Ascencion, par Salvador Dali
Huile sur toile
115 x 123 cm 1958
Taille
67 x 49 cm
Affiche montée
Woman With Head of Roses
 
 
 
  •           الحلم نوع من الصور الفكرية التي تنبثق من مورائيات الصور الحقيقة والخيالية، ان الحلم هو امتداد في الزمن ليدرك ابعاده اللامتناهية في نطاق وحدة من الافكار، فهل يمكن ان يكون للحلم بعدا واضحا على مستوى دقة تفاصله، ام هو تشكل لأفكار تتزاوج فيما بينها لتكون صور مسرحية غير ملموسة؟

هل يمكن ان يكون هناك فن من دون حلم؟

هنا يؤاخذنا التفكر في فكرة الاحلام التي تغزو منطق الفنان، من زوايا فكرية مفهومية قبل ان تتحول الى تشكيلات استطيقية، فالحلم يرتبط مباشرة بالجانب السيكولوجي للانسان، فينتج عن ذلك مجموعة من الصور على مسرح الأفكار ليذهب فرويد في كتابه تفسير الاحلام بأنها الجانب الدفين في اللاوعي بقوله " الحلم ينبع من اللاوعي أو ما دون ألوعي وأنه عبارة عن رغبة مكبوتة تشبع من طريق ألرؤيا" ليتكون في اطر صراعات شعورية ولاشعورية تسعى الى الخروج من ألذهن فتتحول الى منطق ألتفكير مختلفة بذلك مع الخصائص السيكولوجية للعقل هذا الاخير يتولى ترتيب التصورات في نطاق ابعاد مجردة تتشكل في اطر مادية و شكلية. اما في حالة الحلم فان الصورة تتجاوز المنطق العقلي والتفكير السطحي ، تتسلل في هسهسة مطلقة نحو الاكتمال، في نطاق لا محدود في اللاوعي بعيدة كل البعد عن ارادة الوعي.

لذلك فان فرويد  من أول المعتقدين بأن الإبداع ينشأ عن اللاوعي وقد أحدث فرويد مقارنة بين كل من الفن و الحلم  ليتحول العمل الفني والحلم الى نوع من التصعيد ان صح القول هما وجهان لعملة واحدة فالفن هو الغوص في مضامين الاحلام بل هو إشباع وهمي لرغبات لا شعورية لا إرادية فالفن و الحلم على حد قوله هما محاولات توفيق تهدف إلى تفادي الصراع مع قوى الكبت أي مع سلطة الأنا الأعلى ،إذ يقر بان الفنان يختلف جذريا عن الحالم ، فالحلم حامل طابع فردي نرجسي و النرجسية تعني عشق الذات لذاتها في حين أن الأثر الفني يتوجه إلى الآخرين لإثارة رغباتهم اللاشعورية يقول فرويد " إن الإبداعات والآثار الفنية هي إشباع خيالي لرغبات لا شعورية شأنها شأن الأحلام فهي محاولات توفيق ينبغي عليها إن تتفادى أي صراع مكشوف مع قوى الكبت[1]"، ومن ذلك يمكن أن نستنتج أن الأثر الفني لدى فرويد هو نتاج لعوامل نفسيه لاواعية وهو نتاج لنشاطات اللاوعي الخفية، فيتحول الفن إلى  رؤية جوهرية تكمن شخصية الفنان لذا فان الالتجاء إلى الفن محاولة لتعويض ما يميز واقع الشخصية النفسية الشعورية.

 فالحلم لدى الفنان هو تجاوز للواقع وتفكير فيه، هو غوص في عالم لا متناهي في الامتداد متجاوز للزمان والمكانة فهسهسة الاحلام نجدها خاصة في تجربة سلفادور دالي وفي اعماله الخيالية التي لا تخضع الى حقيقة  بل تمتد في العمق اللامحدود، فنجد في مضمون العمل تلك المترادفات المفهومية والمتناقضات التي تراوح بين المعقول واللامعقول بين الحلم واليقين ليشكل الفنان أطروحة من الروابط الخيالية، فكل الاشكال والألوان والحركات المجسمات الصغيرة والأحجام والأشياء غير قابلة للممكن فهل يا ترى في انشائية العمل يحظر الحلم ليشكل سيناريو الأثر ام هي احلام قد حظرت في مخياله وأعاد رسمها في صور يحكمها المنطق الفكري بين الشيء واللاشئ.

