•  

  •  

  • الفنان التشكيلي مبارك عمان، فنان متلهف ومتحمس إلى اللون والمادة. يسافر بنا في أعماله الأخيرة- التي خصص لها تيمة (إنسان ما قبل التاريخ)- إلى أبعد زمن عرف فيه الإنسان التناغم بين اللون (أداة الرمز الأولى) والطبيعة. موظفا أنغام الأرض وألوانها في كيمياء ساحرة.. مبهرة.. ومتسائلة.. إنه سحر اللون والرؤية/ البصر.. وأ ليست اللوحة التشكيلية لغة بصرية كاملة المواصفات الحسية وغنية في إبراز القيم الجمالية والمعرفية المتناسلة من موهبة ووعي الفنان التشكيلي وعاكسة بشكل ما أو بآخر لذاكرة المكان؟


المكان! الآخذ كل أبعاده في اللوحة.. متنقلا من برودة الكهف إلى جسدها (أي اللوحة).. وأ ليس للوحة جسد؟ يقول الحاتمي: "الشيء الذي يرى ويشم ويلمس لابد أن يكون جسدا"، هذه هي لوحة مبارك عمان، التي تتماها فيها الرموز والدلالات.. رموز الهوية والانتماء والذاكرة.. غاية في المزيد من التعالي بالحس الفني الإنساني..
اللوحة عند مبارك عمان دعوة مجانية وفنية عالية اللون.. دعوة إلى السفر بدون تذكرة أو حقيبة، إلى كل مكان، إلى أي مكان.. إلى التواصل بين الفن المعاصر (المتجسد في تقنيات الفنان) والثقافات البدائية (التيمة المشتغل عليها). العودة والسفر إلى الأصل الأول.. إلى الإنسان الخالي من الأفكار المدمرة الهادمة.. إلى نقاء الروح وصفاء الذهن والتفكير.. عن هذا يقول الفيلسوف الفرنسي جون جاك روسو أن العودة إلى حالة الطبيعة، إلى الإنسان الأول.. هو بالضرورة عودة إلى حالة السلم والهدنة مع الذات والطبيعة.. وأ ليس كذلك؟. مبارك عمان الرائي في أعماله جسرا نحو التصالح والتسامح مع الأنا/ الآخر، ونَبذا لكل أشكال العنف والإرهاب.. و أ ليس هو القائل في إحدى حواراته "موضوع الإنسان ما قبل التاريخ. أتخذ منه إسقاطات لوقتنا الحالي.."؟ كم أحوجنا إلى تلك النظرة العائدة بنا إلى حالة السلم !


الفن هو أرقى مهمة عرفتها الإنسانية نحو فهم هذا العالم.. الفن فعل تفكير وإعادة التفكير.. صياغة وتأويل للواقعي والميتافيزيقي.. للمحسوس واللامحسوس.. غاية في الارتقاء بالإنسان إلى أقصى سمواته.. الفن هو إعادة التفكير في ثنائية الجسد والروح/ اللوحة واللون.
عودة إلى اللون/ الروح، عودة إلى السفر.. أليس السفر الروحي أرقى وأسمى أنواع هذا الفعل؟ مبارك عمان المستوحي من الفن البدائي، الفن الدائم الحياة في ذاكرتنا الجَمعية والكونية.. ألوانه. يقدم لنا عالَمه/ كونا تصويريا معاصرا فريدا من نوعه..
الفن التشكيلي كفعل إنساني يقوم على: مخاطبة الحس والعقل، البصر والبصيرة. فيمر الإنسان المستهدف بقراءة الصورة، وإنتاجها، مستخدما: الإدراك والتفكير والتخيل، مع ما نراه داخل اللوحة/الصورة.. هكذا إذن!


