•  

  •  

  • تحتفظ الصورة بملامح الزمن والمكان، وتفاصيل الاحداث المؤرشفة بصريا بحيث تستطيع توثيق اجمل اللحظات واسوأها مع الاحتفاظ بجمالية من نوع آخر. لاننا كلما اجتاحتنا الذاكرة نعود الى ما احتفظنا به من صور. لتحيا الذاكرة من جديد، وتسترجع التفاصيل اللحظية الملتقطة بتقنيات عفوية او مدروسة. الا ان لروحية الصورة معاني مضمونية واسلوبية تدركها الحواس من خلال الرؤية التوثيقية التي تهدف لها الصورة، وتمنح الاحساس بدفء الازمنة والامكنة التي تطورت، واحتفظت ببعض معالمها التصويرية البسيطة تعبيرياً، والمعقدة استراتيجيا وسياسيا، فتفاصيل الماضي تحملها الصورة اما بأمانة اعلامية صادقة، واما بتركيب لحظي يمنح التفاصيل المبطنة رؤية مقروءة مرئيا. لتوضيح ما هو مخفي عن الرأي العام أو بالعكس لاخفاء ما هو واضح للرأي العام.


تؤكد الصورة الفوتوغرافية او التشكيلية على الاختلافات البيئية او الاجتماعية، وعلى جمالية اللقطة المشهدية المؤطرة بموضوعية فكرية تحمل وجهة نظر محدودة او غير محدودة. تبعا للموضوع المطروح في الصورة المؤرشفة، والتي تبقى في ذاكرة الماضي، كوثيقة تاريخية قيمة وغنية بالمضامين التي ربما نجهل مضامينها في الحاضر. لأنها تظهر ما هو مطموس الملامح كالابنية والاحياء، والتراثيات والوجوه بمختلف مراحلها العمرية، وحتى المناسبات الدينية والسياسية، والتأبينية والحروب والمجازر والافراح، وما الى ذلك من مناسبات مختلفة نسترجعها من خلال ذاكرة الصورة الماضية والحاضرة التي نحاكي من خلالها المستقبل، والنتائج الراسخة في ذاكرة البشرية المرئية فوتوغرافيا. الا انها لحظة فوتوغرافية التقطتها يد فنان يبحث عن المشهد الموضوعي وابعاده الفكرية والفنية.

 
لحظات تستحق الحفظ في ذاكرة مرئية نستعيد من خلالها تفاصيل تندرج تحت تصنيفات مختلفة. تتميز بتصويرات مؤثرة ومحتويات تنعش العقل والعاطفة، وتدفع المتلقي الى تحليل ما هو مقروء ذهنيا. مما يجعلنا نرى حقيقة الصورة من خلال محتوياتها، والفكرة الاساسية المسلط عليها الضوء من حيث الابعاد والجمال، والعادات مع التفاصيل المرافقة لخبر ما اراد المصور له التخليد ، كالمرأة البقاعية التي تقطف الثمار من شجرة معطاءة، وهي تتكىء على السلم الخشبي. مما يثير الحنين عند الرائي، ويحفظ اللحظة وجمالها لامرأة تهتم بثمارها داخل المشهد الريفي المتماسك فوتوغرافيا والمقترن بالجمال التصويري.