"ما هو ما هُوَ أللاشيء هذا الهَشُّ هذا أللانهائي الضعيف الباطنيُّ الزائر المتطاير المتناثرُ،المتجدٍّدُ المتعدِّدُ اللاَّ شكلِ؟"[2] على حد عبارة محمود درويش في قصيدته الحلم ماهو؟

تبعا لهذا فان الحلم في تجربة سلفادور دالي  بمثابة مركزا لمسرح الصور ففكرة الحلم ليست فكرة عبثية، بل هي تفكير واعي في الاشياء من خلال عبقريته اللامعقولة وتجسيده لهسهسة الاحلام عبر جمالية الالوان فيتصوّر عالم الأحلام الذي تكون فيه الأجسام متحولة لا تقبل الحقيقة، بل هي تجاوز لها،وفي هذا الاطار يقول ميشل كاروج " قد عول السرياليين على القدرة اللامتناهية للأحلام والخيالات والكتابة الالية في تقديم انظمة غير عقلانية  ولا منطقية ، وأكثر ما استلهموه من الاحلام ، كونها نشاط نفسي لاشعوري غير محكوم بضوابط العقل والسلوك ، وعجبوا خصوصا بميزتها في ترحيل الاشياء وتغريبها ، حيث يتم نقل الاشياء من مكانها وزمانها لتوضع في مكان وزمان مغاير تبدو فيه غير معقولة تماماً[3]".

مما لا شك فيه ان ممارسة الممارسة التشكيلية مرتبطة اساسا بماهية التوازي مع مفهوم الحلم ليرتبط بمدلولات الصورة فالحلم بالنسبة للفنان هو الدافع الوجودي للحياة الفنية، ليكون ذو صبغة مفهومية ديالكتكية مع الانشاء المادي للأشكال و الألوان فيولد عن ذلك انبثاق لهوية جديدة ومفهمة تتبلور في عمق الممارسة الفنية، فالحلم ببعده الخيالي هو المحرك الاساسي لخروج كيان الفنان ضمن منطق التشكيل، كما عبر (هيدجر) عن مفهومه المتميز حول  الكينونة  باعتبار ان الانسان وحده يعي كينونته  يتجاوزها  نحو نحو اثبات وجوده،  هذا الوجود الذي يتأكد عبر فعله  واردته وحريته كما إنه محدد بتفسير حقيقة الوجود التي تساهم في صياغة الأصول الحقيقة له. فالفنان هنا يعبر في نطاق جملة من الاحلام التي تمنحه القوة والفعل لتجسيد الحلم في نطاق ثنائيات تنبع من الروح لتترعرع في جسد الاثر الفني ولتظهر حقيقة الوجود. 

           فأعمال سلفادور دالي هي بمثابة المد الخيالي في تواصله مع الصور اللامحدودة، فالامر يبدو في قمة الهسهسة الجنونية من عناوين اعماله الفنية، كالنساء الفوّارة التي عرفت بالهلوسة الثلاثيّة وإصرار الذاكرة الذي تحولت فيه الاشياء و الاشكال الى صورة اللامنطق واللاشكل، فتجسدت صور الاحلام  صادمة روافد العقل عن طريق كسرها للعلاقات المنطقية.

 وبالتالي فان رسومات  دالي تحمل خصائص اسلوبية مميزة، فهو يقدم للجمهور مناظر غرائبية دقيقة التفاصيل وكأنه يعيش داخل مفاصل اللوحة بما تحمله من اشكال وصور،  يشكل عوالم غريبة حاملة لكائنات مختلفة كالوحوش والضواري والملائكة والأماكن العجيبة والغربية  فهو "يضع فيها تفاصيل صغيرة مبهمة لا سبيل الى تفسيرها .[4] على حد عبارة كرافي ماتيلاند " Graves matiland" و كما يبرزه العمل التالي:

اعتماد الفنان سلفادور دالي على جانب  الغرابة و الغموض، إضافة إلى الرموز التي نتبينها في اللوحة و التي تستدعي المتلقي الى فهم مقاصدها والغاية من ذلك ،لما تكتسبه تلك الكائنات الغريبة في اللوحة طابع رمزي احائي و التي غالبا ما نجدها حاضرة في العديد من أعماله.

