التقديم:

  • تعامل الفّنانون الإيرانيون، وبخاصة أولائك اللذين انتموا إلى الجيل الأول من رسّامي المنمنمات  مع جسد المرأة تعاملا خاصا له علاقة بالحنين إلى التراث الفارسي القديم. وخصّ الفّنان المرأة بالجمال الذي يندر مثيلـه فـي الكون فجعلت منها آية من آياتها وسرا من أسرارها فإذ هي  جمـال يتفتـق بالجمال ويفيض بالسحر ويعبق بالجاذبية وينضب بالمعاني الجميلة: القد النحيل ، النهود البارزة والمكورة، الأصابع الطويلة، العيون الكبيرة وغيرها...ولعّل أهمية هذه الصورة لا تكمن فقط في خصائصها الفنّية وفي كشفها عن مرحلة من الحياة في العهد الفارسي أين يكثر هناك المجون والجلسات الخمرية. 

كانت ولزالت المرأة مصدر عشق الفنّان فـي سحرها وجمالها وينبوع إلهامه فإذا به يستوحي جمالها في بنـاء جمـال الأشياء التـي تجسـدت فـي الأدب والفنّ والروائع والأحداث الجسام كحكاية "ألف ليلة وليلة". وتلك المرأة العارية الموجودة على جدار القصر الملكي"الكاجاري"   تبدوان كاملة  الجمال والأوصاف، وتستلقي في وضع ايروسي ومغري.

وأثناء زيارتي إلى إيران، اكتشفت العديد من المواقع الفنيّة التي تضمّ أهم المنمنمات الفارسية القديمة، والنادرة الوجود. ومن بين هذه الأماكن: متحف "المنمنمات القديمة" الموجود داخل وزارة الثقافة الإيرانية. وتعتبر هذه المنمنمات من أروعها في تاريخ إيران نظرا لامتدادها التاريخي. (أواخر القرن الثالث عشر ميلادي).  ومن بين هؤلاء الفناّنين " كمال الدين بهزاد[1]

 (  1450-1535) وهو مصوّر منمنمات من "هراه". والذي قد تأثّر  بالمنمنمات "المغولية" فظهرت منمنماته متميّزة خاصة على مستوى التقنية . فهو يعتمد على شرائط مختلفة من السّبائك

( الذهب، والبرونز، العاج..)  كما إنّي زرت متحف "رضا عبّاسي" Reza Abbassi الذي يحتوي على العديد من المنمنمات الفارسية القديمة والأولى في نشأتها. لكن اغلبها مجهولة أي لم يكتب عليها اسم الفنان الذي قام  برسمها. لكنها تشي بجودة عالية ودقة في الزخارف المتنوعة. .[2]

أ‌-       خصائص الفن الإيراني

*       فن التصوير الفارسي: المنمنمات :

      إنّ تاريخ الفنّ التشخيصي في إيران كان عريقا جدا خاصة في  تصوير الأشخاص وكان ممارسا خلال الفترة الفارسية  منذ 500 ق. م. والسّاسانية منذ 240م. ولحين الفتح الإسلامي عام  651م. وعبر الفترات الإسلامية نجد التشخيص ممارسا في أنحاء إيران وليس في المناخات الدينية فحسب: بل في الفخاريات والمنسوجات والمخطوطات وحتى العمارة خلال فترة السم عانيين والبويهيين والجلائريين. وفي عهد الصفويين (القرن السادس عشر) تبلور استعمال الفنّ التشخيصي وخاصة حضور صورة الجسد الأنثوي  في ديوان "الصفوي" في "جحيل ستون Chihil Sutun وهذا ما جعل إيران تحضي بتقدم فنّي في جميع أنواع الفنون ابتداءا من فنّ التصوير (المنمنمات )، الفن في الفترة القاجارية، الفنّ الحديث وصولا إلى الفنّ المعاصر.

وأثناء زيارتي إلى إيران، اكتشفت العديد من المواقع الفنيّة التي تضمّ أهم المنمنمات الفارسية القديمة والنادرة الوجود. ومن  بين هذه الأماكن: متحف "المنمنمات القديمة" الموجود داخل وزارة الثقافة الإيرانية. وتعتبر هذه المنمنمات من أروعها في تاريخ إيران نظرا لامتدادها التاريخي. ( أواخر القرن الثالث عشر ميلادي).  من بين هؤلاء الفنانين " كمال الدين بهزاد"Kamāl ud-Dīn Behzād ( 1450-1535) وهو مصوّر منمنمات من "هراه". والذي تأثر  بالمنمنمات "المغولية" فقد ظهرت منمنماته متميزة خاصة على مستوى التقنية . (يعتمد شرائط مختلفة من السبائك ( الذهب، والبرونز، العاج..)[3]  إضافة إلى وجود بعض القطع النادرة الوجود في هذا المتحف الفنّي.

