الأم المتعبّة: اكريليك على قماش
 
حب: اكريليك على قماش2008
الأمومة الأولى : اكريليك على قماش
 
 
 
  • ممّا لا يخفى على احد إنّ الفنّ عامة والفنّون التشكيلية خاصة ،  تعتبر مجالا  لارتسام  مباهج الحياة   فتغدو نصوصا شعرية أو لوحات فنيّة  مما يجعنا  ربّما نجزم أنّها فنّا وثيق الصورة  بالماورئيات  يعبر عن الروح  بتجلياتها المختلفة ، الروح التي استكملت مقومات صفاتها فجاءت رموزها مشحونة بخطاب يتعدى حدود الحواس والعقل ليعقد صلة وثيقة مع المطلق.

 وتفرد الفنان التشكيلي  ربّما عن فنّاني المجالات الأخرى من شعر وأدب  في اختزالاته وقدرته المتميزة في التعبير الصوري فحسب، بل في استبطانه العميق للروح ومعطياتها اللامرئية  والعمل على سحبها إلى المرئي  . فجاءت انتجاته عبارة عن تجليات رائعة للروح كي لا تنفك تبحث لها عن مستقر ولن تجده إلا في مخاطبة روح المتلقي .

 وقد احتضنت الفنّون التشكيلية باختلاف أصنافها على مخاطبة المطلق من الأحاسيس الإنسانيةو جعلت من العسير على غير المتجهزين بجهاز  مفاهيمي تشكيلي  أن يدخلوا عالمها أو يسبروا اغورها وهي تبقى عصية إلا على من عرف طريق  المفاهيم التشكيلية وكيفية بلورتها داخل العمل التشكيلي واخراها للمتلقي وتحديد علاقته بها لاحقا كمرحلة للتأويل  .

والفن التشكيلي هو فنّ قد رحب في عالمه، بالفوضى والعبث واللعب، وهو فنّ هادف في محطات  كثيرة ، هدفه سحب المتلقي نحو مناقشة المطلق  ، وان تلك الارتسامات الفنّية لمباهج الحياة التي خلقها لنا الفنّان ذات دلالة نفسية  بحته تؤكد جماليتها الروحية وهي تنطوي على فكر شخصي ، فاتخذت أشكالها علاقات وألوانا وهي امتداد لما شوهد سابقاً في الفنّون الكلاسكية من رسم للام العذراء والروابط الروحانية بالطفل  ولكن هذه المشاعر الفياضة حضرت اليوم في المشهد التشكيلي  بصيغة متطورة بفعل تطور الذوق والفكر  والأحاسيس والرغبة في تطور أشكالها بحيث تتلاءم مع ما يشهده الراهن الاجتماعي  والتشكيلي من طرق معالجات لونية وتركيبيّة .

وبناءاً على هذا فأنّ للون دلالات تتخطى عالم الحواس والعقل لتصبح الحواس والروح عالم موحد فالعين (الرؤية) ترى والروح (الرؤيا) تتذوق، وحين تتذوق الروح فانّ الوجد يضيق عليها الخناق لتطلب عالمها الأول، فيصبح اللون هنا هو براق الروح في رحلتها اللانهائية للجمال المطلق .

والآن نحن إزاء محاولة للوقوف على سمة مهمة من سمات الفنّ في ارتباطه بمباهج الحياة  ألا وهي رمزية تواجد المكثف للون الأحمر  في تجربة التشكيلي التونسي" وسام عبد المولاه " وما انطوى عليه من دلالات روحية ونفسية واجتماعية وعائلية  . واللون الأحمر كعنوان لقدسية  العلاقات الاجتماعية  جدير بالبحث والاستبطان لأنّه من الألوان الحارة  التي تجاور الروح محققة نوع من الجذب تنكسر أمامه أهواء النفس لتختار احد السبل، أما الانقياد طوعاً نحو عالم مطلق ابدي عالم البقاء، وهو عالم سرمدي، أو تبقى في حدود العالم المادي الضيقة وفي كلتا الحالتين يحقق اللون الأحمر  حضوره وبالشكل الذي يدعونا لان نقف بإعجاب لا لهذا اللون بل للفنّان الذي توصل إليه  في استعمالاته الفنّية وخطباته التشكيلية

