Mosque lamp for the Mausoleum of Amir Aydakin al 'Ala'I al–Bunduqdar, Mamluk period (1250–1517), shortly after 1285
Jug, colorless and blue glass, with “pinched” decoration Iran; 9th-10th century
Indo-Islamic art(Qutab Minar)
Helmet, late 15th century. Ak_Koyunlu_Shivran
Fragmentary loom width with wavy–vine pattern, Ottoman period (ca. 1299–1923), ca. 1565–80
 
Dish, last quarter of 16th century; Ottoman
Cage animal flask, 7th–8th century syria
Bottle, colorless glass, with relief-cut decoration and a green and brown overlay Iraq or Iran; 9th-10th century
Bottle, brownish glass, partly blown in a mold, with applied thread decoration Iran; 12th-1st half of 13th century
Bird-shaped vessel. Probably Iran, Saljuq period, 12th century. Brass inlaid with copper, glass bead; case, incised and chased. Bird-shaped vessel 12th century Saljuq period
Basin, colorless glass, decorated with enamel and gilding Egypt or Syria; 14th century
The Dome of the Rock is located on the Temple Mount in the Old City of Alquds
Sheikh Zayed Grand Mosque
Minaret of Samarra, Great Mosque of Samarra, Samarra, Iraq
Lahore Badshahi Masjid
Alhambra in Spain
 
 
 
  •  

  •  

  • الجانب الوجدانى من الإنسان هو بطبيعته أدخل الجوانب فى موضوع الفنون، فعنصر "التأثير" هو العنصر البارز فى الفن. وأقرب وسائل التأثير هو تصوير الوجدانات البشرية فى صورة جميلة موحية تؤثر فى الوجدان، ومع أن الفنون وخاصة فى موجتها الواقعية الحاضرة تتخذ من كل شيء موضوعا للتعبير الفني، إلا أن وجدانات البشر ما تزال رغم ذلك هى الموضوع الغالب على الفن فى كل لغة وفى كل جيل.


وهذا أمر طبيعى بالنسبة للفن، فى ضوء كل ما ذكرناه، حين تبينا موقع الفن بالنسبة للعلم والفلسفة والمعارف البشرية، وإلا انقلب الفن علماً أو فلسفة أو أى لون آخر من ألوان التعبير الخارجة عن نطاق الفنون. فليس الموضوع فى ذاته هو الذى يحدد نوع العمل إن كان فنيا أو غير فني، إنما الذى يحدده هو طريقة تناول الموضوع، والذى ينبغى أن ينقله إلينا الفن فى كل موضوع يتناوله ذلك الجانب الوجدانى الحى المنفعل المؤثر.. لا غيره من جوانب الموضوع. ويدع للعلم والفلسفة والبحث الذهنى كل جانب تجريدى أو تسجيلى أو إخبارى بحت، لا تدخل فيه "النفس" التى تنفعل به ثم رغبت فى نقل انفعالها للآخرين.


ومن ثم فإن المذاهب التى تنحو نحوا علمياً خالصا فى الفن فتسجل "الواقع" كما تراه العين الذهبية الباردة، أو كما تراه "الكاميرا" التى لا يعنيها ما تنقل من الصور، ولا تنفعل بما تلتقط من الأضواء والظلال، أو كما يراه المحلل النفساني، هذه المذاهب على ما يذهب إلى ذلك باحث معاصر، تنتج فنا رديئاً مهما يكن فيه من دقة وبراعة وجهد مبذول، لأنها تنقص العنصر الأول من الفن، وهو حرارة الوجدان، وقد كانت مثل هذه المذاهب "الواقعية" و"الطبيعية" وغيرها نكسة فى عالم الفن متمشية مع النكسة الروحية والنفسية التى أصابت أوربا فى القرنين السابقين، بسبب نفرتها المحمومة من كل شيء يحلق فى الخيال ويتخذ طابع الانفعال لغير المنظور "فيما وراء الطبيعة" ورغبتها المحمومة كذلك فى أن تلمس "الواقع" كما هو بغير تذوق أو أضواء أو ظلال.

 
وهى نكسة..لأنها تلغى واقع "النفس" كله لتثبت فقط واقع "المادة".. متأثرة بالنظرة المادية الحيوانية للإنسان، التى تجعل له قيمة أعلى من المادة..والفن "الإنساني" ينبغى أن يفيق من هذه النكسة..ينبغى أن يرد للنفس الإنسانية اعتبارها الذاتى بوصفها قيمة كونية كبرى، واعتبارها إزاء المادة بوصفها شيئا مسخراً له.