 
تحمل الصورة المصطلحات الثقافية المختلفة. لأننا نحتاجها في مختلف نواحي الحياة، كتوثيق بصري يختزل الف كلمة ايحائية تتجسد في صورة تنشأ مقوماتها من جديد في كل عين تراها، وفي كل فكر يفك شيفرة رموزها او يكتشف من خلالها الخطأ التاريخي او التصحيح الزمني، لرؤية كانت مغلوطة في الماضي، واصبحت مفهومة بشكلها الصحيح في الحاضر، فهل تستطيع الصورة الفوتوغرافية تصحيح المستقبل؟. ام انها سلاح ذو حدين؟. ام هي تعبير يحتفظ بمكنون جوهري مع الزمن حيث تبقى المعالم والملامح كما هي، بينما تندثر في المستقبل وتصاب بانزلاقات رقمية تمس الاسس الحياتية قبل موتها النهائي على يد التكنولوجيا التي تضيف الى الصورة تقنيات رقمية ذات تغيرات وتحولات في المفاهيم المعرفية والتجميلية، وكأن الصورة الفوتوغرافية الصادقة في الماضي ستختلف عن الرقمية في المستقبل. إلا انها في كلتا الحالتين تحمل موضوعا، وفكرة ورؤية تستطيع العين الفنية تحليلها وفهمها بوضوح معرفي وفني.

 
يشير بيير فالان إلى أنه "بدون ذاكرة لا وجود لثقافة وبدون ثقافة لا وجود لحضارة وبدون حضارة لا وجود لتاريخ أو لهوية فردية كانت أم جماعية".فللصورة ابعادها المختلفة من حيث اهميتها في ارشفة الاحداث، وتحديد الزمن من خلال هوية المكان او الشكل العام الذي تتخذه الصورة، فالمشهد الترميزي يندمج مع الدلالات التي تتبلور في صورة تخاطب الحس الوظيفي وتجلياته المحدودة. لتظهر الصورة كأنها مقالة مرئية تستطيع بتفاصيلها قلب المقاييس المتعلقة بموقف ما، كالمذابح وجرائم الحرب. مما يمكنها من محاسبة تاريخية لما تحمله من وضوح في الحدث المرئي بوصفها منظورة، ومحفوظة في ذاكرة لا يمكن محوها، فهي تتواصل مع كل زمن بوصفها وثيقة مؤرشفة لا يمكن التلاعب بها حتى بتقنيات الملتميديا او غيرها من الوسائل الحديثة الآن.كمجموعة بنك الصور اللبناني التابعة لمجموعة متحف فرحات، والتي تسعى الى الاحتفاظ بكل حدث خاطبته عين العدسة في مكان ما وزمان ما. لانها التاريخ والذاكرة باعتبارها شهادة حق للانسان في كل عصر وزمان ومكان، وحتى اللامكان حيث اللغة الافتراضية في زمن العولمة او لغة الافلام الوثائقية التي يتم حفظها في مواقع مختلفة كيوتيوب، وكصور متسلسلة ترافقها موسيقى تصويرية مؤثرة، والتي باتت لغة مواقع تحفظ في ذاكرتها الكثير من التفاصيل التي يراد تخزينها. بوصفها تقنية سريعة الانتشار وتتخطى حدود الوطن العربي، لتتجه نحو الغرب بشتى الوسائل وحتى بمعارض الصور الفوتوغرافية التي تقام في كل حين.

 
يتوقف الزمن في الصورة عند لحظة ما ، لتصبح فيما بعد الشاهد اليقيني لما حدث في الزمن الماضي، وهذا يساعد في تحليلات تقودنا الى تلافي الاخطاء المستقبلية مع امكانية حدوثها دون الانتباه، كما يحدث مع الرؤوساء، وفي الحروب والمناسبات والاراضي الفلسطينية المحتلة او بالاحرى تلك الاماكن والاحياء الاثرية التي وضعت يدها عليها اسرائيل وبدأت فيها بعملية بناء محاولة تغير هوية الاحياء الفلسطينية الاصيلة، فالقدرة على الاحتفاظ بمعالم الماضي في المستقبل هي امانة الشعوب، فأرشفة الصورة هي فعل ثقافي يمنح الاجبال المعرفة بتاريخنا العربي. لانها تخاطب كل زمان بحقيقة حضارية سعى اليها الانسان منذ العصور البدائية حيث بدأ بتسجيل الاحداث اليومية بالرسم على جدران الكهوف، لتحاكي فيما بعد التاريخ بل، ويمكن الحكم من خلالها على الاخطاء التي وقعت في كل زمن.


