•  

  •  

  • يُعتبر فن النحت أحد أركان الفنون التشكيليّة الرئيسة. تعرّف إليه الإنسان مبكراً، واستخدمه وسيلة تعبيريّة وجماليّة وسحريّة وتزيينيّة، وربطه بعدد من الطقوس الاجتماعيّة والدينيّة، وجعله جزءاً من تنظيم المدن، وأحياناً من المنشأة المعماريّة نفسها، وهذا أمر طبيعي إذا ما علمنا أن النحت والعمارة ينحدران من صلب أسرة واحدة هي: الفنون الجميلة.


ينهض فن النحت على فرعين اثنين هما: النحت «الحجري» أو «الصالوني» وتمثله المنحوتة أو التمثال الذي ينهض في فراغ مغلق، والثاني هو النحت النصبي الذي يسكن الفراغ المفتوح. أي العراء.


عرفت بلادنا العربيّة فن النحت قبل الإسلام، غاب بعده ليظهر من جديد مطالع القرن العشرين، عندما تواصلت بلادنا مع الفنون التشكيليّة الأوروبيّة الحديثة والمعاصرة. مع ذلك، ما زال حضور هذا الفن خجولاً في الحيوات التشكيليّة الخليجيّة خصوصاً، والعربيّة عموماً، مقارنةً بفن الرسم والتصوير والخط العربي، لأسباب كثيرة، بعضها شخصي يتعلق بالنحات وموهبته، وبعضها الآخر موضوعي، يرتبط بوسائل ومتطلبات إنجاز العمل النحتي التي لا تتوفر لغالبية نحاتين العرب، يُضاف إلى ذلك، عزوف الذائقة الجماليّة العربيّة عنه لأنه من لون واحد «وتُثار حوله حتى الآن مسألة التحريم» وهي في الأصل ذائقة تربت على سحر الكلمة واللون.


رغم هذا، فقد شهدت الحركة التشكيليّة الكويتيّة المعاصرة «خلافاً لباقي الحركات الفنيّة الخليجيّة» حضوراً لافتاً للنحت والنحاتين فيها، منذ انطلاقتها الأولى منهم على سبيل المثال وليس الحصر: سامي محمد، عبد الحميد إسماعيل، عيسى صقر، خزعل القفاص، فاضل العيار، عباس مالك، علي العوض، حسين مسيب، صفوت نور الدين، فواز الدرويش...وغيرهم، مع الاستدراك والإشارة إلى أن غالبية النحاتين الكويتيين اشتغلوا على التعبير المجسم «النحت والخزف» والتعبير المسطح «الرسم والتصوير» وهذا أمر طبيعي، لأن الرسم هو المدخل إلى النحت، والنحات الجيد لا بد أن يكون رساماً جيداً!.

 
سيرة ومسيرة
«خزعل القفاص» واحد من الرعيل الأول في التشكيل الكويتي المعاصر. ولد في منطقة «المطبة» شرق الكويت. برزت ميوله نحو الرسم مبكراً، ثم لاحقاً نحو النحت. التحق بمدرسة النجاح العام 1950، وفيها تعرف إلى الفنان الرائد أيوب حسين، فتتلمذ على يديه، وساعده في إشادة «ديكورات» المسرحيات التي كانت تقدمها المدرسة آنذاك. شغف الفنان القفاص برسم الفواكه والطيور والسفن، ثم طوّر موضوعات فنه لتشمل الإنسان والطبيعة والوجوه ومظاهر التراث الشعبي الكويتي المختلفة.


في نفس الفترة، تعرّف الفنان القفاص إلى الطين الذي تكوّن بتأثير هطول مطري غزير، في المنطقة التي كان يعيش فيها، ما أغراه باللعب فيه، وتشكيل مجسمات فراغيّة منه، وقد ساعدته جدته «وهي من البصرة» التي كانت تعمل في صناعة الزبلان والحصر والمهفات من سعف النخيل، على شيها لتتحوّل إلى تماثيل من فخار. في البداية، عارضه والده على هذه الهواية، لكنه أصرّ على متابعتها واحتراف الفن.


