Rubin in his workshop.
 
Reuven Rubin, Arab Fisherman, 1924. oil on canvas
On the road to Safed, 1930s
 
 
 
 
 
 
 
 
 
  •  
  •  

  • نحن نعرف أن الفن ينتصر بقيمة الجمالية والسامية على كل القيم الأخرى سواء كانت مادية أو حسية فالفن قيمة تخرج من الذات أو بالأحرى من عمق الذات وبفرضية أن الذات تحوي فطرة الإنسان السليمة والعاقلة فإن الفن ينطلق من داخلنا بتلك القيمة التي قد تشكل جزءاً من الخير في ذاته على حد التعبير الأفلاطوني.
    ولعل البيئة التي تشكل الذوق الذاتي هي أهم الأشياء التي تصبغ المنتج الفني بصبغة خاصة جداً وبالتالي تعطي للفنان تلك المذاق الخاص به وبأعماله الفنية وتصبح فكرة التميز جزءا من إنتاج بيئة ورؤية الفنان الخاصة.
    وربما نتعجب أنه على مدار 80 عاماً من النقد التشكيلي هم: عمر النقد التشكيلي في الوطن العربي ومنذ خوسيه بارلو ورينه كروبي وهما أول من كتب النقد التشكيلي في وطننا العربي منذ هذه البداية البعيدة نوعاً ما لم يتناول النقد التشكيلي فناناً عرف عنه انه ارتبط بإسرائيل ولو من بعيد ولا نعرف السبب في أحجام النقاد عن تناول مثل هذه النوعيات من الفنانين ربما خوفاً من أن يعبر من قريب أو من بعيد عن فكرة الفن اليهودي لكن هذا بالطبع غير صحيح فليس هناك ما يعرف بالفن اليهودي ربما هناك بعض الفنون تحمل وشائج عبرانية لكن ليس من بينها الفن التشكيلي.