أما القماش/ جسد اللوحة، عند هذا الفنان فهو مسرح تدور فيه مشاهد من الحرب وطقوس الإنسان الأول، من مقدسه ورقصه وصيده وحياته وموته.. إنه فضاء إعادة تجسيد وإحياء لهذا الإنسان الخامد/ الساكن في دواخلنا.. الإنسان في لوحة مبارك عمان واحد محايد.. ليس بحاجة إلى ملامح.. إنه في حركة دؤوبة ودائمة..
أما الإيقاع! فهو المحرك- فينا- لتلك النظرة والرؤية نحو فهم هذا العالم.. وهو كذلك! حركة غايتها التوحد مع الطبيعة (الأم).. إنه سفر مثير في الذاكرة الإنسانية.


مبارك عمان خريج المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء، والأول على دفعته (2005)، هو المرتبط بتاريخ الفن ومعارفه وآلياته.. يشتغل، كما يؤكد الناقد عبد الواحد مفتاح، في قراءة له حول تجربة هذا الفنان، "بحس فني مُسائل ومتسائل زاخر بذخائر بصرية لا تركن لاستقرار متكاسل، بقدر ما هي نتاج لبحث وأصالة هذا البحث، فإذا أسلمت عينيك إلى فضاءات اللوحة: تجد مساحات لونية وتراكيب رسمها الفنان بعناية وافرة لا نملك إزاءها غير أن ندوب في الزمن والفضاء متخففين من عوالق الطمأنينة البلهاء والمقارنات البسيطة التي نرى إليها في أي عمل لا نجد فيه غير الغواية". فهذا إذن، والاشتغال الفني، أيضا، لديه، هو عملية تحليل للموضوعات المؤطرة بدقة اللون والصباغة داخل اللوحة، تاركا للمتلقي أن يركبها حسب رؤيته وقراءاته (وكم تتعدد القراءات !) ومواقفه وتصوراته. فالمتلقي/ المشاهد، كما نظرت له فلسفة التلقي، هو شريك مهم وهام وفعّال في عملية التلقي. فإن اللوحة التي انتهى العمل عليها، من قبل الفنان، لم تعد ملكه، بل أصبح المشاهد شريكا له فيها.. وفي تحديد دلالاتها وتعريفها.. فالمتلقي يضفي الوجود الحقيقي على العمل الفني (كما الأدبي).


يجعل مبارك عمان من اللون والجسد المحايد، الأساس للشكل والمضمون المتخذ في أعماله، عائدا إلى الزمن القديم والإنسان الأول، بعيدا عن ضجيج التكنولوجيا و"وحشية الحضارة" (إن صحّ هذا التعبير)، هذه الوحشية التي حذر منها الفيلسوف الفرنسي ج.ج. روسو، داعيا إلى التناغم مع الطبيعة، والعودة إلى الحالة الأولى. لفهمها وفهم الذات، والعودة لتشكيل مسار تقدمي أرقى وأسمى. لكن ألم تكن، أبدا، لهذه "الوحشية" أي شكل دافع نحو التقدم الإنساني بمختلف تمثلاته، الأدبي، والعلمي والفني؟


