Préoccupé, 2015.
Tournée électorale, , 2015.
NATION, 2015
Voyage
Prière de gratitude
Rêve
D’une rive à l’autre
D’une rive à l’autre
D’une rive à l’autre
 
 
 
 

خضراءُ ، أَرضُ قصيدتي خضراءُ عالية ٌ

تُطِلُّ عليَّ من بطحاء هاويتي

غريبٌ أَنتَ في معناك . يكفي أَن

تكون هناك ، وحدك ، كي تصيرَ

قبيلةً

غَنَّيْتُ كي أَزِنَ المدى المهدُورَ

في وَجَع الحمامةِ ،

لا لأَشْرَحَ ما يقولُ اللهُ للإنسان ،

لَسْتُ أَنا النبيَّ لأَدَّعي وَحْياً

وأُعْلِنَ أَنَّ هاويتي صُعُودُ

..

وأَنا الغريب بكُلِّ ما أُوتيتُ من

لُغَتي . ولو أخضعتُ عاطفتي بحرف

الضاد ، تخضعني بحرف الياء عاطفتي ،

وللكلمات وَهيَ بعيدةٌ أَرضٌ تُجاوِرُ

كوكباً أَعلى . وللكلمات وَهيَ قريبةٌ

منفى . ولا يكفي الكتابُ لكي أَقول :

وجدتُ نفسي حاضراً مِلْءَ الغياب[1] .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اخترت هذه العبارات التي نطق بها شاعر القضية محمود درويش لأني ودون مغالاة وجدت فيها نوعا من التلاقي مع تلك التشكيلات التي لقيتها في أعمال الفنان التشكيلي التونسي "وسام عبد المولى"[2] فهي رسومات تبطن أفكار وأحلام وتحكي رواية الذات وتترجم واقع الفنان، وهو ما يتراءى لنا خاصة من خلال معرضه الأخير "من حافة إلى أخرى"[3] الذي ظل فيه وفيا لذاته الابداعية التي لم تقتصر في أسلوبها التعبيري بتدوين الانطباعات المرئيّة بقدر ما عملت إلى التّعبير عن تجاربه العاطفيّة والقيم الروحيّة. بحيث استطاع أن يصنع لنفسه تركيبة مميّزة مستوحاة من وحي إلهامه، والكشف عن أهدافه المرسومة بالتّالي لا يمكنه الفصل بين الإحساس الذي أكنّه للحياة، وبين طريقته في التّعبير وفق طراز تفكيري لا يتضمّن العاطفة المرتسمة على وجه الإنسان أو التي تفضحها حركة عنيفة، فأدرك الرؤية الحيّة واستطاع أن يرسم تكوينا شكلانيّا طموحا منوّعا في التقنية، ويظهر ذلك جليا في سلسلة أعماله "سعادة"، "نرجسية"، "حلم"، كيف"، "الأمة"... التي نلمس فيها دعوة صريحة إلى الغوص في رحلة قوامها النظام والجمال، الترف، الهدوء واللذّة. فالموضوع يجسّد لنا المشهد المكتظّ بتعابير إيحائية تذكّرنا فعلا بالفنّان "هنري ماتيس واندريه ديران" اللذان قدّما في صالون الخريف عملهما المشترك الذي أسمياه "بالوحوشي"، اقترنت هذه التسميّة منذ تلك المدّة بطريقتهما واصطبغت بنهج أسلوبهما، بحيث استطاع  ديران أن يضيف لفنّ ماتيس ونظامه الفكري شحنات عاطفية متّقدة. وفي النهاية جعلت استثمار اللون المتمثّل بصور لونيّة لأشخاص مؤطرة بشريط أخضر ويبدو ذلك واضحا في لوحة ماتيس " بهجة الحياة" التّي عبّرت عن نفسها لتنطق بالمواساة ما بين الفرح والسّكون والعنف والبراءة، فالنماذج الفنّية فيها مترجمة إلى إيقاعات خطيّة بحرّية وألوان غير مقيّدة بأيّة وظيفة زخرفيّة لتتغنّى معا مثل أوتار الموسيقى.