والفنانون الذين يقدمون لنا فى أعمالهم صورة مختلفة للطبيعة لا يشوهون الواقع، بل يقدمون له صوراً أسطورية أو مستقبلية تذكرنا بقدرة الإنسان على الإبداع، كما أن الأدباء الذين قدموا لنا إنتاجهم العظيم لم يهدفوا إلى التعبير عن الواقع بقدر ما كانت كتابتهم بحثا وراء المعنى الذى يمكن للإنسان أن يعطيه لحياته، وتساؤلا عما يستطيع أداءه، وسعيا وراء تفسير حقائق الأشياء.لقد أثرى هؤلاء الفنانون مفهوم الواقع الذى فاق كونه مجرد طبيعة قائمة إلى كونه طبيعة ثانية يخلقها الإنسان بفنونه ومناهجه ووسائله التكتيكية وإمكانياته المتزايدة. وإننا لنحس بالعمل الفنى وهو يهمس لنا بالأشياء التى تنقصنا ويحرك فينا إرادة تحقيقها.


إن العمل الفنى يتطلب من الإنسان ألا ينتقل من موضوع التجربة الحسية إلى التصور وحسب، بل أن يقصد عالم الواقع، متجها نحو ما ينبغى عمله حيث يخلق المستقبل بيديه، فالخلق الفنى اكتشاف لغايات جديدة وليس مجرد إنتاج فكرى بل هو تحقيق للإنسان بكامله ومن هنا كان قول غوته : "على الفنان أن ينشئ مملكته الخاصة فى الطبيعة، وأن يخلق من الطبيعة طبيعة ثانية"وفى هذه الكلمات يتحدد المفهوم الحقيقى للعمل الفنى من أنه ليس محاكاة، بل إبداعا. وما دام الفنان يخلق فى أعماله الإبداعية طبيعة ثانية فليس من المعقول أن يقاس جمال العمل الفنى بإحالته إلى حقيقة موجودة خارجة عن ذاته ومن ثم فليس من المقبول كما يذهب إلى ذلك باحث معاصر فى الفن أن نرى فى اللوحات الفنية مرآة ينعكس عليها العالم الخارجى الساكن أو شاشة عرض سينمائى يعرض عليها العالم "الجواني" الخالد، وإنما على أنها نموذج تشكيلى للروابط بين الإنسان والعالم، هو سر اختلاف الأعمال الفنية مع اختلاف العصور التاريخية واختلاف إمكانيات البشر فى مواجهةالطبيعة.
إن للعمل الفنى منطقه التشكيلى الخاص، فهو لا يخضع لقوانين الطبيعة أو عالم الموجودات الحسية، ولهذا فنحن لا نقيس اللوحة المصورة بالعالم الذى تعمد إلى تمثيله، بل نقيمها فى ذاتها على أنها نموذج يعبر عن قدرتنا على الخلق والتغيير.


وقد تألق عمالقة التصوير فى العصر الكلاسيكى القديم بفضل الأعمال التشكيلية التى لم يخضعوا فيها لمبادىء الهندسة والطبيعة وقوانين المنظور التى سادت الحضارة الغربية فى عصر النهضة،كما جنح المصورون المعاصرون إلى احتذاء نهج فنانى الحضارات الأخرى خاصة الحضارة الإسلامية الذين يبدءون من التجربة للقوى غير المرئية ثم يخلقون معادلاتها التشكيلية القادرة على التعبير عنها، وهو النهج الذى سماه المصور "بول كلي" تحويل ما لا يرى إلى مرئيات " وكان هذا بفضل اتصال هؤلاء بالفنون الإسلامية من عمارة وتصوير وزخرفة وخط إسلامى تمكنوا بفعل الدراسة والتأمل العميق من استشفاف الفلسفة التى تستبطن كثيرا من فنون هذه الحضارة، وترقد كالسر المصون فى جوف كثير من الأعمال الفنية العربية فى انتظار فض ختمها والكشف عن مكنونها.


وإذا كان التراث الإسلامى قد اندفع إلى الوجود عن طريق العقل والوجدان، فقد سبقتهما فى ذلك "اليد" التى أبدع الله تكوينها وصاغ شكلها، وأودع أطراف أصابعها سر الوجود وحقيقة الحياة ومستقبل الإنسان. وهذه اليد كالقلب والعقل ذكرها الله فى محكم كتابه فى مائة وإحدى وعشرين آية، جاءت متفرقة فى العديد من السور القرآنية.


وتأخذ حقيقة "اليد" كما خلقها الله فيما تأخذ لتكون صانعة لاستمرار الإنسان ودوامه، ومكونة لحضارته وممهدة لوجوده ومثبتة لحياته على هذه الأرض كأرقى المخلوقات، وهى وحدها لا العقل والوجدان التى عبرت عن حقيقته الأولى، حيث استطاع إشعال النار واستعمال الأدوات المستمدة من الأحجار والعظام وفروع الأشجار.. وفى عصور لاحقة حيث عملت يده فى أعمال فنية، كصناعة الفخار، والرسم على جدران الكهوف.. هذه قصة" اليد" والخط لسان اليد فهى التى كتبت وأبدعت، وشكلت الفنون.