تشهد الصورة على ثقافة البلدان ومعالمها وتواريخها، فهي ترسم ملامح كل زمن بوسائلها الفنية محافظة بذلك على المعنى الحركي للحظة الملتقطة، كما في الصور القديمة لبيروت الموجودة في الموقع الالكتروني للبنك اللبناني للصورة التابع لمتحف فرحات، فالأبنية القديمة وطراز السيارات الموحي بالزمن مع صور صخرة الروشة، والتغيرات البيولوجية التي تجعل الرائي يقارن من خلالها على تغيرات الزمن وتحولاته مع المحافظة على رؤية اختزالات الكثيرة التي طرأت في الحاضر، فاللغة الفوتوغرافية تخضع لمفاهيم فنية مختلفة ذات ارتدادات انعكاسية. لانها ربما تكون حجة مضادة اما سلبية او ايجابية. كما في صور المخيمات الفلسطينية، والموجودة ايضا في موقع بنك الصور اللبناني التابع لمجموعة متحف فرحات حيث نرى بيوت التنك المقصوفة مع العجوز، وحالتها التي يرثى لها، وفي هذا ادانة للاحتلال الصهيوني واضطهاده الشعب الفلسطيني الذي تم تهجيره وملاحقته حتى الى المخيمات في لبنان والدول الاخرى.


قتل وتدمير وكتابة على الجدران ارشفتها الصور بفنية صادقة محفوظة في ذاكرة صورة عربية، ففي بعض الصور نلمح العجوز الفلسطيني جالسا على كرسي من القش وعصاه في يده توحي بالاصرار على الوقوف مجددا مع كتابات الغرافيتي القوية المعنى على الجدران، بالاضافة الى الاسلاك الشائكة، والتعبيرات المحزنة على وجه امرأة ممنوعة من الانتقال الى الضفة الاخرى مع الاحتفاظ بالكثير من الصور التي تظهر بؤس الحال والفقر، والموت، والمرض، والاستشهاد، واطفال الحجارة، وما الى ذلك من الصورة الكثيرة والمؤرشفة في موقع مجموعة بنك الصور اللبنانية.


تكتسح الصورة الفوتوغرافية اعلاميا مجالات واسعه لها اهميتها الخاصة في الماضي والحاضر. لانها تخاطب الحواس بعقلانية واعية بوصفها لغة خطابية تدخل الذاكرة التاريخية من خلال صورة تحمل ملامحها قيمة الحدث او الخبر او حتى الموضوع، والفكرة التي قد تكبر او تصغر او ترتد، لتستعمل فيما بعد كشاهد على الفعل الزمني الذي يستمد المعرفة من الدلالات التي تهيمن على الصورة المقروءة، والتي تجعلنا نتوغل في الماضي، فنلمس الحقائق من خلال صورة تخرج من الذاكرة، ويتم توثيقها بمقالة او نص او فيلم وثائقي هو بمثابة شاهد على العصر، باعتباره المشهد المتوقف زمنيا عند نقطة الحدث، كما في صور ثورة لبنان عام 1958، ومجزرة صبرا وشاتيلا، فما تحمله كل صورة هي بمثابة احياء للحدث من جديد لما تحمله كل صورة من احداث غائية وقوية بحضورها المتجدد في كل مرة تراها في عين او يدركها العقل.


حين تبدأ البحث في ذاكرة الصوره تصاب بالدهشة من تأثيرات الوقائع المفرحة والمحزنة، وقد تدمع الاعين وتبكي القلوب عند رؤية مجازر صيرا وشاتيلا عام 1982 بداية من التهجير الى الدخان والنيران المشتعلة، الى تشرد الاطفال والانساء، وحتى المظاهر المسلحة والانتهاكات الظاهرة في اكثر من صورة، فتتساءل وانت في الحاضر هل يعيد الزمن العربي نفسه مع اختلاف في بعض التفاصيل؟. أم انه مكتوب على الامة العربية البؤس والحروب والمجازر؟. فهل لغة الصورة التي تحفظ الماضي في ذاكرتها هي الاقوى على جيل المستقبل الذي غابت عنه التعايش مع الحدث، فاستطاع التفاعل مع الحدث من خلال الصورة؟.


