• لقد كان لحركة الحداثة التي اجتاحت الفنّ منذ الرّبع الأخير من القرن 19 والتي تواصلت إلى منتصف القرن الماضي، والتحوّلات المتسارعة لتيّاراتها أثر كبير في تحويل مسار فنّ الخزف بعيدا عن وظيفته النفعيّة، فضلا عن التطوّرات الصناعيّة الحديثة، والتي ساهمت في نهاية الأمر في استقلال فنّ الخزف كجنس فنيّ مستقّل، له اهتماماته الفنيّة والجماليّة المحضة، له نظرياته وتطبيقاته العلميّة، إذ لم تعد الممارسة الخزفيّة المعاصرة رهينة الحرفة، وإنما تجاوزتها حين سمحت بمادّته الأولى (الطّين) بأن تتيح فرصا أكبر لمبدعها لتجاوز كل أشكال المحاكاة والتّقليد،"غيرأن"الطيّن"مجرّد مادّة للخلق. مجّرد "موضوع". ولا بّد له من "ذاتيّة" الخلق."[1]

 لذلك كان لروّاد الفنّ الخزفيّ المعاصر بالعراق الفضل الكبير في التحرّر من التّقليد والسموّ به نحو الغاية الجماليّة، وفي مقدّمة هؤلاء الروّاد نذكر خزافنا "سعد شاكر"، وغيره من الخزّافين أمثال "ماهر السّامرائي" و"أكرم ناجي" و"طارق إبراهم" و"شنيار عبد الله"...[2]،  ولا يزال الخزف العراقيّ يبدع أعمالا فنيّة خزفيّة تنافس الخزف العالميّ المعاصر، ولعلّ المشاركات العراقيّة التي حصلت على جوائز عالميّة وعربيّة في أغلب المعارض التشكيليّة العالميّة والإسلاميّة خير دليل على ذلك[3].

من المعلوم أيضا كما اسلفت الذّكر أن فنّ الخزف له طبيعته الخاصّة لارتباطه على مدى العصور بطابعه التزيينيّ النفعيّ، لذلك ظلّ موضع جدل، هل هو محض فنّ وظيفيّ، أم أنّه فنّ ينضوي أيضا على خطاب تعبيريّ، وجدل كهذا لم يكن إلاّ انعكاسا للمعايير السّائدة في الغرب، فكان "سعد شاكر" أوّل من حسم هذا الجدل في العراق، وقدّم أعمالا خزفيّة تجمع بين شكل أخّاذ في جماله، غنيّ في مضمونه التعبيريّ.

 إذا ما تعمقنا في تحليلها، سنلاحظ حتما أن العلاقة التي تربط "سعد شاكر" بالطّين هي علاقة حميمة وذلك منذ بداياته الأولى، وبوسعنا أن نلمس ذلك العشق، من خلال ارتباطه بهذه المادّة وقدرتها على استفزاز خياله في ملمسها وطواعيتها، إذ الطّين عند خزافنا مادّة حياة يصوغ منها فكره، ويضمّنها رؤيته، في الوقت الذي يمارس فيه أقصى درجات التّحدي للسّيطرة عليها، حيث وجد ضالته في المادّة الأولى (الطّين)، يمكن أن نلمس ذلك من خلال أعماله النحتيّة الخزفيّة، حاول بها الفّنان أن يعكس صورة الإنسان العراقي عبر إعطاء قيمة تعبيريّة مزدوجة للمادّة الخام بأشكالها المجرّدة، مستوحيّا أشكالها من الطبيعية أو من الإنسان أو من خلال الموجودات الطبيعيّة، كما لا يجب أن ننسى أيضا الرّموز الموروثة من الماضي، ليكون خزّانا معرفيّا ومساحة يتحرّك منها الخيال، محلّلا كل مفردة فيها ومشكَلاً تراكيب جديدة تمتلك روح المعاصرة، نجد "سعد شاكر" ذا إمكانيّة فائقة في إحالة الموضوعات الحياتيّة إلى أعمال خزفيّة، فالعمل الخزفيّ حسب وجهة نظره يجب أن يكون مختزلا، يبتعد عن التشخيصيّة مقتربا من تمثيل الجوهر. جميعها من الصّيغ المميّزة للحضارة المعاصرة، لقيامها على الحداثة والتجديد والابتداع، مما يجعلها تناهض أشكال المحاكاة المباشرة، بالتالي فهي غير محدّدة لا بزمان ولا بمكان معيّن، مما يساهم في حضورها في التاريخ الإنسانيّ، تختصّ بإبداع أشكال جديدة تدرك عصرا جديدا ذا صلة وثيقة بذاتيّة فنانها عابرة لخياله الخصب، مؤسسة لجماليّات التّحديث في التّشكيل العراقيّ المعاصر بشكل عام والخزف العراقيّ بشكل خاصّ، ولتثير بداخلها العديد من الأسئلة الوجوديّة والآراء الجماليّة والتناقضات.