أما قصة الكتابة فهى قصة الحضارة نفسها، نراها فى كل مكان ونجدها أينما أينعت المدنية وازدهر الرقي، والكتابة وجدت لحاجة الإنسان إليها، تطورت معه، وارتفعت بارتقائه وأخذت سبيلها إلى قمتها مع تقدمه العقلى والذوقي، ولا توجد حضارة أولت فن الخط عناية أو اهتماما مثلما أولته حضارة الشرق الإسلامي.


ولذلك فلا غرابة أن يصبح الخط العربي، وبخاصة حين يأخذ مادته من القرآن الكريم، هو الفن السائد فى المجتمعات الإسلامية خلال العصور الطويلة. وسوف نجد أن الخط العربى مثل الأرابيسك استطاع أن ينقل البيئة الأساسية للفهم المنطقى أعنى الرموز الفكرية الأبجدية إلى مادة فنية تصويرية، إلى بيئة فنية يصبح الوعى الجمالى فيها أصليا لا ثانوياً قائما بذاته لا بغيره، مما سيدفع أحد الباحثين إلى القول: "وهنا يكمن سر نجاح هذا الفن حيث استطاع أن يتغلب تماما على الفكرة المنطقية فى العمل الفنى لتصبح تابعة ومكملة للتصوير الجمالي، فكان بحق أعظم وأثبت انتصار فى الإسلام.


وإذا كان التراث العربى الإسلامي، الأدبى منه أو الأصولى الفلسفي، قد حفظ نسبياً من الإهمال والاندثار والتدمير، فإن التراث التشكيلى يبدو أكثر تشتتاً وباطنية وإغلاقاً على الذوق العام والخبرة الثقافية اليومية، وقد ختمت أشلاؤه بالشمع الأحمر وعزلت عن جسم الذاكرة الحضارية فى بطون المخطوطات المحجوزة فى مستودعات المتاحف ومخافر الثقافة فى مراكز الأبحاث العالمية "خاصة فى ألمانيا والولايات المتحدة، فى فرنسا وإنجلترا والاتحاد السوفيتى سابقاً" تنتقل بين أيدى أصحاب المجموعات الخاصة وتجار الأثريات وتطبق على ما نجا منه أنياب البيروقراطية المحلية، وحذر، وأمية مسؤولى الثقافة والآثار.


ولا تسعفنا الكتابات العربية القديمة فى دراسة الفن الإسلامي؛ فلم يعن المؤرخون بتدوين أخبار المصورين عنايتهم بغيرهم من الشعراء والأدباء والعلماء، وكل ما وصلنا عنهم قليل من أخبارهم التى وردت فى ثنايا الكتب، كتب التاريخ بشكل خاص.


كما بلغنا أيضا اسم كتاب واحد، ذكره المقريزى فى "خططه" وهو "ضوء النبراس وأنس الجلاس فى أخبار المزوقين من الناس" دون أن تصلنا، أية نسخة عن هذا الكتاب النادر.
وعلى الرغم من أننا يمكننا أن نكتشف بعض النظريات الجمالية فى كتابات المسلمين خاصة منهم الأدباء من أمثال التوحيدى والزمخشرى أو الأصوليين كأبى حامد الغزالى إلا أنه لم يعن كتاب تلك العصور بـ"فلسفة الفن"،لأن الفن لم يكن يحظى دون شك بمكانة غيره من الانشغالات الإبداعية.


هناك رسائل ومقالات ونبذات عن فن الخط وخطاطيه، إلا أننا قلما نعثر على معلومات، أو تحاليل عن فن الزخرفة أو عن فن المنمنمات. إلى هذا كان الفنان، المزوق أو المصور ملحقا بالخطاط عاملاً على إيضاح النصوص المخطوطة وشرحها.


إلا أن سبب الندرة هذا فى نظر بعض الباحثين عائد بالدرجة الأولى إلى " تهميش" الممارسة الفنية فى المجتمعات الإسلامية : إن مسألة" تحريم الصور "فى الإسلام لم تحرم، ولم تمنع بالتالى إنتاج الصور، إلا أنها لم توفر للتصوير مكانة معتبرة لا بل عانى هذا الفن فى بعض الفترات،على الأرجح،من سخط الحكام والفقهاء أو بعض الجماعات، فى ضوء تأويلات للإسلام خاطئة وتحجر عند تفسير النصوص، ما زلنا نجد بعض أصدائها عند فرق تريد العودة بالإسلام وفهمه إلى أمثال هذه الفترات من التردى والانحطاط على الرغم من عدم إغفال الإسلام فى نصوصه الثابتة، وفى ممارسة أئمته الأوائل للفنون عامة وفى العكوف على مختلف تجليات الجمال الطبيعى والإلهى فى شتى مجاليه بدأً من لغة القرآن وانتهاءً بالممارسة اليومية للإنسان المسلم على ما سنرى فى ثنايا البحث.