 فمثل الانشاء الفني  دوامة من التجسيد التطبيقي للحلم ذلك لما يحتويه من غرابة و فنتازيا إضافة إلى ذلك التعارض الجوهري  مع الواقع، ليكون ذات طابع خيالي يختلط فيه الوعي باللاوعي.

فالأحلام السريالية في هذا العمل الذي اتخذ عنوانا يمثل جوهرا في حد ذاته " Ascencion "  ان صحت الترجمة " صعود " او ارتقاء، هذا العمل الذي يمثل شذرة الاحلام التي تكمن في روحية الجسد الذي يتمحور بين الاعلى الماورائي و الحقيقة الكونية لجوهر الجسد عند تأويلنا لهذا العمل يبرز لنا خيال سلفادور دلي بعبواته الميتافزقية و كانه يرسم لنا الحلم في اطار فني تشكيليي فالمكان الذي اتخذه الفنان في هذا العمل هو عبارة عن فضاء لامرئ او اضهار "المرئي في صورة اللامرئي" على حد تعبير بول كلى. 

 في هذا الفضاء اللامعقول  تأتي لما تأتي الغيمات السوداء وتضمحل باضمحلالها لاشيء يبقى منها سوى ذلك الوميض الذي يظل يتكرر بين رموشنا  الى درجة الثموا فهي تجوب للحظة الواحدة بين العديد من المتناقضات على مستوى الإحساس بكيانها ووجودها الخيالي  فهي أحيانا أشبه بشيء ثقيل يلقى عليك فجأة لتبرز وكأنها الحقيقة اليقينية  وأحيانا أشبه بحلم في ليلة صيف او ليلة خريف، تراها وكأنك لم تراها فهي تلغي ذلك الحد الفاصل بين الحلم والحقيق بين الثبات والزوال، هنا يتمحور الجسد في عمق ألعمل في فضاء لامحدود يرسمه الفنان دلى بصياغة وجودية تتجسد له في اطر فنية. ان عمقنا النظر في هذا العمل لارتأينا بان الفنان يعبر عن حقيقة الانسان والوجود بل يتجاوز ذلك معبرا عن حقيقة العالم بين الفناء والخلود. هذه الصورة التي يرسمها دلي هي تعبير عن معني الوجود بارتباطه الوثيق  بمفاهيم الخيال والسريالي والتصوير والخيال  فالصورة في نهاية المطاف هي "حالة وجودية مقرونة بالخيال[5]" على حد تعبير قاستون بشلار  وهو ما يجعلنا في صلة مباشرة من الصورة الذهنية التي تتوالد وتتآلف في ذهن كل شخص منا  وبالتالي في ذاكرتنا لذلك يبقى الإبداع ينفتح  عن الخيال والأحلام و الحقيقة  التي تتجسد صورها في شكل ابد عات فنية.

          ان الحلم في التجربة الفنية يتقولب على محوري حقيقة الوجود وغموضه  مع وتيرة المفارقة الكلية التي تتجاوز اللاواقع و اللامرئي، هنا الحلم يترعرع في جدلية صراع بين الصور الفكرية الحقيقية والصور الخيالية، كما تتمرد هسهسة الاحلام لتجد مكانا في حياة الفنان التي يعيشها في سجال مفهومي بين الحلم والحقيقة هنا عامل الزمن يكون الوسط الرئيسي في رسم المسار الصوري لوضعية الفنان ومضمون الاثر الفني ،حيث يؤكد بريتون " ان الحل المستقبلي لهاتين الحالتين المتناقضتين في الظاهر،الحلم والحقيقة،هو في نوع من الحقيقة المطلقة أوالحقيقة العليا،ان جازت التسمية ".[6]

          تبعا لهذا يمكننا القول بان الحلم هو حقيقة الواقع والممكن الذي يتصور لنا في شكل هسهسة لامنطقية ولكن ان تمعنا النظر في هذه الجدليات يمكن ان نستشف ان اللاممكن واللامعقول و اللامرئي واللامحدود ان يتشكل في حقيقة داخل دائرة الحلم.