 فبعد أن مرّ الخزف العراقي بمحنة صراع طويلة بين التمسّك بالتقاليد القديمة أو النزوع إلى الحداثة، لأجل إكساب الخزف سمة جماليّة تبتعد إلى حدّ ما عن قوانين الأيقونة، ولتحدّد بصمته، الممتلئة بسمات التّحديث، من هنا يمكن أن نستحضر مقولة للفيلسوف الفرنسيّ "هنري برغسون": "الحياة قاسية والصّراع معها طويل ومرير، وكل فنّان له فلسفته في الحياة وينظر إليها بمنظاره الخّاص."[4] وعلى هذا الأساس نلاحظ أن الخزّافين العراقيين أمثال "سعد شاكر" اهتموا ببلورة ملامح الخزف العراقيّ، ذو النزعة الحداثويّة والمشتغلة على آليات التخييل والمخيال، التي تقترب من التصوّرات الذهنيّة الحدسيّة، والتي ساعدت خزّافنا على ابتكار قيم جماليّة مثاليّة جديدة، "إن الفنون البصريّة النابعة من مخيّلة الفّنان العربيّ قادرة على أن تستثمر هي الأخرى أفضل قواها الخلاّقة في استكشاف تشكّلات ما هو بدئي وانعكاسات ما هو عريق...عند كثير من الفنّانين العرب يدفعهم الإحساس بوصل هذه الشّفرة السرّية بين الماضي والحاضر، وصولا لروح صميميّة قابعة في الرّوح والوجدان"[5]، ليصبح بذلك العمل الخزفيّ لا نظيرا لما هو موجود في العالم المرئيّ، بمعني أن الجماليّات المبتدعة ما هي إلاّ رموز لما فوق الحسّ، استعان بها "سعد شاكر" في تشكيل مفرداته على أجساده الخزفيّة ليصبح نتاجه الخزفيّ أحد مظاهر تجلّي الفكرة في المحسوس مثلما يقول "هيقل": "في كلمة يبدع الفن عن قصد صورا، ومظاهر مخصّصة لتمثيل أفكار معيّنة، وهو يرينا الحقيقة في أشكال محسوسة."[6] كان من المفيد عند "سعد شاكر" أن يجتهد في ترحيل الواقعيّ (المرئيّ) إلى مناطق المثال (اللاّمرئيّ)، من أجل إطلاق العنان لذاتيته في التّجديد والابتكار، وما تلحقها من عمليّات إعادة صياغة الأشكال تقنيّا وذهنيّا.

إن تجديدات "سعد شاكر" يجب أن تُرى كأفعال وليس كصور، ليعبّر عن هيمنة الحدس والمخيّلة، لإبداع أشكال تتجاوز منطق الواقع، فأشكاله لا تحيلنا على الموضوع الذي هو بصدد طرحه، وإنّما يترك المشاهد في حيرة إزاء أعماله، لتتوالد أشكاله وتأويلاته التي لا توقفها حدود، واختزاله الظّواهر المرئيّة، لتأكيد استقلاليّة الأشكال الخالصة، فعلى سبيل المثال نصبه الخزفيّ (الزّوجان) تمّ ترحيلهما من عالم فنّ النّحت نحو فنّ الخزف من خلال إعادة تمثيل الأشكال بأسلوب يجعلها موحيّة بدلالات جديدة، فمبدعات خزّافنا ليست خزفا بقدر ما هي أفكار.  