وقد وصل إلينا الفن الإسلامى متمثلا فى مختلف آثاره من أدب وشعر وعمارة وتصوير وزخرفة وخط ومنمنمات، دون فلسفته، أو أخبار فنانيه، ودون شروح لتقنياته وأساليبه. لهذا لا نبالغ إذا تحدثنا عن المحاولات الجمالية والنقدية المتأخرة والحديثة لفهم "الجماليات الإسلامية"، ولتأسيس فلسفة تفسر مختلف الفنون الإسلامية، بوصفها المحاولات الوحيدة لاستيعاب هذه الفنون واستخراج قوانينها الجمالية.إلا أن هذه المحاولات : غربية أم عربية، اختطت لنفسها طرقاً لفهم هذه الفنون، فأصابت فى مواضع وأخفقت فى مواضع أخرى، عاكسة سؤالات الحاضر الفنى وإجاباته الحديثة على هذا الفن القديم.


وقد أعجب الفنانون الأوروبيون فى بداية العصور الحديثة مثلا بطرق الزخرفة فى الإسلام،ولاسيما الزخرفة النباتية Arabesque.ومن الدليل على ذلك ما حدث حين قدمت جماعة من أرباب الصناعات المعدنية من الشرق إلى البندقية فى النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادي، إذ أخذت هذه الجماعة تصنع أوانى وصحائف "أطباق" ذات زخارف نباتية بديعة التوزيع والتفريع، فلم يلبث الفنانون البندقيون أن حكوا هذا النوع من الزخرفة، ثم لم تلبث الزخرفة النباتية برغم تفريعاتها وتعاريجها أن صارت أسلوبا محبوبا فى ذلك العصر الإحيائي، حتى أن المصور الألمانى هولباين الصغير على أستاذيته لم يتردد فى استنباط نماذج للزخرفة من هذا الأسلوب.


ومن المعروف كذلك أن المصور العظيم رامبراندت الهولندى كان من أوائل الذين اجتذبهم على المستوى الفنى فى تصوير الأحياء فى بعض الصور التى وصلت إلى يده من إحدى البلاد الإسلامية،إذ امتلك منها رامبراندت مجموعة عددها عشرون منمنمة مغولية تيمورية، وبلغ من إعجابه بها أن صور لنفسه نسخاً منها، حين اضطرته ضائقة أحواله المالية إلى بيعها عام 1656م. ومن هذه المنمنمات المنسوخة واحدة فى متحف الّلوفر بباريس، ويتضح منها ومن أخواتها أن رامبراندت استنسخها كلها فى سرعة، مع إدراك خارق لكل ما فيها من تفصيلات فنية هامة ومما يدل على أن امتلاك رامبراندت لهذه المجموعة من المنمنم الإسلامية لم يكن من دوافع نزوة شخصية، بل من دوافع إعجاب وتقدير، إن كثيرا من عظماء المصورين الإنجليز فى القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلادى تداولوا امتلاك هذه المنسوخات وأصولها، وأن سير جوشوار رينولدز رئيس المعهد الملكى للفنانين فى لندن، أعجب بمجموعة أخرى من منمنمات فاخرة، وهى الآن من كنوز المتحف البريطانى فى العاصمة الإنجليزية.


ولا يزال البحث فى دراسة المنمنمات قائما حتى العصر الحاضر، إذ جعلها هذا السبق فى الطليعة بالقياس إلى الفروع الأخرى من الفنون الإسلامية. ثم جاء الاهتمام بالكتابات الإسلامية خاصة عام 1828 م حين أخرج "رينو" كتابه المسمى "وصف الآثار الإسلامية فى مجموعة دوق بلاكاش". وفى عام 1838 أخرج المستشرق يوسف فون هامر برجشتال بحثا فى كتابة كوفية من مسجد الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله بالقاهرة.
وفى عام 184.م ألف ميخائيل انجلو لانشى كتابا فى شواهد القبور الإسلامية، وأعقب ذلك عام 184.م بكتاب عنوانه "بحث فى الصور الرمزية العربية، وفى تنوع الحروف الإسلامية فى نقشها على المواد المختلفة".