      قبل التطرق إلى الفنّ الإيراني المعاصر، يجب أنّ نقدم نبذة عن تاريخ فنّ التصوير الفارسي باعتباره من أهم الفنّون التي شهدها العصر الإيراني والإسلامي عموما في تلك الفترة. وهذا النمط من الفنون لزال موجودا إلى حد هذا اليوم، لكن بطرق معاصرة وبتقنيات متطورة. كما كان لظهور المنمنمات انعكاسا قويا ساهم في ظهور تجارب فنية هامة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وهو عبارة عن ممهّد للفن ّالمعاصر.

    والمنمنمة هي صورة فنيّة صغيرة الحجم، رسمت في كتاب من أجل توضيح المضمون الأدبي أو العلمي أو الاجتماعي أو غير ذلك من الموضوعات التي حفلت بها الكتب والمخطوطات في العصور الوسطى، وتعد المنمنمات صوراً تسجيلية للحياة والبيئة والعادات والمعتقدات والطقوس والأحداث التاريخية والعمارة والزّي والفنّون، فضلاً عن قيمتها الفنية التي تطورت عبر التاريخ. وهي احد الفنّون التقليدية في البلدان الإسلامية، سواء الآسيوية والأوروبية.

    أثناء زيارتي لفنّان المنمنمات الإيرانية "عبد الله محرمي " في ورشته ،تعرّفت على أهم التقنيات  والخصائص التشكيلية للمنمنمة الفارسية. فهي تتكون من عدة مراحل وفق تصنيف جديد،وبأسلوب أكاديمي فريد، ووقوف متأني سديد، عند شتى الجوانب الجمالية والتشكيلية والبنائية الكامنة في وراء تلك العناصر التشخيصية( جسّد لي في المنمنمة التي قام برسمها صورة جانبية لامرأة) المميّزة لكل منطقة من خلال منمنماته. إذ حاول هذا الفنّان في سياق عمله النموذجي، الكشف لي بطريقة أو بأخرى عن غنا تلك المنمنمات وثرائها الجمالي، وتنوع عناصرها التشكيلية التي باتت تنتقل عبر مختلف وأساليب المنمنمات  من نطاقها العملي البنائي المحض، إلى المجال التشكيلي الجمالي الخالص. بتحليله الرصين والصائب لمختلف أعمال التصوير الإسلامي، لاستجلاء مختلف القيم الجمالية والشكلية التي تميز تلك الأعمال الفنيّة. وقد بدا واضحا تمكنه الأكاديمي من مادته، وطول باعه في منهجه، من خلال سيطرته على هذه المساحة الزمنية الضخمة؛ مع القدرة على تغطيتها والتحكم في زخمها الفني بأسلوب وصفي دقيق، ومنهج علمي تحليلي أصيل.

يقول اوليغ جرابر:« إن ّالتصور لفنّ الكتابة في الفارسية الحديثة سليم إلى حد كبير، وهذه الدراسة معنية أساسا بالمخطوطات المصوّرة ليست وبعض ما اشتق منها.إلا أن فن التصوير الفارسي يعود إلى ما قبل ظهور الإسلام،كما ان المخطوطات المصورة ليست الشكل الوحيد لفن التصوير الإيراني.فهناك الرسوم الجدارية،التي عملت الصدفة على حفظ بعضها الآخر،وهناك رسوم تحملها الأدوات المصنوعة فضلا عن إشارات إليها نطالعها في المصادر المدونة...»[4]

كما أكد لي عبد الله محرّمي  أثناء زيارتي له  قائلا : إنّ فنّ المنمنمات (أو ما يصطلح عليها بفنّ "المينياتور")  وهي تعني لغويا تلك الطبيعة المصغّرة والدقيقة (الأشجار والورود والحمامة)، وقد ادخل هذا المصطلح في قاموس اللغة الفارسيّة منذ بداية القرن الماضي، خاصة في العهد القاجاري الذي تميز بدوره بظواهر الإبداع الفنّي المتميز  بالدقة والطرافة خاصة فيما يخص تلك الزخارف المتنوعة . وهذه الكلمة تحديدا تتخذ في إيران عنواناً وتعريفاً لأنواع من الرسم ذات الخلفية التاريخية القديمة (مختلف الحضارات المتواترة على إيران ).

