية وما يرمز إليه من قيمة التشبث والصمود والصبر رغم ما يعتري الجسد من حالات انكسار تتشكل بصورة واضحة في بعض الأعمال من خلال اختفاء لبعض من أجزائها، وبالتالي اعتماد الفراغ كعنصر هام في  البناء، يعمد إليه الفنان كرؤية حديثة في فن النحت تؤكد أهمية عنصر الفراغ في تكوين العمل النحتي، كل شيء في البناء يبعث إلى الشعور بتوازن  البناء في الفضاء والعين تكتشفه في تتبعها لتلك الحركة التي تميز البناء انطلاقا من هيكله فمرورا ببقية الأجزاء المكونة للجسم في كتلته،  فكلها تعكس قدرة إياد الصباح في التعامل مع مادته والتي تستقل في الأخير لذاتها دون أن تستقل عن جملة أفكاره الملتحمة مع واقع الإنسان داخل الوطن .

الجسد الثقافي ـ التخليد ـ... يتركون وصية

                        في كل متر من فناء البيت:

                    "لا تتذكروا من بعدنا إلا الحياة... محمود درويش ـ لا ينظرون وراءهم ـ

    يستحضر الفنان إياد الصباح في بعض منحوتاته صورا أعاد فيها تمثيل فنانين من وطنه فلسطين، والاستحضار عنده يتخذ معنى التخليد والتمجيد، فالإرث الفني لوطنه متنوع في أسلوبه، ملتزم في تعبيره، حيث تحمل كل تجربة فنية فرادتها من خلال أصالة اللغة التي تصوغ بها نصها البصري، بيد أن المضمون يحلق في سماء فلسطين، ويحمل الهم الجماعي أبعادا جمالية وفكرية كثيرا ما تتسارع داخل إيقاع المنجز الفني للمبدع الفلسطيني.

إذ يحاكي إياد صباح صورة كل من الفنان كامل المغني وعبد الرحمان المزين، فيكتفي في منحوته الأولى  بجزء يخص فيه النصف العلوي لجسد الفنان مقتصرا على يد واحدة، اعتمدها لينقل تلك العادة التي تميز المبدع في مسكه لسيجارته الكلاسيكية، وكأنه في وضع تفكير أو هي نظرة تأملية تستقيم في نهاية كل منجز فني لديه...أما المنحوتة الثانية يخص فيه المبدع عبد الرحمان المزين فيقتصر فيه الفنان على تمثيل الرأس واضعا إياه فوق قاعدة لخلق التوازن .    

لعل في تكريمه لهذه الصور ما يكشف عن انطباع ذاتي يؤكد التأثر بطلائع الفن الفلسطيني والأكيد بأن الذات المبدعة تنهل من الماضي تأثرا به، فتسعى للتماثل مع أصالته، فكان لا بد من فعل التجسيد كفعل يهدف إلى تمجيد تلك الأصالة، وكان لا بد للمادة أن تأخذ شكلها النهائي مترجمة أفكارا باتت تلح عليه الصعود إلى سطح عالم الإبداع، وهو ما جعل  الصورة على ما تحب مخيلته في النحت الحديث، ملامح تبدو دقيقة في تفاصيلها، وقدرة في التحكم في مناطق الضوء والظل بصورة عجيبة تعكس تفردا في التشكيل عند الفنان، فرغم أن المنحوتتين وان بدتا صغيرتين في الحجم إلا أن الفنان قد عكس فيها حرصا يبدو شديدا في تعامله مع المادة، فلم يترك للصدفة أن تفعل فيهما، بل إن حركة أنامله تعكس سلاسة في صقل المادة وفق رؤيته الخاصة لها. فالمنحوتتين ليستا إلا استعادة ذاتية لروح الماضي ، إذ يبدو أن من خلال التركيز على شخصيات أبدعت في تأصيل ثقافة الوطن، كان لا بد من فعل التمثيل محاكاة بهدف التخليد، " وفي حالة التوهج الفني نكون قد  تخطينا ما ندعوه الآن بالنسيان الأبدي الذي هو الموت"[3] ، وكم من أعلام في الثقافة الفلسطينية تأبى النسيان، فكان الفن ملاذ المبدع لاستعادة تخليدها واستحضارها في التاريخ الراهن.

وإذا ما كان الإنسان سيد الخلق ومركز الكون، فانه لدى الفنان إياد الصباح قد جسد حالة تشكيلية، استوقفت مخيلته الإبداعية ليكون حاضرا في الكثير من أعماله خاصة في مجسماته النحتية، فهو الموضوع الأول بامتياز والدافع لتجربة الخلق لديه، لأن الذات الفلسطينية تسكن هاجسه مند صباه، فتفنن في تمثيله ليشخصه في شتى أحوال حياته وهويته الفلسطينية، متماثلا في كثير من الأعمال مع واقعه المستباح، فجاء مثقلا بأوجاع الحرب، مضطهدا في وطنه، أحاط به في منحوتاته خاصة من جوانب عدة، ليسجل من خلاله موقفا إنسانيا يحاكي فيه قضية إنسانية تطرح في الراهن كأثر القضايا تشتتا في إنسانيتها  ورغم تعدد منافيها إلا أنها ظلت تقاوم لاستعادة فردوسها المفقود ووجوديتها المستباحة، فكانت أعماله ومنحوتاته خاصة  تعبيرا عن صدى المقاومة شكلا ومضمونا، وفي  لحظة تذهنها يلتفت إليها المتقبل مدركا أبعادها من خلال ذلك الارتباط الوثيق بين الفن والفكر والسياسة، فهذا الارتباط يكتسي خصوصية ذاتية في تجربة الفنان لان التعبير عنده يتأتى من" ديالكتيك حسي" في تعامله مع المادة ومن خلال" ذاكرة التحدي " التي تؤسس كل عمل فني ، "وهكذا نرى أن الأثر الفني سواء أكان تعبيرا أم خلقا أم إدراكا هو نتيجة انعكاس الوجود على ذات الفنان"[4]، وانعكاس واقع الوجود الفلسطيني يبدو عميقا في فعل التشكيل عند المبدع إياد الصباح الذي تنهل مخيلته منه وفق أساليب الفن الحديث.  


 

[1] ـ "الفن التشكيلي: نقد الإبداع وإبداع النقد"، لكلود عيد، ص51

[2] ـ "الواقعية في الفن"، لمجاهد عبد المنعم مجاهد، ص41

[3] ـ "الفن التشكيلي المعاصر في الوطن العربي1885ـ1985"، لشوكت الربيعي، ص152.

[4] ـ "فلسفة الجمال في الفكر المعاصر"، لد.محمود زكي العشماوي، ص32.

  • إياد الصباح..
    منحوتات من طين ومعدن.. بين التمثيل والتماثل.
    نجاح الدنقير
    ، أستاذة فنون وباحثة تشكيلية، تونس

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 

09/01/2015

ورقة من حياة فنان