 وبالتالي يعتبر الحلم محركا خياليا للممارسة الفنية هو خوض في عمق الذات ونرجسيتها الابداعية، لتتلو معالمها على رغبة الفنان في احداث نوع من الشذرات التشكيلية، فالحلم هو لعب وتدبير ومطلق هو جملة من الصور التي تتجسد في الذهن، تتفكك في ضبابية مع محاولة تجسيدها وتوظيفها بطرق واضحة. ولكن مع هذا تبقي هسهسة الاحلام وميض من الصور البصرية الفكرية التي تحوم حول الذات الفنية في مخاض للخروج على سطح العمل الفني، فالحلم لا يتقيد بالقواعد الاخلاقية فهو قائم على تجاوز الحدود وصولا الى اللامحدود الذي لا يمكن ادراكه بالعقل المجرد.

بخلاصة تمثلت الدقة التي يبدعها سلفدور دلي في تحدياته للتصوير الكلاسكي في الرسم، فاثرت انطباعات المدرسة السريالية  بطرق عميقة على التيارات الفنية وعلى تاريخ الفن، لكونها اعتمدت على اللاواقع واللامحدود وصولا الى تجاوز الاخلاقيات ودخولها في اشعاع الاباحية في الفن من جديد وذلك عبر حضور جسد المرأة الذي أشتركت فيه تقريبا جل التجارب السريالية. هو الجسد المرتبط بالمفاهيم الحسية التي تمس الذات الفنية كاللذة والشهوة والفتنة والجمال و الجنس، في هذا النطاق يدخل الفنان السريالي في مخاض مع مغامراته النفسية ومحاولاته المريرة في اكتشاف صورة الخيال والاحلام و تجاوز المنطق والواقع الذي عجز على تفسير بواطن المطلق واللامحدود. 

المراجع

1الاستاذ احمد الحرشاني.-  دراسات حول الفن : الجمال والحقيقة  

2 مؤسسة محمود درويش، الحلم, ماهو؟،  http://www.darwishfoundation.org/atemplate.php?id=635

 

3 كاروج ميشيل: اندريه بريتوون والمعطيات الاساسية للحركة السريالية، وزارة الثقافة ، دمشق: 1973، ص34.

4 Graves matiland, theart of Dali, Hill  Book company, inc , London, 1951, p: 61.

5   بشلار قاستون جماليات المكان ترجمة عالب هلسا بيروت المؤسسة الجامعية للدارسات والنشر والتوزيع ص30

6  باونس، آلن: الفن الاوروبي الحديث، ترجمة : فخري خليل، دار المأمون، بغداد : 1990، ص238.


 


، الاستاذ احمد الحرشاني. -  دراسات حول الفن : الجمال والحقيقة[1]

[2]  مؤسسة محمود درويش، الحلم, ما هو؟،  http://www.darwishfoundation.org/atemplate.php?id=635

 

[3] - كاروج ميشيل : اندريه بريتوون والمعطيات الاساسية للحركة السريالية ، وزارة الثقافة ، دمشق : 1973، ص34.

[4]- Graves matiland, theart of Dali, Hill  Book company, inc , London, 1951, p: 61.

 - بشلار قاستون جماليات المكان ترجمة عالب هلسا بيروت المؤسسة الجامعية للدارسات والنشر والتوزيع ص30[5]

[6] باونس ، آلن : الفن الاوروبي الحديث ، ترجمة : فخري خليل ، دار المأمون ، بغداد : 1990 ، ص238.

  •  

  •  

  • هسهسة الاحلام في الفن
    ابراهيم بن نبهان باحث جامعي في الفنون التشكيلية من تونس

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         
08/06/2015

الفن وما حوله