وأكّد لي أنّ أولى المدارس الإيرانيّة في فنّ المنمنمات كانت منذ القرون الأولى بعد الإسلام.ثم جاءت بعد ذلك الإبداعات في الخطوط العربية ( كالزخارف الموجودة على المجلدات)، وقام الفنّانون الإيرانيون بكتابة "المصحف" في عدة نسخ هامة ، تضمنت عدة تقنيات "كالتذهيب" و"التشعير" والزخرفة في أطراف الصفحات وعلى الغلاف متبعين نقوشاً فنية مثل "الاسليمي" و"الختائي"، وفي هذه المسيرة ابتكروا أيضا طريقة الدوائر المركبة بطريقة خاصة".[5]

   تلتقي‌ في‌ تصوير المنمنمات‌ الإسلامية‌ تأثيرات‌ عدة‌:إيرانية وعربية‌ وصينية‌ ومغولية‌ وسلجوقية‌ وهندية‌ وتركية‌ وعثمانية. كما تظهر بعض‌ التأثيرات‌ البيزنطية‌ في‌ فترات‌ محددة‌، وخاصة‌ حول‌ القوس‌ المتوسطي‌، ويمكن‌ أن‌ نلحظ‌ تأثيراً باهتاً لها في ‌المنمنمات‌ المعاصرة‌. لهذا الفنّ‌ عدة‌ مدارس‌، فهناك‌ المدرسة‌ البغدادية‌ والمدرسة‌ المغولية‌ والمدرسة‌ التيموريّة‌، ثم‌ المدرسة‌ الصفويّة‌ والمدرسة‌ المملوكية‌ والمدرسة‌ التركية‌ والمدرسة‌ الهندية‌، ثم‌ المدرسة‌ المعاصرة.

في هذا السّياق يجب علينا إبراز مشكلة الرسم التشخيصي في الإسلام وفي الفّن الفارسي تحديدا، فما هي خصائص الفن الفارسي التشخيصي؟

   إن ّالإشكالات المتعددة في الرسم العربي والإسلامي لم يُحسم بعضها حتى اليوم، البعض منها نظرية والأخرى تطبيقية. إنّ التعارض النظري بين تحريم تمثيل وتصوير الكائنات الحية وبين الانجاز المتحقق والمعروف لا يبدو واضحا في أذهان الكثيرين، وهم يعتقدون أنّ التحريم الفقهي قد ألغىّ نهائيا أية إمكانية جادة لتطوير فنّ الرسم التشخيصي في العالم الإسلامي حتى القرن الرابع عشر الميلادي على الأقل. سوى إننّا نعرف الكثير من الآثار التصويرية. خصوصا منمنمات مقامات الحريري و"الفريسكات"les fresques وأعمال التصوير على الورق والخزف،التي لا تبرهن مثل هذا التصور. وفي الحقيقة فإننّا لا نعرف حتى الآن إلا ندرة نادرة من أسماء الرسامين. فإنّ الو اسطي المكرر اسمه كثيرا إنّما هو مجرد مثال واحد على فنّان وقع عملا،رسما بالمعنى التشخيصي .كان هناك فنّانون بارعون أقدم من الو اسطي بكثير ممن قاموا بأعمال صراحة كانت أعمالا فنيّة تشخيصية؛لا يتعلق الأمر بالضرورة برسامين بالمعنى المعروف الآن ولكن بمن اهتموا بالقيام برسم تشخيصي على حوامل متنوعة مثل الخزّاف-الإيراني الأصل-(أبي زيد)الذي كان يرسم على الخزف أعمالا تصويرية ملحمية باهرة جدا.