وتأسيسا على ذلك فقد احتكم "وسام عبد المولاه"  للون الأحمر الذي يظهر بنزعة مخصوصة تخاطب المشاعر الإنسانية من حب وأمومة  ولحظات ولادة متعددة وقد يكون حضور مفهوم الولادة  في أعمال الفنّان رمزي  مشيرا به ربّما  إلى تلك العلاقة الطوباوية بين عالم  مافتئ ملتف على ذاته عالم الأنثى وعلاقتها اللامرئية بالكائن  الذي يربطه به حبل سريري  ليضحى هذا الحبل ألسريري اللامرئي مرئي بفعل    ربط العلاقة بين لحظات التشكيل المختلفة التي تمر بها اللوحة الفنّية  والمتلقي الذي سيكون في انتظار  هذه اللحظة لحظة الولادة  ولكن هذه المرة ولادة تشكيلية  ولادة لوحة    ليكون  النص نصوصا وتضحي القرأة  قراءات   واستخدام الفنان عبد ألمولاه لهذا اللون  في اغلب أعماله التشكيلية أعطى شخصية متفردة لشخصيات لوحاته التشكيلية  عموماً وللفنّ التشكيلي التونسي خصوصاً  لاعتبارات عدة أهمّها  تفرّد تجربة الفنّان على الساحة التونسية في طريقة احتكامه للون الأحمر معولا على الدلالات السميائة له ..

ولو تتبعنا مسيرة الإنسان نجده يتخذ لنفسه رموزاً كثيرة طيلة فترات التاريخ، من أن كان الكهف مسكنه وما زال يستعملها في حياته اليومية، وهكذا فانّ التقاليد لها دورها البارز في إخراج الرمز الفنّي، الذي استعمله الإنسان وما زال، إذ عرفت الفنّون القديمة جميعها بأنّها فنّون رمزيّة ولها دلالات معيّنة . ومن هنا فقد عبرت الفنّون عن الخواص القومية للشعوب، فالآثار القديمة كانت تحمل الإتلاف بين الفنّون والشعوب التي أبدعتها، فالآثار القديمة كانت تحمل معاني الالتصاق بين الفنّ من جهة والمضامين الفكريّة لشعوب المنطقة من جهة أخرى . فالأشياء الملونة في الحضارات القديمة كانت ترمز إلى معاني غيبية وتجلب  ربّما رضا الإلهة، وللسيطرة على الطبيعة وعلى الأمراض والجفاف والموت وتجلب الصحة لخدمة الحياة .

وهكذا فقد امتزج اللون الأحمر بدلالاته السميائية بفكرة الحب والأمومة وهنا فقد أدرك الفنّان التشكيلي التونسي وسام  بانّ اللون في تجربته   التشكيلة عامة مرتبطا  بمباهج الحياة عامة هنا لم يكن وجوده في اللوحات  كفضاء عام أو كإيحاء ، وإنّما كسطح قوي متماسك بدون أن يتعارض مع الدلالة السميائة للون عامة   وهكذا احتكم للأحمر المتدرج والمتعدد الدرجات كاستخدام معيّن للتعبير عن أفكاره، وهكذا ضمت أعماله ألوانا وأشكالا لكي يوحي للمتلقي عن معاني شخصية ونفسيّة واجتماعية ، والأحمر واحد من الألوان الذي يخرجنا من حدين ليضعنا أمام وحدة إتلاف ناتجة من جدل بين رمزين متضادين احدهما يمثل أقدار الروح والأخر يمثّل سموها، انّه تماماً يمثل من الناحية الروحية وحدة أضداد تفاعلت وكونت حالة جديدة كالسالب والموجب في تكوينهما للنور . إنّ حضور الأحمر في أعمال الفنّان التونسي هو استكمال التشكيل للغته الروحية المتحررة من عالم المادة، لتعانق عالم الأحاسيس  كل ذلك ليرجع العمل الفنّي التجريدي كعمل سميائي متغير بتغير الحالة النفسية   وتتجلى العملية الإبداعية من خلال البحث في درجات اللون بما يتوافق مع  الحالة الإنسانية المخصوصة التي تكشف الصور المرئية وتزيلها عن تمثلها الحاضر وتجردها حتى لا تصير دالة على الموضوعات في حضور مادي الصورة، بل لغة تأملية تخاطب العالم غير المرئي الذي هو حقيقة الموضوعات .