في صور الارمن المأخوذة من أرشيف المصور " كيفورك" تستريح قليلا عند اجتماعيات وعادات بعيدا عن الالم رغم ما اصاب الارمن من قبل من حروب ابادة، ومن مجازر سابقة. الا ان مجموعة البنك اللبناني للصور تركت لصور الارمن المؤرشفة من قبل المصور الارمني "كيفورك" لغة خاصة لها جمالياتها حيث التجمعات الاسرية، والاعراس، والمدارس، والاطفال، وطقوس دينية وما الى ذلك، مما يجعلك تتامل ثقافة الارمن في تلك الازمنة مع الاحتفاظ بنماذج السيارات والازياء التي كانت تتواجد في تلك الفترة المؤرشفة في ذاكرة الصورة الفوتوغرافية.


اسلوب تقني فوتوغرافي تحقق فيه الصورة اركان الجودة الفوتوغرافية من تكوين، واشباع، واضاءة، ومرونة، وتأطير، وتوازن، وبساطة واندماج، وما الى ذلك. مما يؤثر على قوة التأثر والتأثير، وجذب البصر نحو النقطة الاساسية للفكرة، كما في صورة العروسين رغم التدمير الذي اصابت المحيط من حولهم، وهذا الامل في الصورة هو الذي يعيد لنا الحوارات التأملية التي تدور في عقل الرائي للصور المؤرشفة، فهل سينسى العرب الحروب الصهيونية عليهم؟ والانتهاكات التي اصابت فلسطين؟ ام ان صور مجازر صبرا وشاتيلا وثورة لبنان ستحفظ في الذاكرة، لتصبح كارشيف له هوية خاصة هي بمثابة شهادة حق تجعل لاجيال المستقبل الاحتفاظ بحق العودة وتحقيق السلام العادل؟.


تحمل الصور في مجموعة بنك الصور اللبناني من مجموعة متحف فرحات ذاكرة لا يمكن محوها. لأنها تحاكي كل عين ترى، وكل عقل يدرك بتحليلاته ما ترافق كل صورة من حدث مرئي مؤثر. كما في صورة الجريح المصور الفوتوغرافي "نبيه ناصر" المحمول على ايادي رفاقه بينما توقفت من خلفهم حركة الحياة اليومية، وفي هذا توضيح لما يتعرض له المصور الفوتوغرافي من قتل وسجن وانتهاك لحقوقه الاعلامية فهل تنسى الشعوب العربية هذا؟.فهل الصورة هي تاريخ مرئي نستعيد من خلاله حق من حقوق جيل مضى؟.ما من حدود للصورة الفوتوغرافية الشبيهة بوثيقة ننهل منها الحقائق، ونقرأ من خلال تفاصيلها الفنية ما وراء الخبر. لانها بمثابة خبر مؤجل لزمن يعاود تجدده. مما يدفع الفكر نحو اهمية الصورة الاعلامية ثقافيا وفنيا، ومدى اهميتها في ارشفة الحدث ومدى قدرتها على مخاطبة الحضارات وجيل المستقبل القادر على تحقيق التوازنات بوصفه المؤتمن على الذاكرة العربية.

  •  

  •  

  • ذاكرة الصورة العربية
    بقلم ضحى عبدالرؤوف المل
    من مجموعة متحف فرحات
    http://www.lebanesephotobank.info/
    dohamol@hotmail.com

 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
         

11/01/2015

تشكيل الحياة