إن هذه المحاولات كما رأينا كانت غربية أساسا، إستشراقية تخصيصاً، قامت هذه المحاولات بجمع هذا الفن وتأريخه وتصنيفه حيث نجحت فى العديد من المجالات وأدت خدمات جلى للدارسين لاحقاً. إلا أن عملها التوثيقى ظل دون الإحاطة الجمالية، حيث احتفظ الاستشراق بنظرة دونية إلى الفن العربى الإسلامي، مبعثها أن هؤلاء المستشرقين كانوا ينطلقون من نظرية أوربية المركز والهدف، صنفت الفن الإسلامى على شاكلة فن اللوحة الزيتية الغربى فى مرتبة سفلي، هى مرتبة "الفنون التطبيقية" أى أنها حاكمت الفن العربى الإسلامى من خلال أقيسة ومعايير وقيم ناتجة عن ممارسة جمالية، هى غير ممارسته المخطوطة، أى أنها لم تنطلق من أقيسة المجتمع العربى الإسلامى نفسه ومعاييره وقيمه، ومما كانت تجيب عليه هذه الممارسات المخصوصة فى المجتمع من حاجات وتطلعات.


وعلى الرغم من كثرة الدراسات التى قدمها المستشرقون فى الفن الإسلامى فى القرون الأخيرة، إلا أنها وكما أدركت ذلك باحثة فى علم الجمال لم تحتو على فلسفة شاملة وشافية له فهذا جيرابرO.Grabar وجد أن فن التصوير الهندسى التجريدى "الأرابيسك" هو الفن الوحيد الذى يعبر عن فلسفة الإسلام الجمالية، واهتم إيتنهجاوزن R.Ettinghausen فى كتابه "التصويرعند العرب"بالجغرافية دون العقيدة،ووحّد بين فن التصوير والحضارى العربية. وباعد بابا دبلو A.papaDopulo فى كتابه الضخم "الإسلام والفن الإسلامي"بين مفهوم الإسلام والفنون وإن استثنى فن المنمنمات Minature إذ أنه رأى أنها الفن الوحيد الذى يرتبط بالمعنى الإسلامي. أما دافد جيمس D.James فقد رأى أن فن التصوير الإسلامى فن زخرفى أساساً، ويعطى الأولوية للجوانب العملية والنفعية لما يصنعه ونادرا ما يعبر عن مبدأ أو نظرية أو فكرة إستيطيقية.


وعلى الرغم من تأكيد م. س.ديماند وحدة الفن الإسلامى برغم تنوعه إلا أنه لم يحدد الأسس والمبادئ الجمالية التى ترتكز عليها هذه الوحدة، واهتم بعرض تاريخى لمصادر الفن الإسلامى وأساليبه وتقنياته، على نحو يوحى بأنه فن زخرفى وليس فناً إبداعياً ينطلق من رؤية فلسفية خاصة.


على الرغم من أننا لا نعدم أن نجد بعض المنصفين من المستشرقين لهذا الفن فنجد "بوركاهارت T.Burchhart فى كتابه "الفن الإسلامى :لغته ومعناه" قد نجح فى إضافة منهجية لدراسة الفن الإسلامي، وذلك عندما فسره من حيث إنه ليس عملية إنشائية تظهر فيها ذاتية الفنان ومواهبه الحسية والتعبيرية ومهاراته التقنية فحسب، بل من حيث إنه كذلك ثمرة للتأمل العقلى والرؤية الروحية للعالم ولحقيقة ما وراء الكون، ولهذا مهد لبحثه بفصل عن الكعبة ليوضح منابع الفن الروحية التى تصدر عن الله وإليه تعود.
وعلى الرغم من كل الأساليب غير السليمة التى يلجأ إليها بعض الكتاب الغربيين فى دراساتهم واستغلال هذه الكتابات وتسخيرها لخدمة أغراض غير علمية، فإن إسهامات المستشرقين فى دراسة الإسلام علومه وفنونه قد أضافت الشيء الكثير إلى الثروة العلمية والفنية المتوفرة لدينا الآن، كما أنها بينت لنا موقف الفكر الغربى من الإسلام وأسلوب دراسته ونظرته إليه، كما فتحت مجالات كبيرة وجديدة لمعالجته من زوايا مختلفة قد لا ينتبه إليها العلماء المسلمون.


وكما يقول أحد الباحثين أن عدداً كبيراً من المستشرقين تناولوا الإسلام فى كتاباتهم واتبعوا فى ذلك مناهج كثيرة ومتنوعة كما انهم أ بدوا كثيراً من وجهات النظر المتباينة، ولكنهم على العموم أسهموا فى إلقاء أضواء كثيرة على الإسلام من زوايا ربما كانت تفوت المسلمين أنفسهم، خاصة تلك الفنون الإسلامية التى أعرض أصحابهم أنفسهم عنها فى القرون الأخيرة.


وعلى كل حال فان ممارسة الفنانين المحدثين، الغربيين ثم العرب والمسلمين، قادتهم منذ مطلع هذا القرن إلى التعرف على فنون أخرى قديمة ومغايرة، غير الفنون الأوروبية، مما سلط الأضواء على الفن العربى الإسلامى "مثل الفن الأفريقى أو المكسيكي".