عمل الفنان القفاص في البداية في وزارة الداخليّة، وفيها تعرّف إلى الفنان الكويتي الكبير سامي محمد، الذي أخذه إلى المرسم الحر، وهناك التقى بالفنان الرائد خليفة القطان الذي كان يعمل فيه. كما تعرّف إلى النحات المصري أنور السروجي «وهو أحد تلاميذ النحات المصري الكبير جمال السجيني»، وبفضل هذا النحات تحوّل الفنان القفاص من ممارسة «فن الخزف» إلى «فن النحت»، وبتشجيعٍ من السروجي، سافر العام 1966 إلى القاهرة، والتحق بمحترف النحات السجيني، ضمن بعثة رافقه فيها الفنانان: سامي محمد، وعبد العزيز الحشاش.


أمضى الفنان القفاص أربع سنوات في القاهرة، تعرّف خلالها على الأصول والقواعد الأكاديميّة لفن النحت، وعلى خاماته ومواده وتقاناته، فأعجب بخامتي الحجر والخشب، وبالصياغة الواقعيّة التعبيريّة التي كانت سائدة في محترفات كلية الفنون الجميلة بالقاهرة آنذاك، حيث جمع فيها النحاتون المصريون بين قيم النحت الفرعوني، وقيم النحت العالمي المعاصر، لاسيّما أسلوب النحات الإنكليزي هنري مور الذي استقاه من القيم الفنيّة العظيمة لنحت الحضارات القديمة كالمصريّة والهنديّة والآشوريّة والمكسيكيّة والأفريقيّة، وخلطها بقيم النحت المعاصر، ومن هنا تحديداً، تأتي أهميّة تجربة مور التي شكّلت علامة بارزة في النحت العالمي الحديث والمعاصر.


بعد عودته إلى الكويت العام 1970، وحصوله على شهادة الدراسة الثانويّة، سافر الفنان خزعل القفاص إلى مدينة «سان فرانسيسكو» في الولايات المتحدة الأمريكيّة، لمتابعة دراسته للنحت، وبعد أن أمضى فيها أربع سنوات، حصل على درجة البكالوريوس في الفن، ثم قفل راجعاً إلى الكويت، بادئاً مسيرته الفنيّة من المرسم الحر الذي استقطب غالبية الفنانين التشكيليين الكويتيين الذين تنادوا لتأسيس الجمعيّة الكويتيّة للفنون التشكيليّة، وكان بينهم «عدا الفنان القفاص»: خليفة القطان، أيوب حسين، سامي محمد، عيسى صقر، حمدان حسين، عبد الحميد إسماعيل، أحمد الصايغ، عبد العزيز الحشاش، عبدالله سالم...وغيره.


رؤى وأفكار
نهضت تجربة الفنان القفاص التي وُثّق لها في كتاب حمل عنوان «خزعل القفاص: الحداثة الآتية من البيئة والتراث الشعبي» على منصات فكريّة ورؤيويّة عديدة منها: اعتقاده أن الإبداع في الفن يعني بالضرورة، أن يأتي الفنان بأعمال لم يسبقه إليها أحد. وقياساً على ذلك، فإن الكثير من الرسامين والنحاتين ليسوا بمبدعين!. والفن برأيه بحاجة إلى جرأة ومراعاة العصر الذي يوجد فيه. ولكي يتمثل الفن التراث بالشكل الصحيح والسليم، وعكسه بعمق في المنجز الفني، لا بد من أن يرصده في الواقع المعيش.


وحول توفيقه بين الرسم والنحت في تجربته الفنيّة، يؤكد أن الرسم هو الأصل، والنحت ضرب من الرسم، غير أن للنحت خاماته ومواده وتقاناته الخاصة به، وبالنسبة له غلبت كفة النحت على الرسم في تجربته الفنيّة لأسباب عديدة منها: تعرفه على هذا الفن في وقت مبكّر من حياته، وشغفه بتقنياته، وهذا ما دفعه لدراسته أكاديمياً في كل من مصر والولايات المتحدة الأمريكيّة. ولأن إنتاج النحت يتطلب إمكانات ماديّة كبيرة، يقوم الفنان القفاص بصرف كل ما يحصل عليه من الرسم على النحت، وهو «على حد قوله» أول كويتي يدرس فن النحت أكاديمياً.