نحن الآن إزاء اللون الأحمر في تجربة" عبد المولاة" و هنا نود التأكيد على إنّ استخدام الفنّان للون الأحمر كان نابعاً من روح وهو في نفس الوقت غير منقطع الجذور عن الفّن القديم بمجلاته المختلفة  باعتبار أن القدماء كانوا يملون للون الأحمر للتعبير عن الحب  ومافتئ البدائي  يعبر عن مشاعره باستعمال دمه في عملية الرسم على الجدران كقربان يقدمه لحبيبته الغائبة ماديا الحاضرة  ذهنياّ.  ورغبة الفنّان" وسام عبد المولاه "ورغبته في التطور والتطوير معاً دفعه أولا لانّ يبحث عن آفاق مميّزة تقذف بأهواء نفسه ورغباتها بعيداً وبالتالي  المساهمة في إثراء التجربة التشكيلية التونسية  بإعادة اكتشاف مفاهيم جديدة  حاضرة غائبة .

فجاءت أعماله التشكيلية  مترجمة في نصوصه وأشكاله وألوانه مختلفة الدرجات وبالتقنيات المختلفة  .وقد يكون صحيحاً من حيث إنّ الأشكال توحي إن لها امتداد شكلي تطورت هي عنه لكن هذا الإبداع  امتزج بالأحاسيس الخاصة فتبلورت من محطات تشكيلية مختلفة .ومن كل هذا فان حقيقة رسومات الفنّان  تطالعنا من خلال عمق رموزه وكل هذا يؤكد لنا "عبد ألمولاه "له دلالات هي عصية على من لم يفك شفراتها .

 

 ألفة تتحقق.. هياكل تحي..

ربّما ذهبت  الفنان "وسام عبد المولاه " في بحثيه التصويري وضمن سلسلة أعمال معرضه الأخير  إلى أنّ الفنّ رحلة في الجسد قد تقترب منه فترصد رخاوته وتموجه وقد تتخذ عنه مسافة  لتنظر إليه من فضاء أرحب ، فالجسد ماثلا في الفنّ يلّهم الفنّان بأطياف من الذاكرة : من ها هنا لا نستطيع  أنّ نتخطى حضور المادة الجسّدية ك "thème" راسخة في الذاكرة الجماعية.

الجسد ذاكرة الإنسان حيث ما كان يختزل وجوده المفجوع في لحظة تأمل انطولوجية :بل يختزل  عمق البحث عن فكرة بكر تضّل تراوده في لجاجتها حتى إذا أصغى إليها فتنته  بجدّيتها وطرافتها ، لقد كان الفنّان دوما في  لحظة افتتان اتجاه جسده ولسنا نتحدث عن جسده هو فقط  وإنّما نتحدث عن انتماء المادة الجسدية :يقف الفنّان حيالها منبهرا ثم متأملا و إذا هو يغرق في تفاصيلها ويبحث عن عمقها عن نظام الدلالة وانساق الجمال فيها .

تمثّل هذه الأسئلة في لجاجتها وإلحاحها جوهر إشكالية مبحث الفنان التشكيلي" وسام عبد المولاه "في سلسلة أعماله الأخيرة  لتضحى هذه الأجساد هياكل تحي  وأجساد ترمم بعضها في لحظة ميتافزقية خاصة  :يرمّم ويدخل فيه ما ليس منه: مواد قد تبدو هجينة دخيلة وأساليب تقنية مختلفة قد تغيب فيها الفرشاة وتستباح تقنيات أخرى كالتقطير والمسح ،لكن إرادة ما تحمل ذلك الكّل على الانصهار في بوتقة واحدة  وهو العمل الختامي الفنّي الذي يخرج مزهوا بجماله الجديد وشكّل مفهوم التحوّل "Métamorphose"قادحا للفعل التشكيليّ، فكأنّما بالجسد يتحول إلى أجساد  وهذه الأخيرة لا تستعيد جمالها الموعود إلاّ بالدخول في الشرنقة الفعل الإبداعي وقد اكتسب في ذاتها مكونات لم تكن فيها كالأجنحة: ثم يكون الطيران  ، بل ميلاد  لكمال من نسق أخر وجمال من نسق مختلف  وكما لا نستطيع أنّ نلاحظ ذلك التحوّل في الشرنقة أو الفراشة وحدها ،فإنّنا لا نستطيع أيضا أن نلحظ العمل الفنّي التشكيليّ إلاّ بتأمله كلا مكونا من أجزاء، بل كلا تتوافد فيه المراحل المختلفة.

  • احمر متعدد الدراجات :
     متدرج ...مشع....متوهّج ...
    قراءة في تجربة الفنّان التشكيلي التونسي "وسام عبد ألمولاه"
    الباحثة والتشكيلية التونسية: يامنة الجراي

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 

31/05/2015

ورقة من حياة فنان