هذا ما فعله "بول كلى وكاندينسكي" فى تونس ؛ وهكذا نشأت صلات بين" مربعات " الفنان موندريان والخط الكوفى التربيعي.. وقد أفادت فـ"لإعادة الاعتبار" لفنون مبعدة، محتقرة، ملحقة بفنون الفلكلور فيما مضى، مؤكدة على وجود قيم جمالية واحدة فى العالم، عاملة، بالتالي، على تصور آخر للجمالية فى التصوير لا يقوم فقط على المحاكاة والشبه، بل على جمالية تستند إلى عالم الخط والعلامات والأشكال "الفن التجريدي"الذى كان له النصيب الأكبر من المساحة فى الفنون الإسلامية. ولقد سبق ذلك التوسع الأوروبى فى القرن التاسع عشر والذى أدى إلى اهتمام متعاظم بالشرق فى الميادين الأدبية والفنية، وكان لرحلات بعض كبار الرسامين، كرحلة "غرو" "وجيروديه" إلى مصر، وديلاكروا إلى المغرب "1823" وشاسيريو إلى الجزائر "1846" أثر حاسم على إبداعهم الفني. ولم يكتف الغرب بدراسة الآثار الفنية العربية، بل قام باقتنائها وتغذية المتاحف الغربية بها، ويكاد لا يخلو متحف فى الغرب من قسم أو قاعات مخصصة للآثار الفنية المكتشفة فى البلاد العربية، مع غيرها من مكتشفات العالم الإسلامي.


ومن ابرز الآثار المعمارية فى متاحف الغرب واجهة قصر المشتى الأموى التى نقلت إلى متحف الدولة فى برلين الشرقية، والقاعة الحلبية التى نقلت إلى المتحف ذاته، والقاعة الشامية التى نقلت إلى متحف الميتروبوليتان فى نيويورك، ولا ننسى تلك القطعة الفنية التى سقطت من ذقن أبو الهول والموجودة بالمتحف الفرنسى "اللوفر" وكذلك حجر رشيد الذى بواسطة قراءته تمكن شامبليون الذى كان مرافقا لنابليون فى حملته على مصر من معرفة أسرار اللغة الهيروغليفية.


أما التحف المنقولة، فإن متاحف العالم تزخر بروائع الفن التطبيقى العربي، المصنوعة من المعدن أو الزجاج أو القماش أو الحجر. وتزهو هذه المتاحف بما تحويه من آثار رائعة وصلت أسعارها إلى حدود خيالية بسبب تهافت الهواة والتجار على شرائها واقتنائها فلقد أصبح من الهواة من اختص باقتناء الآثار الإسلامية فقط. ولقد رافق هذاا لإقبال نحو اقتناء الآثار العربية الإسلامية التوسع بدراستها ونشر تاريخها فى الإعلام الغربى فضلا عن مؤلفات بذاتها قد وضعها كبار مؤرخى الفكر الغربي، ومن أبرز هؤلاء مارسيه وتالبوت رايس وجانين تومين سورديل وكونيل. ولقد ترجمت كتبهم إلى لغات أخرى وترجم بعضها إلى العربية وقد صدرت مؤلفات تبحث فى جانب محدد من الفن الإسلامي، مثل العمارة لسرايقورا. ومثل الزخرفة لبريس دافن والتصوير "إتنجهاوزن" والرقش العربى "كونيل" والفسيفساء "م.فان برشيم"، والخط العربى والكتابة "ستاركي" والكتابة عن النقود العربية والنميات "ماير".


ومنهم من اختص بفلسفة الفن الإسلامى مثل غريار وبابا دوبلو. وقد تم الاحتكاك مع الغرب، كما هو معروف فى سياق ظروف سياسية وحضارية غير متكافئة، حين اخترق الغرب الثقافة العربية انطلاقا من استراتيجية هيمنية استهدفت احتلال الأرض والإنسان والكيان، وقد أدى اندماج الفنانين العرب فى البداية، داخل هذه الاستراتيجية، من خلال التعليم وتكييف الحساسية والذوق حسب المعايير الغربية، إلى استنساخ كثير من التجارب الغربية وإعادة صياغة بعض أشكالها وتقنياتها. مما ترتب عنه انسلاخ شبه تام عن التربة الثقافية التى انبثقوا منها. ومنذ بداية القرن يمكن القول أن الانفصال الفنى عن خصائص ومميزات الفن القديم، خاصة الفن الإسلامى قد تم بشكل تام... على أن ثمة تمايزا يصل إلى حد التناقض بين الفنين الإسلامى والأوروبي..ليس فى الإنتاج فحسب، بل فى الذاكرة وفى الذائقة. وهو ما سيتضح لنا من استعراض مختلف الفنون الإسلامية فى محاولتنا لاستكناه المبادئ الفلسفية التى تقبع خلف هذه الفنون، والبواعث والدوافع الجمالية التى سنجد أنها كانت تحرك الفنان المسلم للخلق والإبداع.