   لقد توّج "سعد شاكر" الرّجل بشكل الهلال مقرّبا دلالته (للإله سن) إله القمر، في حين توّج شكل المرأة بنجمة (للآلهة عشتار)، ليكون هذا النصب دلالته كامنة في فكرة (التعبّد) أمّا النّظام الشّكلي عند الفنّان يكمن في تعبيره الخياليّ، ليكون تلميحا إلى عراقيّة تشكيلاته،  ووضوح هويتها، من خلال رمزيته القدسيّة من سومر وحتى رسوم الواسطي من العصر العبّاسيّ، تكون دون زمان ولا مكان، فيقيم علاقة مع المتخيّل أو مع اللّاواقع، قصد ابتداع أشكال تستطيع تجاوز منطق الواقع، من خلال تحويل المفاهيم إلى رموز، والتجريدات الذهنيّة إلى صور فنيّة، وليكون الموضوع عند خزّافنا، محض وسيلة لخلق علاقات شكليّة تجريديّة.

لو عدنا الآن إلى منجز خزفيّ آخر (ثورة حجر)  فإنه بإمكاننا أن نلاحظ تجلّي الخيال بصفة واضحة في أعمال "سعد شاكر"، فالتمثال (ثورة حجر) يُعلن عن نضال الإنسانيّة وكفاحها من أجل حرّيتها، فالمشهد البصريّ يكون من خلال نافذة ضيّقة لزنزانة سجين يخترقها الوجه بصيحته المدوّية  قصد تحقيق فكرة الانتصار.

       إن هذا العمل بمثابة قوّة أسطوريّة، إنها ثورة الإنسان في كل مكان وفي كل زمان ضدّ الطغيان، إذ الزّمن في أعمال خزّافنا لا يكون أو أنّه لا يُعلن عن ذاته إلّا في ضوء النتائج والأفعال، أمّا المكان فهو مُغيّب أيضا في التكوين، ليبدأ من نقطة لا يمكن تحديدها إلّا في خيال المتلقي الذي يلعب دورا عند تشريكه، وجعله فاعلا في تخيّل ما يمكن أن يكون، إنها أزمنة وأمكنة كونيّة في مخيّلة "سعد شاكر" الإبداعيّة، لا تحدّدها حدود، فقد كان يراوح في اختيارته للشّكل المُقدّم، ليذهب إلى سومر لانتقاء شكل العينين و"مونش" لتقرير شكل الفم (الصيحة)، ليصل إلى "جيمس أنسور" لتمثيل نوعيّة اللّثام للإعلان عن تخفّي الشّخصيّة. 

لقد كان الفنّان ينزع هنا إلى تحطيم المنظومة التشخيصيّة لنظام الصّورة قصد الوُلوج ضمن ما هو انفعاليّ، ومن ثمّة الكشف عن مشكلات الذّات الإنسانيّة، من خلال طرحه لقضايا سياسيّة رغم البعد الزّمني بين العملين، إلاّ أنّهما يشغلان نفس القضيّة ونفس الموضوع، ولكن بطرح فنيّ مختلف، وهنا تكمن قدرة الفنّان الإبداعيّة في إخراج منحوتاته الخزفيّة، بقُدرة فنيّة بالغة الحنكة.

 

[1] غاستون باشلار، الماء والأحلام دراسة عن الخيال والمادة، ترجمة د. علي نجيب إبراهيم، تقديم أدونيس، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة1، بيروت، ديسمبر2007، ص. 8.

[2]  سعد شاكر وماهر السامرائي وأكرم ناجي وطارق إبراهيم و شنيار عبد الله وغيرهم من المبدعيين في فن الخزف، كانوا قد وظفوا فن الخزف العراقي في مرحلة متقدمة وجعلوه يتفوق في مناحي كثيرة، على الكثير من أعمال الخزفيين في العالم على الرغم من تطور الوسائل الصناعية  في العالم وخاصة بأوروبا.

[3]  أنظر الملحق ص.ص .4 -5. 40...43.

[4] الدّكتور راتب مزيد الغوثاني، جماليّة الرؤية، تأمّلات في الفضاءات البصريّة للفنّ العربيّ، دار الينابيع للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة 1، 1999ص. 134.

[5]  محمد أبو رزيق، من التأسيسي إلى الحداثة في الفن التشكيلي العربي المعاصر، مطبعة الجامعة الأردنية، عمان الأردن، الطبعة 1، 2000، ص. 157 .

[6] Georg Wilhelm Friedrich Hegel, Esthétique, Tome premier, Traduction française de Ch. Bénard, Une édition électronique réalisée à partir du texte, Esthétique, Paris, Librairie Germer-Baillère, 1875, p. 27.
 

  • أهمّية الخيال وأثره في تجربة الخزّاف "سعد شاكر"

الباحثة نوال بن ضياء /تونس

 
 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 

14/06/2015

ورقة من حياة فنان