     فضلا عن ذلك فان صورة جسد المرأة قد كان حاضرا في اغلب المنمنمات الفارسية وقد جُسّد بأنماط مختلفة داخل فضاء espace  بالمعنى الذي يمكن أنّ يعني بالعربية (الحيز والمكان). وهناك فضاء داخلي وفضاء خارجي كما يؤكد ذلك "إتنغهاوزن" «أن أنهكاك رسوم مقامات الحريري (المحفوظة في سان بطرسبورغ) برسم الجمهور يجيء من وطأة حضور الحياة المدينة. هذا الجمهور يتشكل من شخصيات كثيرة العدد مرسومة ليس فحسب بصفوف إنّما أيضا على شكل تكتلات من الدوائر. تكتلات من البشر تجاور مرات الشخوص الرئيسيين ومرات تحيط  بتظاهرة ما معبرة عن انتباهه مأخوذة. لذلك تثب التظاهرات الواحدة على الأخرى والواحدة في قلب الأخرى. بعض المشاهد سهلة والأخرى صعبة:البعض لا يهتم بالفضاء والأخريات مهمومة به »[6] هذه النساء الموجودة في المنمنمات الفارسية بذلك العقال المخفف رآهن بعض فنّاني عصر النهضة وقدموهن،في بعض أعمالهم، بوصفهن نساء من عصر السيد المسيح، وربما لم يكونوا يجانبون التوصيف التاريخي الموضوعي.وعلى سبيل المثال ففي لوحة(زيارة العذراء مريم للقديسة إليزابيث) الموجودة اليوم في متحف اللوفر في باريس ويسم فنّان عصر النهضة الايطالي "دومينيكو غيرلانداجو Domenico Ghirlandajo العذراء بلباس يشبه العقال. في لوحة أخرى يجري صراحة استلهام اللباس الشرقي المرئي في الموانئ التجارية الايطالية بوصفه زي المسيح، أو لباس العذراء،كما هو مثال لوحة رفائيل سانتزيو Rafail Sanzio المسماة (المدونا مع الكرسي) La Madone àla Chaise  المحفوظة في قصر بيتي florence,Palais Pitti، في مدينة فلورنسا.لباس العذراء هنا مستلهم في الغالب من الأزياء في المغرب العربي.


 

[1]  يعتبر المصوّر كمال الدين بهزاد من أبرع مصوري المنمنمات قاطبة، وهو من مواليد هراة عام 1450م، وقد درس النقش والتصوير على يد سيد أحمد التبريزي وعلى ميراك من هراة، ولقي حظوة لدى عدد من السلاطين التيموريين والفرس لما اتصفت به أعماله التصويرية من براعة وإعجاز، ويعد بهزاد في طليعة الفنانين الذين وقّعوا بإمضاءاتهم أعمالهم الفنية، ومن أشهر تلاميذه قاسم علي الذي اشتُهر برسم الوجوه، وتحتفظ دار الكتب بالقاهرة بمخطوط من كتاب بستان سعدي مؤرخ بعام 1488م، ويتضمن خمس صور من إنجاز بهزاد.

[2] Mohammad-Ali Rjabi,(Secretary oF the Exhibition Masterpices oF Persian Painting)

  Tehran Museum oF Contemporary  Art,Maserpieces of Persian Painting, in spring 2005( English Editor : Anthony Schumacher P 478,489,…389.

[3]Mohammad-Ali Rjabi,(Secretary oF the Exhibition Masterpices oF Persian Painting)

  Tehran Museum oF Contemporary  Art,Maserpieces of Persian Painting, in spring 2005( English Editor : Anthony Schumacher.

 أوليغ جرابر، ترجمة عبد الإله الملاح، المنمنمات مدخل إلى فن التصوير الفارسي،وزارة الثقافة،دمشق،2007،ص 11. [4]

 [5]حوار أجريته مع الفنان التشكيلي ورسام المنمنمات الفارسية الدكتور "عبد الله محرّمي"( 1967) ( أستاذ ومحاضر في الفنون الإسلامية الإيرانية المعاصرة واهتمّ خاصة بفنّ المنمنمات) في ورشته حول مراحل نشأة المنمنمة الفارسية وأهم مكوناتها. إيران 04 مارس 2013.  

 [6] Richard Ettinghausen and Oleg Grabar: The Art and Architecture Of

 Islam,Ed.Yale,Universty Press 1987,P.68.

ترجمة الدكتور "شاكر لعيبي" من خلال كتابه ، الفن الإسلامية والمسيحية العربية،دور المسيحيين العرب في تكوين الفن الإسلامي، الطبعة الأولى ،رياض الريس للكتب والنشر،2001، ص،68

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
 

31/01/2015

فنون عربية وعالمية