وفى الماضى القريب كان على الفنان العربي، خاصة فيما يتصل بالفنون التشكيلية، أن يختار، وفى سباق ممارسة اختيارهم عاش أغلب التشكيليين العرب، إن لم نقل كلهم، قلقا وجوديا تجلى فى أساليب استلهامهم لذاكرتهم الثقافية والرمزية، وفى طرق استيحائهم للوقائع المختلفة التى عاشوها وتفاعلوا معها. صحيح أن بعض علامات الخزان الرمزى والجمالى للشرق قد تم إعادة تنشيطها من طرف بعض الفنانين الكبار أمثال "بول كلي" و"دولاكروا..الخ وتكونت لدى الغرب نظرة غرائبية للشرق من خلال هؤلاء الرسامين، حيث تبلورت رؤية إستشراقية للفضاء الثقافى العربى إلى جانب الأدبيات الإستشراقيةالأخرى.


وقد تختلف دوافع المستشرقين وأهدافهم عن الأسباب الدفينة التى أدت بالرسامين الغربيين إلى تصوير الشرق. ثم إذا كان أغلب المستشرقين قد جعلوا الشرق موضوعا لتفكيرهم ولمعرفة مفهوماته ونقط ضعفه وقوته للإنقضاض على جغرافيته والتحكم فى مصيره،فإن الرسامين الغربيين جاؤوا للشرق لإغناء مخيلتهم كما يذهب إلى ذلك بعض الباحثين "21" ورصد ما اعتبروه يشكل الغرابة والاختلاف بالنسبة إليهم.


وإذا كان الفنانون العرب قد اصطدموا بهذه النظرة "الإثنوغرافية" للشرق فى سياق ممارستهم التشكيلية وشعروا بضرورة الانفصال عن كل ما لا يمت إلى ذاكرتهم الثقافية وواقعهم الحياتى بصلة، فإنهم قد انخرطوا فى تجارب لابد للفكر العربى الفلسفى والجمالى من استنطاق مكامن قلقها، وازدواجيتها. فبريق" الغرب الذى لمع فى عيون الشرقيين، واستيقاظ الشرق من غفوته فى عيون الغربيين، وإقامة جسور الوصل، وتبادل العناق مرة، والجفاء مرة ثانية، الشهادة المتعادلة والشهادات المتناقض أحيانا أخرى، الاستئناس والنفور، الحذر والتعاطف. جميعها انعكست فى الاتجاهات الفنية المعاصرة، كما انعكست كذلك فى الاتجاهات السياسية والاجتماعية التى يمكن لنا أن نصفها على الأقل فى عالم الحركة الفنية بأنها اتجاهات تدور فى مدار الحيرة".


وبعيداً عن الاتجاهات الأدبية التى وضحت بفضل كثير من الدراسات الأصيلة المعمقة فيها الذات العربية والإسلامية وبلورة مفاهيم ونظريات يمكن أن تجسد شخصية متميزة، فإننا نجد أن الفنان التشكيلى العربى بسبب خصوصية ممارسته الثقافة، جسد "هذا التوتر بأشكال ورموز وصور مختلفة وهذا التوتر يبرز فى كثير من الأشكال التى سلكها المبدعون العرب سواء فيما يخص الإطار أو الأدوات أو المواد أو فيما يتعلق بالخط العربى المدمج فى إطار اللوحة أو المرجعيات التراثية، أو ما يمس استلهام الصناعات التقليدية والحرف الشعبية التى تختزن عمقا إبداعيا كبيرا". إن مسألة هذا التوتر والازدواجية تمثلت، بصورة أساسية، فى قضية الشكل، ولقد واكب الهم الفنى العام، كما يلاحظ أحد الباحثين "همّ منفرد هو استقلال "الموروث" الأوروبى بشكل يناسب الموروث الحضارى المحلى، وما فى البيئة من أشكال وخواص، بمعنى إعطاء خلاصة بحث فكرى وفني. والصعوبة الإنشائية هنا : فى الشكل قبل أن تكون فى الموضوع".


قد يلاحظ المرء أن هذه القضية ليست خاصية إشكالية تميز حقل الفنون التشكيلية العربية، لأنه يمكن رصدها فى مختلف المجالات ا لتعبيرية الحديثة، من مسرح وموسيقى ورقص وسينما وأدب...الخ وهذه ملاحظة واردة ومشروعة، غير أن مسألة الشكل فى الممارسة التشكيلية لها قيمة قصوى؛ إذ بالأسلوب والشكل يبرز التماسك الداخلى للعمل الفني، وبه تتمكن ذاتية المبدع من التعبير عن تفاصيل هويتها. والمتابع للاتجاهات الأدبية العربية والإسلامية من الشعر والقصة والمسرح، وما أنتجته الحركة التشكيلية العربية، منذ بدايتها فى العصر الحديث إلى الآن، يسترعى من الباحثين والنقاد والمفكرين التحاور معه ودراسته للوقوف على مكوناته وخصائصه الجمالية،والكشف عن مقوماته وإحالاته المرجعية الرمزية.