وبالعودة إلى أعمال "عبد المولى" نلمس ذلك البعد المتماهي في تصوير خلجاته الفكريّة والفنّية وبين العظمة والجرأة في اللّغة التصوريّة الشديدة التّعبير، امتزجت فيها اللذّة بالمتعة المتناهية الجمال، وبعزيمة فائقة منه استطاع أن يكسب الصّورة قيمة عليا بفضل مقدرته في تمثيل ما تسكنه من عواطف تزدحم في خلجات ذاته .

فالتّعبير عند "عبد المولى" يعتمد أساسا على إنتاج مشهد درامي يرتكز على تمثيل الواقع، فأكسب أعماله حركيّة تخدم المشهد الملخّص في عناوينها المعبّرة والتّي تعكس محتوى اللوحة  لتبدو في حوارها ساكنة، مستخدما الإرادة في تحريكها موظفا أدوات التّعبير الموائمة مع مستجدّات الفعل، لترويض ذاته الحائرة وإشباعها، فيتعامل بمعطيات ومعايير مضبوطة مبنيّة تحت وطأة الواقع الذي يعيشه.

من الملاحظ أنّ فنّ "عبد المولى" غير قائم على الارتجال والتّعبير عن الذّات بطريقة تلقائيّة، بل يرتكز على الصياغة المنسّقة والتّعبير الإرادي المنظّم الذّي يقوم على الدقّة والصرامة وروح التشدّد مع الذّات. فإذا هو يريد أن يحقّق التواصل بينه وبين المتلّقي لنراه لا يتوارى عن الاختفاء وراء شخوصه، داعيا المتأّمّل أن يتقمّص ويشترك في حوار رؤاه البصرية  في الشكل و في الجوهر.

ففي معرضه الأخير "من حافة إلى أخرى" دارت موضوعاته حول الغربة والذات، عوالم استطاع الفنان أن يدخل في تفاصيلها ليقدم رؤية بمفردات تشكيلية، تبيّن العديد من الخفايا، وتفصح عن جانب من حياته الفنّية، وعن طابعه الشخصي المتضمّن لجانب ينوّه عن تصميم الفنّان وإرادته الإنسانيّة إلى حدّ يكون هو الهدف أحيانا في العمل، متفاعلا مع عالمه الفنّي وعالمه الواقعي، مصطدما بحريّات الآخرين. استهدف الفنّان الإنسان بطريقة إيحائيّة في شكل طبيعي مرئي تغيب فيه دقّة التّفاصيل على سطح تصويري، وهذا الإيحاء نابع من أصل اللون الموّظف والمكمّل لعمليّة إخراج المشهد، متّخذا معاني ودلالات تخدم موضوع الصّورة، تتراوح هذه الدّلالات بين توظيف تباين الدّاكن/ الفاتح القائم على غياب اللون الصّافي في علاقته بالأبيض والأسود والرمادي، بحيث تضعف قوّة إشعاعه.

تباين الحار/ البارد وهو تضمين للألوان بإنفعاليّة سريعة ذات حرارة متوهّجة ومتّقدة تحيل إلى احتكام الفنّان الحسّي والمرهف بصيرورة المشهد، وهذا ما يذكرنا بفنّ البوب أرت حيث كان من الضروري أن يؤكّد فنّاني ومصمّمي هذا التوجّه على العوامل الجاذبة كالألوان الساخنة الصّريحة واستخدام اللون الأسود لتحديد الأشكال وعناصر الصّورة.                                                      ولّدت هذه التّباينات قيما تعبيريّة تختلف فيها درجات الإضاءة حسب أحداث اللوحة، وكأنّنا أمام ركح مسرحي يستعرض مقطعا دراميّا، فتبرز جملة من العلاقات أساسها علاقة المشهد الممثّل بالخلفيّة، وهي علاقة قائمة على ثلاث أساليب: إمّا أن تبرز إضاءة الألوان كمستوى أوّل على حساب الخلفيّة المنغمسة في العتامة والظلمة، فتبدوا الأشكال ناصعة متألّقة على خلفيّة قاتمة، أو عكس ذلك حيث تمجّد الخلفيّة وتبرز على حساب المضمون. أمّا الأسلوب الثّالث فهو مبني على تحقيق التّوافق بين الخلفيّة والمضمون، بحيث لا يمكن الفصل بينهما، وبالتّالي فبناء اللوحة هنا معتمدا على علاقات الألوان فيما بينها.