يقول الفنان الألماني هانديل كريج : حينما ترحل عينيك فوق سطوحه الراقصة ببهجة من صنع الألوان تستطيع أن تسبح في قيم إنسانية جميلة وقوية وترى إيضا بساطة المشهد التشكيلي في صياد عربي عائد من صوب الشاطيء يداعب أسماكه أو سيدة ريفية ترضع وليدها أو حتى فتاة جميلة ترتدي الزي الجليلي وتعزف على المزمار.. يحدثنا روفين بريشته ويداعب حواسنا يرينا حوائط فلسطين قبل أن تتلطخ بالدماء والآنين.. روفين ناضج ومذهل في زمن اللامدرسية.
تستوقفنا مقولة كريج وتربطنا بشكل مباشر بفنانا اليوم روفين روبين وهو فنان يهودي من رومانيا اختطفته فلسطين فشكلت فنه فإذا سلمنا بأن اليهود استعمروا فلسطين فلقد أستعمرت فلسطين فنهم وسوف يستمر ذلك إلى عدة قرون قادمة.
وعلى الرغم من ذلك فإن روفين لم يكن من اليهود الذين أحبوا أن يكونوا من المستعمرين لكنه رحل إلى فلسطين للدراسة كما سوف نذكر بالتفصيل.
إذا سلمنا بكل ما في مقولة كريج عن روفين استطعنا أن نصل إلى نتيجة هي نظرية نستطيع أن نطبقها على معظم جيل روفين وهي أن هناك جيلاً من الفنانين عاشوا خارج إطار المدرسية التي انتشرت في أوائل القرن العشرين فمن لم ينتم إلى حركة فنية أو مذهب أو مدرسة تشكيلية لم يصب شهرة تذكر على الرغم من ذلك فإن هناك جيلاً ظل خارج تلك النعرة المدرسية وأصبح متميزاً بفنه ومن هؤلاء روفين روبين ذلك الفنان الذي كان خروجه عن الأطر المدرسية في بداية القرن العشرين إرهاصه بوجود هذا الجيل الحر وفن التعبير بحرية دون اتباع خط تشكيلي مسبق.
لم تكن أيضاً الرؤية التشكيلية عند روفن رؤية أوربية بالرغم من أنه نشأ في أوربا وعاش فيها شرخ الصبا لكن هذه الرؤى التشكيلية كان عربية بكل ما تحمله الكلمة من معنى فلقد اطلع روفين على أعمال معاصريه من الفنانين العرب مثل بيكار ومحمود سعيد ومختار وغيرهم بل وليس من العجيب أن نجده يقترب من الأخوين وانلي في كثير من الأحيان.
ولكي نقوم بتحليل صادق لروفين علينا أن نذكر جزءاً من سيرته الذاتية لأنها لها شديد الأثر في مشواره الفني.
ولد روفين زيلكوفيتش والشهير بروفين روبين في رومانيا في 13 نوفمبر عام 1893 لأسرة يهودية حسيدية فقيرة كمعظم أسر أوروبا الشرقية في هذا الوقت وكان هو الابن التاسع في أسرة تضم 13 أخاً وأختاً لكنه على الرغم من ذلك كان محظوظاً فلقد أرسل عام 1912 لدراسة الفن في أكاديمية بيزاليل الفنية في القدس والتي كانت آنذاك وكل فلسطين تابعة للحكم العثماني وهناك ولمدة عام واحد فقط شعر بأنه لا يتماشى مع فكر المدرسين السائد في الأكاديمية مما دفعه عام 1913 للرحيل إلى باريس لاستكمال دراسته في المدرسة الوطنية للفن ولكن الحرب العالمية الأولى ما لبثت أن اندلعت واضطر روفين للعودة إلى رومانيا وهناك قضى سنوات الحرب وفي عام 1921 سافر الى نيويورك بصحبة صديقة الفنان أرثر كولينك وهناك قاموا باستئجار أستوديو وتعرفوا على الفنان الشهير الفريد استيجليتز وظلوا يعملون في الأستوديو حتى عام 1923 حيث قرروا الرحيل إلى فلسطين مرة أخرى بعد رحلة قصيرة لأوروبا.
وفي فلسطين واصل روفين رؤيته اللامدرسية حيث قام باتخاذ البيئة المحيطة حوله كموديل دائم ومتجدد فكان أهم عنصر في موضوعاته الشخصية العربية والتي تشكل عنده الفلسطينيين واليمينيين الذي اكتظت بهم فلسطين كيهود مهاجرين كما كانت المناطق التي أحب تصويرها دائماً هي الجليل والقدس بحكم أنها تحتوي على مشاهد طبيعية عالية الذوق والجمال.
ونعود مره أخرى لأسلوب روفين والذي يرتكز على عدة دعامات أهمها اللامدرسية كما أسلفنا وتبقى دعامات أخرى هي الاتزان اللوني فنحن كما نعرف أن الفكرة اللونية لدى الفنان التشكيلي هي جزء من فلسفته وأسلوبه ونعرف أيضاً ان الاتزان داخل المساحات اللونية شيء صعب لأن التعبير بكل عنفوانه يجعل من الفنان عرضه لأتباع منهج لوني يكون أحياناً فاقعاً ومبهجاً وأحياناً كثيرة قاتماً وكئيباً وعلى ذلك كانت التقنية اللونية لدى روفين هي تقنية تبعث على الأمل والبهجة بشكل او بآخر لأنه وازن بين عدة مجموعات من الخلطات اللونية أو بلغه أكثر تخصصاً عدة حزم لونيه منها الفاتح البارد والفاتح الساخن والقاتم بكل درجاته كما اعتمد روفين بشكل أكثر على تقنية التكثيف في بعض جوانب اللوحة حتى يلفت النظر لنجاحه في تهجين الأوان والخروج بمرحلة خاصة تميزه هو فقط حتى ولو كان ذلك بشكل غير مقصود.
نسب روفن تتأرجح بين الرفيع المفرط في الطول بين المتوسط الأقرب للنحافة بحكم أن روفين نفسه كان نحيفاً ولأنه أغرم بتكوينه كمثال إنساني حاول أن تكون النحافة هي سمة غالبة في معظم لوحاته (خاصة المتأخرة منها وهذا بالطبع من مشكلات اللاوعي التي تجعل من الفنان أميل واكثر تقبلاً لمن هم على شاكلتهم كنموذج.
ولن يصدق القارىء إذا عرف أن روفين كان يقضي عدة أيام في تركيب الألوان فقط حتى يتسنى له أن يكون له مشروعه الخاص لونيا.
أيضاً هناك ما يلفت النظر لدى روفين من ناحية التسطيح الذي كان متعمداً في بعض لوحاته وهذا بسبب إعجاب روفين بنموذج الأيكينوجرافيك الذي أنتشر في رومانيا وكل أوروبا الشرقية على اعتبار أنهم يتبعون المذهب الشرقي ومن ثم متأثرين بالفن البيزينطي التي كانت الوحدة الرئيسية فيه هي الأيقونة من هنا يتجه روفين إلى بعض التسطيح والمقابلة لكن بتقنية أكثر تطوراً من الأيقونة ذاتها.
على أية حال فإن أسلوب روفين كان شديد التأثر ببيئة فلسطين تمام التأثر وكانت معظم شخوصه عرب حتى وان حاول في بعض الأحيان أن يلبسهم خواص طوائف أخرى وحتى عندما قام روفين بعمله الشهير يسوع المتسامح والذي استوحى فكرته من العهد الجديد لن تجد في وجوه هذه المجموعة غير شخصيات عربية البسها روفين الحدوتة العبرانية.
من هنا أصبح روفين علامة من علامات الفن في الشرق الأوسط حتى إن الحكومة الإسرائيلية اعتبرتها سفيراً للفن من هنا أرسلته في أواخر الستينيات ليكون سفيرها في رومانيا. لكن علينا أيضاً أن نبرىء الرجل من تهمة التحزب لفكرة الاستعمار فهو بالأساس يصنع السلام على حواف لوحاته المبهجة والمعبرة عن خصوصية تلك الأرض العربية كما أنه يألف فلسطين كما كانت عربية منذ أن وطئها لأول مرة وهي تحت الحكم العثماني.
توفى روفين روبين عام 1974 وافتتح فيما بعد متحفه عام 1983 كما يحتفظ متحف القدس له بعدة أعمال ويعتبر الآن من أكثر الفنانين مبيعاً في سوثبي حيث باعت مجموعة له العام الماضي في نيويورك بحوال 12 مليون دولار.

  •  

  •  

  • روفين روبين فنان يهودي برؤى عربية صرف
    أسلوبه يعبر عن مذهب اللامدرسية
    باسم توفيق
    الراية لاقطرية

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 

17/03/2015

ورقة من حياة فنان