لقد أنتج كل قطر عربى مبدعين جعلوا من التشكيل مجالا للتفكير ومن اللوحة أو من غيرها فضاء فنياً لرؤية العالم والواقع. وجرب هؤلاء الفنانون كل الاتجاهات الفنية العالمية، وما زالوا، وأدمجوا أكثر من عنصر تراثى فى أعمالهم، فيهم من سقط فى توفيقية تعيسة، وفيهم من نحت لنفسه أسلوبا تشكيليا بالغ التماسك والقوة، وتجاوز به حدود الوطن العربي، ومنهم من اكتفى باجترار تجارب الآخرين، ومنهم من نهل من المخزون التشكيلى الذى أبدعته المخيلة الشعبية...الخ، أمام تعدد التجارب واختلاف الأساليب وتنوع الأشكال، داخل كل قطر عربى وإسلامى على حدة، وبحكم الازدهار الكمى للأعمال الأدبية التشكيلية فى مختلف أجناسها، ومن طرف مختلف أجيالها، فإن هذه الحركة طرحت وما زالت تطرح على النقد الأدبى والفنى أسئلة لم يتمكن بعد من صياغتها.


خاصة بعد أن بدأ الغرب يولى آدابنا وفنوننا كثيرا من اهتمامه، ويشير بعض مفكريه ونقاده إلى عبقرية فذة تتبدى فى تراثنا المعمارى والتصويرى والزخرفي، فنجد على سبيل المثال أن صالة Computeral الألمانية تختص بتحديث البرامج الرياضية للزخرفة الإسلامية الهندسية عن طريق العقل الإلكتروني، ومع نشر بحوثها الغرافيكية تبين أن "الكمبيوتر" توصل إلى احتمالات لانهائية سواء على مستوى توليد الوحدات الأولى "الأم" أو على مستوى برامجها الجبرية، ورغم أن حدة الصدمة التى سببتها هذه النتائج المتفوقة على عقل الخوارزمي، فقد تبين أن الفرق كان ملحوظاً على مستوى الحساسية الفنية. وهنا تبرز الحاجة إلى الدراسات المتعمقة للخصائص الجمالية للفن العربى الإسلامى والتى تتجاوز المعرفة الرياضية إلى أبعادها الروحية.


إن عيب عصرنا هو وقعيته وكبرياؤه. لقد دفعه نجاحه المادى إلى توهم أن الماضى قد انتهى وفق قيمته، وأنه يستطيع الانفصال عنه، فى حين أن الماضى هو المنبع الأصيل للفن التشكيلي، كما تشهد بذلك ابتكاراته المعمارية التى بقيت نماذج راسخة حتى اليوم، كما أنه منبت التراث الثقافى بأديانه وفلسفاته التى اندثرت وما يزال العالم يشع رغم اندثارها برسالة روحانية، وهو ما يكشف عن أهمية التزود بعظمة الماضى الباقية فى روائعه الفنية والفكرية والأدبية التى تعيننا على إدراك معانى الأشكال والروحانيات حين نرى كيف عاش البشر دائما بالروحانيات والماديات معاً.


فالتزود بالماضى واستلهام التراث شرط لابد منه لخلق الجديد الذى ترتبط به الجماعة إنه عنصر الاستمرار الضروري، وليست العودة إليه إلا ضمانا لتحريك وعى الإنسان فى العصر الحديث، الذى بدأت فيه الأمم تفقد هويتها وشخصيتها بفعل العالمية والكوكبية الجديدة، نحو الإحساس بالقيمة الشكلية وبالقيمة الروحية ولتعويض النقص الروحى الذى يعانيه عصرنا الغارق فى الإنجازات المادية بالكشف عما قدمه الفنان المسلم فى مختلف أشكال الآداب والفنون.

* أستاذ الفلسفة الإسلامية، قسم الفلسفة والاجتماع، كلية التربية، جامعة عين شمس، روكسي، مصر الجديدة.

  •  

  •  

  • تصوير الوجدان
    الفن الاسلامي: محاولة اكتشاف وتعرف
    د. بركات محمد مراد
    العرب أون لاين

 
 
 
 
إن المنشور في هذه الصفحة يخضع لشروط المسؤولية القانونية المنشور على هذا الرابط
إضغط هنا لقراءة الشروط
 
 

25/02/2015

فنون عربية وعالمية