نذهب وهذا السؤال إلى ما قاله الكاتب عزيز أزغاي ذات مقال: " تؤكد المفارقة التاريخية العجيبة أن الحروب والمآسي ومختلف أشكال الدمار التي شهدتها البشرية، عبر امتداد حقبها ، لطالما شكلت حافزا مفصليا للإنسان كي يطور نفسه ويتجاوز هناته وضعفه، وهي - بناء على ذلك - بقدر ما اعتبرت همجية وبربرية، بقدر ما ساهمت في إنتاج فكر مختلف ومتجاوز للذي كان، وبالقدر نفسه أنتجت، على المستوى الفني والجمالي، تصورات وأنماطا إبداعية خلقت طفرة نوعية في مسار الإبداعية البشرية. ألم تشكل أهوال ومخلفات الحرب العالمية الأولى منعطفا حاسما في ظهور التكعيبية والسريالية - على سبيل المثال لا الحصر، وهما الاتجاهان الفنيان اللذان عاكسا النمطية والاتساق الفنيين اللذين سبقهما، واللذين جاءا جوابا على التشوهات التي أحدثتها هذه الحرب في الوجدان البشري؟" استحضارا لذلك، ألا يجوز لنا، بدورنا، الادعاء بأن تجربة مبارك عمان الفنية، حينما تقوم باستحضار هذه الروح الفنية التي تصور الكائنات، ليس كما خطها الإنسان الأول وإنما بالشكل المشوه الذي يفرزها عالم اليوم، إنما تفعل ذلك، على غرار معلمي الفن الحديث، في شكل صرخة مكتومة، وكنوع من الإدانة للعالم الراهن وكشكل من أشكال الاحتجاج على فضاعاته؛ عالم المآسي والحروب وتبخيس قيمة الإنسان وقيمه؟".


وإن كان كذلك ! هل بإمكانها أن تكون اللوحة الرابط بين التساؤل الفلسفي والفني والتاريخي؟ وكيف لها ألا تكون ولوحة مبارك عمان فضاء تجاذب جدلي بين الفلسفة والفن والتاريخ.. عن هذا السؤال يكتب الناقد "سي محمد غضبان" مجيبا : "لقد استطاعت تجربة [مبارك] عمان تكسير الأنماط التقليدية والكلاسيكية المتداولة بحيث أصبحت اللحظة الفنية كما مارسها هو، في شكلها المتميز و الاستثنائي تكثيفا لأبعاد وجودية، تاريخية، فنية، وفلسفية متشابكة في لوحته".


في أعماله الأخيرة، يجعلنا مبارك عمان نكتشف رموزا/ أشكالا تصويرية جديدة، غايتها كسر لكل الفواصل الإبستمولوجية بين الفن المعاصر والقديم.. رموز/ كائنات هندسية/ رياضية (المثلث، المربع، الدائرة...)، تضخ بالمزيد من الحياة داخل العمل، وتضيف عليه أبعادا محددة وغير محددة.. أبعاد تتماهى و التوظيف الإبداعي لمواد الطبيعة (متلاشيات، أغطية قنينات، حناء، تراب... وغيرها كثير). لتُوَفق اللوحة في التجميع بين هذا وذاك في جمالية باهرة وتقنية مركَبَة ومُركِبة. عن هذه التقنية يقول أنيس الرافعي، في كلمة له حول تجربة هذا الفنان " أمّا بخصوص التقنية المعتمَدة في هذه اللّوحات، فهي تمزجُ بين كل من النحت والكولاج، وتشركهما ضمن طبقات مضاعفة تمحو الموجود لينبجس منه ما هو في طور التكوُّن، ليس بهدف إعادة إنتاج أو بعث عالم منسيّ أو منقرض، بل لمساءلته كمتخيِّل إنساني وكرؤية بديلة للفن."


مبارك عمان العاشق للتساؤل داخل الذاكرة الإنسانية، والمُسائل لها.. يرصد من خلالها كل ما هو مرتبط بالكائن/ الإنسان، من صراعاته وهواجسه وانكساراته وأفراحه.. إنه عارف بكيفية استغلال ذاكرة الأرض بإدراك منه ويقين، ملتقطا ومتتبعا لآثار الكائن والأشياء، عبر سحر الصورة وتقنية التركيب. أما المتناقضات، الفراغ والاكتمال، الوضوح والغموض، النظام والفوضى، الظاهر والخفي، المرئي واللامرئي، التلوين والانمحاء، عناصر تعطي شكلا للروح/ اللون والجسد/ اللوحة، داخل عمل مبارك عمان.

  •  

  •  

  • ثنائية الروح والجسد:
    قراءة في أعمال مبارك عمان
    عزالدين بوركة

 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         
16/01/2015

الفن وما حوله