شغف الفنان القفاص بفن النحت الفرعوني لكونه ينحدر من صلب حضارة منغلقة، ويكتنز على قيم فنيّة رفيعة قائمة على نوع من الاختزال والبساطة والتلخيص المدروس للنسب الواقعيّة، والمبالغات المعبّرة، ما يجعله في طليعة النحت العالمي. ويرى أن عملية الإبداع الفني ليست سهلة، والموهبة والدراسة الأكاديميّة لا تكفيان لكي يتحقق الإبداع في منجزات فنيّة ملموسة، وإنما يحتاج أيضاً إلى وقت وعمل ومتطلبات ماديّة ومعنويّة. بمعنى آخر: يحتاج النحات لكي يجسد إبداعه في عمل فني ملموس ومقاوم لعوامل الزمن، إلى ورش وعُدد وحرفيين مختصين بالقولبة والصب، وهو ما لا يتوفر لغالبيّة النحاتين العرب المعاصرين، إن على الصعيد الشخصي، أو على صعيد الأطر التنظيميّة للفنانين التشكيليين كالجمعيات والاتحادات والنقابات. أما بالنسبة لتجربة الفنان خزعل القفاص فيمكن حصرها في مرحلتين اثنتين متصلتين إحداهما بالأخرى: المرحلة الأولى اتسمت بتوجهه الحميمي والصادق والشغوف لربط فنه بالتراث الشعبي «الفلكلور» لبلده الذي لم يأخذه بحرفيته، وإنما أعاد صياغته برؤية معاصرة، دون المساس بجوهره وقيمه الأصيلة، وهذا التوجه ظل مرافقاً له خلال مراحل تجربته الفنيّة كافةً. أما المرحلة الثانية في هذه التجربة فاتسمت بميله الواضح للاتجاه الرمزي الذي حقق من خلاله معادلة مهمة، رافقت غالبية أعماله الفنيّة هي: الجمع الموفق فيها بين الواقع والخيال، والغموض والوضوح، والشكل الواقعي والرمز، ما جنّب منجزه الفني من الوقوع في شرك التسجيليّة الميتة، أو التقريريّة الجامدة، أو المباشريّة الفجة، وفي نفس الوقت أبعدته هذه المعادلة عن الوقوع في مطب التجريد المطلق، والعبث الشكلي الفارغ من أية قيمة فنيّة، أو أية إمكانيّة لتواصل المتلقي مع هكذا فن لا يفهمه عادةً سوى صاحبه، وقد يلتبس الأمر عليه، فلا يُدرك ما صنعت يداه من ركام وهلوسات لا تمت بصلة للفن الحقيقي!.


لقد تعمد الفنان القفاص تضمين أعماله الفنيّة جسور اتصال وتواصل، بينه وبين المتلقي، إن على صعيد لغتها الفنيّة، أو مضامينها التي اختارها بعناية، وربطها بمظاهر الزمن الجميل الذي عاشه الأجداد والآباء «وعاش هو قسماً منه» والمتمثل بالتراث والعادات والتقاليد الشعبيّة الكويتيّة الأصيلة، بكل ما تحمل من جماليات بصريّة، وقيم اجتماعيّة وإنسانيّة رفيعة، معجونة بالمحبة، والفرح الحقيقي، والتعاون، والألفة، والتعاضد، والبساطة، والقناعة، والتماهي المدهش مع البيئة الطبيعيّة.


ولأنه سعى منذ البداية، إلى منح عمله الفني بصمة خاصة، تدل عليه، من جهة، وعلى زمان ومكان ولادة هذا العمل، ركّز على «النوع» وليس على «الكم» في فنه، وهذا ما يُفسر قلة إنتاجه الذي تعمد ألا يقلد فيه أحداً. لهذا فهو لم يتأثر بفنان معين، وإنما حرص أن يأتي عمله حاضناً ومعبراً بصدق، عما يعتمل في نفسه من عواطف وأحاسيس، تجاه البيئة المحيطة به، لاسيّما المرأة التي أولاها عناية خاصة، لما تمثله من رموز وقيم إنسانيّة وحياتيّة رفيعة وخالدة، ولهذا جاءت أعماله متفردة شكلاً ومضموناً، وحصلت على العديد من الجوائز، منها الجائزة الثالثة في فن النحت ببينالي المحبة بمدينة اللاذقيّة في سوريّة العام 1991.


على الرغم من الإنجازات الفنيّة الكثيرة والمتنوعة التي حققها الفنان القفاص خلال مسيرته الفنيّة الطويلة، إلا أنه لم يحقق كل ما كان يصبو إليه، وهذا شعور صحي وصحيح، ينتاب كل المبدعين، أو هكذا يجب أن يكون الأمر.