إنّ غاية الفنّان تكمن في تحقيق التّناغم بين اللون والمضمون، معتمدا في ذلك على مبدأ التّباين الذي بدا واضحا في ذاته، فضلا عن توظيف الضوّء بمختلف تدرّجاته في بعض الرسوم. وللتّعبير أحيانا عمّا يختلج في نفس هذا الرسام من تصوّرات فنّية متباينة.

إن المتأمل في أعمال الفنّان يلاحظ أنه يطغى عليها الحنين والتّشبث والرّغبة في الفعل، وهذا أمر ملموس في أكثر من مستوى، حيث يأتي من داخل العمل ومن التّركيبة التّي يقترحها ليصبح هدفا فنيّا، متمسّكا بالواقعيّة ومحافظا على الصّلة الوطيدة بالحياة المعاصرة وبالخصوص الحياة اليوميّة، وهذا ما يعكس جانبا متميّزا في شخصية الفنّان، صاحب الاحتكاك المباشر واليومي بالحياة. فلا يكتفي بالفرجة على العالم والنّظر إليه، بل يخزّن في ذاكرته كلّ ما يمرّ به من مواقف ليصوغها بعد ذلك في ممارساته الفنّية بطرق ووسائل شتّى، يدرك من خلالها الأبعاد الموضوعية المؤثّرة والتي تأخذ أيضا ذلك المنطق الإيضاحي الواقعي الفارض لإدراكيّة المسار الفنّي فيه. والدّخول إلى أعماله التشكيليّة إنّما يفرض ذلك الإدراك الفنّي مع التوجّه إلى إشارات الواقع الإبداعي المباشر، لنتبيّن أنّ جماليّة اللوحة عنده تحرص على تقريب الواقع برؤية فنّية وإعادة تشكيل ما تراه العين من حركة للإنسان وبيئته التّي لها تحوّلاتها الخاصّة، ليضفي عليها إحساساته العميقة ورؤاه المبصرة، فتكون مجرّد انعكاسا لذاته ولنفسيّته ولأسلوبه المميّز في التّعبير. فأصبحت أعماله حكائيّة سرديّة تسجيليّة بحيث تتّجه أساسا إلى ما يمكن أن يكون مادّة للتسجيل التّقريري. فالعناصر المكوّنة للوحة عنده ليست تركيبات ذهنيّة للمادّة بقدر ما هي انعكاس لتركيبات ذاتيّة نفسيّة. ولعلّ الأهمّ من ذلك هو النّزاهة الفكريّة، وصدق التّعبير، وحبّ النّاس. تملأ شخصيّة هذا الفنان، كلّ هذه الأوصاف أكسبته حضورا تشكيليّا مميّزا، عمّقت نظرته في العلاقات الاجتماعية باحثا عن مصدر للسّعادة موظّفا عدّة مفاهيم لخدمة هدفه.


[1]  الشاعر محمود درويش، جدارية، رقم القصيدة 69386 الموسوعة العالمية للشعر العربي.

[2]   وسام عبد المولى ، فنان تشكيلي وأستاذ تعليم عال بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس. أقام العديد من العروض وملتقيات الفن المعاصر.

[3]  من حافة الى اخرى : هو المعرض الشخصي العاشر بعد فرنسا وتونس والمانيا والمغرب والمملكة العربية السعودية، لمجموعة من الرسوم تتنزل ضمن رؤية تواصلية في مسيرتي التشكيلية. هذه الاعمال عددها 19 لوحة منها 18 في فضاء لوحة واحدة  والعمل المتبقي هو مجموعة لثلاث لوحات ( tryptique). يحمل اسم نفس عنوان المعرض : "من حافة الى أخرى مجموعة هذه اللوحات ارتكزت على تقنية الاكريليك في مقاسات مختلفة و عمرها عمر الزهور, اي انني قمت بها خلال الاشهر الاخيرة من عام 2015 بأرض عمان الطيبة.

 
  • تشكيلات الفنان التونسي "وسام عبد المولى"  تجمع الأزمنة والأمكنة بمزيج من الوعي والحلم والذاكرة

الباحث: نجم الدين الدرعي

 

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 

27/05/2015

ورقة من حياة فنان