يرى القفاص أن على الفنان ألا يُؤطر نفسه ضمن أسلوب فني محدد، وهذه النصيحة أكدها للفنانين الشباب، في أكثر من مناسبة، وطالبهم بتبنيها والعمل بها، مؤكداً أن الفنان الحقيقي لا يسعى وراء الأسلوب، وإنما عليه أن يترك لموضوع عمله الفني تحديد نوعيّة الأسلوب المناسب له.


قراءة في أعماله
اشتغل الفنان خزعل القفاص على جنسين من أجناس الفنون التشكيليّة هما: النحت والتصوير، لكنه أولى النحت «وهو الفن الذي درسه أكاديمياً في مصر والولايات المتحدة الأمريكيّة» جل اهتمامه. والحقيقة فإن خصيصة الجمع بين النحت والرسم والتصوير، لا تقتصر على الفنان القفاص فقط، وإنما تنسحب على النحاتين الكويتيين الذين درسوا في مصر، مع ملاحظة تأثرهم بالأساليب والصياغات النحتيّة التي كانت سائدة في محترفات كلية الفنون الجميلة بالقاهرة ستينيّات وسبعينيّات القرن الماضي، القائمة على الجمع الموفق بين واقعيّة مختزلة، وتعبيريّة عميقة ظهرت بقوة في تجربة النحات الإنكليزي «هنري مور» التي بناها على القيم النحتيّة الرفيعة والمتنوعة لفنون الحضارات القديمة.


واقعية.. واستلهام
لقد جمع الفنان القفاص في أسلوبه النحتي بين الواقعيّة المختزلة وبين التعبيريّة، أما موضوعات أعماله الفنيّة فجلها استلهمها من التراث الشعبي الكويتي «الفلكلور». مثال ذلك منحوتته البرونزيّة «دق الهريس» المؤلفة من امرأتين تقومان بدق الهريس، وهو تقليد كويتي ساد في الزمن الجميل وانحسر كغيره من المظاهر التراثيّة الأصيلة، في زمن التكنولوجيا البارد والمتوحش، والانسلاخ عن الجذور، وفتور العلاقات الأسريّة والاجتماعيّة التي تُشرف هذه الأيام على القطيعة!.


لقد أراد الفنان خزعل القفاص بهذه المنحوتة، التوثيق لهذا المظهر الاجتماعي المفعم بمعاني الألفة والتعاون والسعادة الحقيقيّة، وذلك من خلال تكوين نحتي متحرك من الجهات كافة، قوامه الرئيس كتلة المرأتين القابضة كل واحدة على أداة دق الهريس، والوعاء الذي يُدق فيه، أحاطه الفنان بأذيال ثوبهما بهدف تثبيته، غير أن هذا الحل جاء مفتعلاً وثقيلاً، أثّر على رشاقة المنحوتة، وشدها إلى أسفل، وكان بالإمكان تثبيت الوعاء على القاعدة مباشرةً، دون الحاجة إلى لفه بأطراف الثوبين. من جانب آخر، أكثر الفنان القفاص من الفراغات في الجزء العلوي من المنحوتة، ولم يدرس تموضع ثنيات الثياب فوق جسمي المرأتين وفق التشريح الصحيح للجسم وحركته، ما أضاع الكثير من جماليات تضاريس جسم المرأة وكان من الممكن تأكيدها وإبرازها والإيحاء بجمالياتها المدهشة، من خلال الثياب. كما كان من الأفضل، التخفيف من الفراغات الموجودة بين الجسمين، وبين اليدين وأداتي الهرس، لأنها شكّلت نقاط ضعف في معمار المنحوتة، وشغباً ملحوظاً على حركتها في الفراغ، ما يؤكد أنه كان مأخوذاً بالموضوع، ومهتماً بما يمثله من دلالات تراثيّة، أكثر من اهتمامه بشكل التعبير عنه!.


الأمر نفسه ينسحب على أعماله: الراقصة، وقارعات الدف، والمقعد، ورجل وماعز، المنفذة جميعها من مادة البرونز. ففي عمله «الراقصة» حرّك القسم العلوي، وترك القسم السفلي مصمطاً وثقيلاً ومبتوراً. الهنات نفسها وقع فيها في معالجته لمنحوتة «قارعات الدف» التي كانت لتبدو أكثر رشاقةً وحضوراً معبراً في الفراغ، لو لم يبتر الأجسام، وأخذها بكاملها، وقام بتعميم معالجته للرؤوس والأيدي والدفوف، على باقي أجزاء المنحوتة.


إن القطوعات التي أجراها الفنان القفاص على غالبية منحوتاته البرونزية، لم تكن موفقة، وأثّرت كثيراً على رشاقتها، وتوازنها، ومتانة تكوينها، وحضورها المعبّر في الفراغ. وحتى في عمله «المقعد» الذي يُعتبر أفضلها، والمؤلف من مقعد يجلس فوقه أربع نسوة، ربط بينهن وبين المقعد بإحكام، كرر نفس الهنات المتمثلة بغياب النسب التشريحيّة الصحيحة، والاشتغال على السطوح الخارجيّة للمنحوتة بمفهوم النحت النافر وليس النحت المجسم، وعدم دراسة علاقة أرجل النسوة مع أرجل المقعد، وغياب الربط المحكم بين سطوح المنحوتة وكتلها الغائرة بالنافرة، بحيث يُتاح للضوء حرية الانزلاق فوق الكتل البارزة، وتؤمن حواضن مناسبة للظلال في المساحات الغائرة، ومن خلال عملية التناوب المدروسة هذه، يتمتن بناء المنحوتة ويتحرك في آنٍ معاً .


لقد أولى القفاص في غالبية منحوتاته البرونزيّة، الواجهة الأماميّ فيها جل اهتمامه، وكأنها لوحة نحت نافر وليس نحتاً مجسماً، يُضاف إلى ذلك، أن التحويرات والاختزالات التي أجراها على الهيئات الإنسانيّة، وطريقة معالجته للثياب، لم تتم على أساسٍ واقعي، ولا اعتمدت على التناوب المدروس للظل والنور فوق السطوح المستقيمة والملفوفة، في تضاريسها، الأمر الذي أثّر على قيمها التشكيليّة والتعبيريّة.


صياغة فنية
أما أعماله المنفذة من خامة الخشب، فهي أكثر نضجاً وتوافقاً بين شكلها ومضمونها، وهي في غالبيتها تتماهى كصياغة فنيّة مع أسلوب النحات الإنكليزي هنري مور، غير أن معالجة القفاص لأطراف شخوصه فقد جاءت ميكانيكيّة السمة، والحلول النحتيّة لغالبيتها جاءت خاضعة لتكوين الخامة الطبيعي، وهذه خصيصة إيجابيّة إن ظلت في الحدود المعقولة، وخدمت التكوين النحتي ومضمونه، لكنها لدىة جاءت ضعيفة، كونه خضع أكثر من اللازم لتشكيل الخامة الطبيعي، وقام باستنهاض تكوين المنحوتة على مقاسه، وليس وفق الأسس والقواعد الفنيّة النحتيّة التي درسها، أو سعياً لتأكيد وإبراز القيم الفنيّة الصحيحة القادرة على التعبير السليم عن مضمون العمل النحتي.


بالمقارنة بين أعماله الفنيّة النحتيّة والتصويريّة، يبدو القفاص أكثر عفويّةً وحريّةً في أعمال التصوير منه في أعمال النحت التي نحا فيها منحىً تجريدياً جميلاً قائماً على تجاور المساحات اللونيّة «الحارة والباردة، والفاتحة والكامدة» غير المؤطرة أوالمنتظمة، الأمر الذي كرس ألفتها ووداعتها وعفويتها المعبرة، وحتى في الأعمال التي أشار فيها إلى هيئات مشخّصة، ربطها هي الأخرى بالتراث الشعبي الكويتي، محافظاً على جانب كبير من هذه المقومات والخصائص، وإنما بتقشف أكبر في الألوان، وحرية أقل في المعالجة.


على الرغم من كل ما يمكن أن يُسجل حول تجربة القفاص من ملاحظات فنيّة، إلا أنها: زماناً ومكاناً، تُعتبر من التجارب الفنيّة الرائدة في التشكيل الكويتي المعاصر، إن لناحية محمولاتها الفكريّة التراثيّة الأصيلة، أو لناحية طرائق التعبير عن هذه المضامين الوطنيّة التي تناولها بكثير من الحميميّة والصدق والتفاعل الشغوف بالبيئة المحليّة، وهذا التوجه تحديداً، كان ومازال أهم روافع الإبداع الإنساني، وأكثر قيمه احتراماً وتقديراً واحتفاءً من قبل ابن البلد ومن الغريب، في وقت واحد!.

  •  

  •  

  • خزعـل القفاص شغف بالبيئة وتنوع في الأسلوب
    د. محمود شاهين
    مجلة الكويت

 
 
التشكيل الكويتي
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط